التخطي إلى المحتوى

مع إستقرار المصريين علي ضفاف نهر النيل أصبحت أسماكه جزء هام من حياتهم مع إرتباط حياتهم بالنهر, الذي كان كريماً معهم دوماً وقت الفيضان وقد كانت مصر في العصور المصرية القديمة غنية بالأسماك النيليلة التي ظهرت بأنواعها المختلفة في النقوش والجداريات, وكذلك كان الحال بالنسبة للبحار وأهمهم البحر الأحمر الذي ظهرت أسماكه علي الجداريات وخاصة معبد حتشبسوت في توثيق جملتها الشهيرة لبلاد بونت عبر البحر الأحمر.

وقد كان الإبحار بالقوارب في مصر القديمة شيئاً شائعاً ومنتشرا بطول البلاد وعرضها, فنهر النيل في العصور القديمة كان يمتد في جميع أنحاء البلاد خاصة في وقت الفيضان الذي حفر المصريون الترع والقنوات للتحكم فيه فكانت القوارب وسيلة مواصلات رئيسية لدي القدماء, وقد تباينت القوارب في مصر القديمة ما بين القوارب الصغيرة بسيطة الصنع من البردي, كما صنع من البردي قوارب أكبر حجماً وأكثر متانة.

أما قوارب النبلاء والملوك والقوارب التي كانت تستخدم في الطقوس الدينية المختلفة فكانت جيدة الصنع متينة الخامات, وقد برع المصريون في صناعة القوارب والسفن منذ عصر بعيد ولا مثال علي ذلك أبلغ من سفن الملك “خوفو” التي تم العثور عليها بجوار هرمه وكان أحدها قائماً في متحف بجوار الهرم ومن ثم إستقرت في المتحف المصري الكبير.

سفينة الملك خوفو
سفينة الملك خوفو

وقد تنوع إستخدام القوارب في مصر القديمة ما بين وسيلة مواصلات للعامة, وكذلك قوارب الحج إلي ابيدوس التي ظهرت في العديد من الجداريات في مصر القديمة, كذلك السفن الكبيرة المستخدمة في الأعياد مثل تتويج الملك أو حتي طقوس جنازته أو مروره بسائر أنحاء البلاد, وقد مخر المصريون القدماء كذلك عباب البحر وهو ما ظهر جلياً علي جدران معبد الدير البحري وبعثة الملكة حتشبسوت إلى بلاد “بونت” – لربما الصومال حالياً- وقد وثقوا بيئة البحر الأحمر توثيقاً دقيقاً من أسماك وحياة ونباتات برية.

ونظراً لتلك البراعة المذهلة لدي القدماء في الإبحار نهراً وبحراً كان من الطبيعي أن يبرعوا في فنون صيد الأسماك وأكلها, فكانت الأسماك من الأطعمة الشهية للعامة والنبلاء علي حد سواء, بل أنها كانت جزءاً رئيسياً من طعام العامة, ولكنه – ويا للغرابة- كانت قوائم الطعام في مصر القديمة تخلو من الأسماك, بل أنها لم تظهر علي موائد القرابين إلا فيما ندر, وعلي العكس تماما نري الأسماك تظهر في كثير من المناظر في العصور اليونانية الرومانية وإستمر ذلك في العصور القبطية التي صورت الأسماك أيضاً والتي ظهرت كامتداد لمناظر الصيد في مصر القديمة والتي تظهر الأسماك في المياة والصياد بقاربه يقوم بصيدها, وبشكل عام وخلال العصور المصرية القديمة فإن تعامل المصريون مع الأسماك كان غاية في الغرابة والتناقض في بعض المواضع.

البهنسا لا تأكل الأسماك

في مصر القديمة انقسم المصريون لنوعين, نوع يعتقد أنها أرواح طيبة من الماء, والنوع الآخر يذهب لأنها غير طاهرة وبالتالي لا يحبون أكلها.

في مقاطعة “بر مدجد” – البهنسا حالياً-  كان سكانها لا ياكلون أى نوع من الأسماك هي والبلدان التابعة لها, وكان كهنتها محرماً عليهم أكل السمك لأنه يعدونه نجساً وحرموه, وحرموا أكله أمام أبواب المنازل في اليوم التاسع من الشهر الأول من التقويم المصري القديم , وهو اليوم الذي كان المصريون باكملهم يأكلون أسماكاً مشوية أمام أبواب منازلهم طبقاً لعقيدتهم الدينية, فكانت البهنسا إستثناءا ” سمكياً” إن جاز التعبير.

وفي تدوين متون الاهرام نجد أن الفنانين المصريين تجنبوا نقش العلامة الهيروغليفية التي تمثل السمك, أما في كتاب الموتي فلا يتلو تعاويذه السحرية إلا رجل طاهر لم ياكل لحماً أو سمكاً, وفي 29 كيهك كان ينصح برد من أكل سمكاً من المعابد.

جدارية من مقبرة نب آمون, المتحف البريطاني
جدارية من مقبرة نب آمون, المتحف البريطاني

وفي مصدر آخر وهو بردية سالييه كان أكل السمك محرماً في بعض أيام السنة وهو ما يشبه إلي حد كبير ما يتبعه المسيحيين الشرقيين الآن عندما يحرمون أكل السمك في بعض المناسبات الدينية, إلا ان المصريون القدماء كانت لهم أسباباً أخري – بجانب الدينية- فمنع أكل السمك في تلك الأيام كان يعطى مساحة للسمك ليتكاثر بحرية في النهر في تلك الأيام, علي أن ذلك التحريم لم يكن قاعدة عامة يتبعها الجميع في مصر القديمة فكان قطاع آخر لا يمنع أكله وجزء منهم يمنع أكله في أيام محددة من السنة.

صيد السمك في مصر القديمة

كان الإنسان المصري منذ آلاف السنين يفرش حصيرته علي الأرض في مكان ظليل علي ضفة النهر ويلقي بحبله في الماء وينتظر, وهو ما ظهر علي جداريات الدولة القديمة اما نبلاء ذلك العصر فكانوا يجلسون علي مقاعد أثناء الصيد, وفي ذلك العصر كانت العصا قطعة واحدة قصيرة بها خيط او خيطين مثبت كل منهما في شص مصنوع من البرونز.

شص صيد من البرونز, متحف اونتاريو
شص صيد من البرونز, متحف اونتاريو

إصطاد المصريون القدماء الأسماك باستخدام الحربة لطعن الأسماك, وقد كان ذلك الأسلوب في الصيد رياضة مارسها النبلاء وقتها, وكانت الحربة طويلة رقيقة لها طرفان مدببان.

أما الطريقة الأكثر شيوعاً فهي الصيد بالشبكة, وفي بعض الأحيان كان الصياد يستخدم نوعاً من الشباك في الماء الضحل في قائم خشب علي كلا الجانبين  ثم يقوم الصياد بمسك أحد القائمين ويدفعه تحت الماء وينتظر أن تسقط الأسماك في الشباك.

أما الشباك التقليدية فقد ظهرت بكامل تفاصيلها علي الجداريات, فكانت تلقي في المياه ولها عوامات في أعلاها وثقل في الأسفل, كما ظهرت الشباك الكبيرة ذات الفتحات الواسعة التي يتم سحبها عن طريق قارب أو قاربين بحيث تسمح للأسماك الصغيرة بالإفلات وإصطياد الأسماك الكبيرة.

الصيد بالشباك, مقبرة مرى روكا
الصيد بالشباك, مقبرة مرى روكا

وبعد إنتهاء الصيد كانوا يضعون الأسماك في سلال بينموا يعلقوا الأنواع الكبيرة علي قائم خشبي أو عصا يحملها أحدهم علي اكتافه أو حتي يحملها بين يديه او تحت ذراعه, وقد ظهر منظر عظيم لصيد السمك علي جدران مقبرة “تي” في سقارة يمثل إثنان وعشرون صياداً يسحبون شبكة مهولة من المياه بعدما أمتلئت بالأسماك.

وقد ذكر هيرودوت أن الصيادين كانوا يصطادون كميات مهولة من الأسماك من بحيرة “مورس” – تعرف الآن ببحيرة قارون- كانت تمد الفيوم بأكملها باجود أنواع الأسماك, وقد كانت هذه الأسماك علي ما يبدو لها تقديراً بالغاً في ذلك العصر بسبب نكهتها المميزة, وكالعادة كان السمك يؤخذ طازجاً للسوق أو يتم حفظه عن طريق التجفيف ثم التمليح.

الأسماك في الجداريات المصرية القديمة

كما ذكرنا سابقاً فإن العديد من الأسماك ظهرت في الفن المصري القديم والتي لربما يتعجب من تنوعها الإنسان المصري المعاصر الذي لم يشهد النيل بهذا الكم من الخيرات.

قشر البياض: وأطلق عليه المصريون القدماء “عحا” وكان مقدساً ومحرم أكله في مدينة إسنا والتي كان إسمها باليونانية لاتوبوليس وتعني مدينة السمك.

فتيل البياض: كان مقدساً في إسنا هو الآخر وفي الشلال أيضاً

السمك البني: وكان مقدساً في البهنسا, وظهر في الكثير من المقابر مثل مرى روكا من الدولة القديمة وكذلك بعض من آثار الملك سنوسرت الأول من الدولة الوسطي.

ثعبان الماء:كالعادة كان مقدساً في إسنا والشلال, وظهر في العديد من الجداريات بمقابر سقارة وكذلم مقابر بتي حسن من الدولة الوسطي.

القنوم: تلك السمكة تمثل العلامة الهيروغليفي “خا” ووصفها هيرودوت في كتاباته عن مصر, فهي طويلة ذات زعانف لينة وأنف مدبب وكان أشهر ما إرتبط بتلك السمكة في عقيدة المصريين القدماء أنها من إبتلعت قضيب الإله أوزير عندما ألقي به أخوه الشرير ست في النهر وقامت زوجته المخلصة إيزيس بتجميع أشلاء زوجها مرة أخري لتعيد له الحياة إلا أن قضيبه كان مفقوداً بعدما إبتلعته سمكة القنوم, وقد ظهرت تلك السمكة في مقابر الدولة القديمة بسقارة وكذلك من الدولة الوسطي مقابر بني حسن وقد ظهرت من ضمن الأسماك التي كان يصطادها المصريون عن غير قصد.

البلطي: كما هو الآن النوع المفضل للغالبية العظمي من المصريون فقد كان ذلك هو الحال في مصر القديمة , وقد كان سمك البلطي هو العلامة الهيروغليفية التي تنطق “إين”.

حاوية صغيرة علي شكل سمكة البلطي, المتحف البريطاني
حاوية صغيرة علي شكل سمكة البلطي, المتحف البريطاني

البوري: أطلق عليه المصريون القدماء “بري” والذي تحول في القبطية إلى “بوري” وإحتفظ باسمه في مصر حتي يومنا هذا, وقد كان البوري المشوي واحداً من أفخر الأطعمة في مصر القديمة.

القرموط: وهو الذي أطلق عليه المصري القديم إسم “نعر”, أغلب الظن أن هذه السمكة كانت مقدسة في إلفنتين ولا يؤكل في طيبة بينما كان يؤكل في الدلتا “مصر السفلي”.

الشال: وهو سمك يحتوي علي نسبة كبيرة من الدهون وأكله المصريون مشوياً, وظهر علي جدران مقابر الدولة القديمة بسقارة.

الشلبة: وإسمه باللغة المصرية القديمة “بوت” وظهر في مقبرة كاجمني في سقارة.

الفهقة: ويطلق عليه أيضاً سمك المنفاخ أو الفكاكا, أطلق عليه المصريون القدماء “شبت”.

البسارية: وكان يسمي في مصر القديمة “بساري” وعثر بالفعل عليه مجففاً في مقبرة طبيبة تعود للعصر الروماني.

 

تجفيف الأسماك وصناعة الفسيخ والبطارخ

برع المصريون في الصناعات المتعلقة بالأسماك وخاصة حفظها وتجفيفها بل واستخراج “البطارخ” من بعضها, وقد ظهر ذلك في مناظر  مقبرة ” نب كاوو حر” بسقارة, كما كان  السمك المجفف ذو أهمية قصوي في تموين المصريين وكان طعاماً رئيسياً للفقراء.

ذكر هيرودوت من ضمن مشاهداته عن المجتمع المصري وقت زيارته – فيما يتعلق بتمليح الأسماك- أن المصريون كانوا يصطادوا الأسماك وترسل للسوق مباشرة, فيؤكل بعضها طازجاً مثل قشر البياض والبلطي, والأنواع الاخري يتم شقها من منتصفها وتملح ثم تعلق علي حبال وتعرض لأشعة الشمس حتي تجف تماماً.

جمع الأسماك وتقطيعها
جمع الأسماك وتقطيعها

وفي أحيان أخري كانت تشق بالطول من الرأس للذيل لفصل الجانبان عن عظمة الظهر ” فيليه”, أما الطريقة الثالثة فكانت إخراج امعاء السمكة وإزالة رأسها ونزع قشورها وذيلها ثم تمليحها وتركها في الشمس لتجف, وكان أهم مواسم تمليح الأسماك هو المناسبات الدينية والتي لا تزال أصدائها تتردد بالمجتمع المصري حتي الآن في عيد شم النسيم.

تحنيط الأسماك

كانت الأسماك تحنط وتحفظ في المقابر كغيرها من أنواع الطعام والشراب, وقد عثر علي العديد من الأسماك المحنطة من مصر القديمة في حالة ممتازة جعلت من السهل التعف علي أنواعها, وعلي الرغم من ذلك فغنه من الصعب معرفة طريقة تحنيط الأسماك بالتحديد فبعضها يخلو من القار الذي كان يستعمله المصريون في التحنيط, وقد اظهر التحليل الكيميائي لبعض العينات أنها تم نقعها في محلول من الماء المالح ثم أحيطت بالطين والملح وتم تغطيتها باللفائف, وقد ساعدت البيئة الصحراوية الجافة لاماكن الدفن في مصر القديمة علي حفظها لآلاف السنين.

سمكة بياض نيلي محنطة, المتحف المصري
سمكة بياض نيلي محنطة, المتحف المصري

وقد عثر في بعض المقابر علي تماثيل لأسماك بعضها من البرونز, فنجد منها المتوج بقرص الشمس وقرني البقرة “حتحور”, تماثيل أخري تمثل الإلهة “حات-محيت” إلهة الأسماك في مصر, كما عثر علي تمائم واواني صغيرة مختلفة أخذت شكل السمك.

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *