التخطي إلى المحتوى
ماهي قوانين ماعت؟ وكيف نقل لنا الموتي تعاليم أخلاقية من مصر القديمة؟
ماهي قوانين ماعت؟ وكيف نقل لنا الموتي تعاليم أخلاقية من مصر القديمة؟
الأخلاق .. تلك الكلمة التي يعتبرها البشر دستوراً غير مكتوب ليميزوا به الإنسان الصالح من الطالح, ويهدفوا به إلى رقي الإنسان والنهوض بالمجتمع, مصر القديمة كانت أعرق الأمم التي رسخت ذلك المفهوم وطبقته لتترك مثالاً جعل عميد الأثريين الأميركي الشهير “هنري برستد” يكتب كتابه الأشهر “فجر الضمير” ليعبر عن الأمة المصرية كصرخة في فجر ضمير الإنسانية, ومن أشهر المصطلحات التي إرتبطت بالعدالة والأخلاق في مصر القديمة كانت “ماعت”, فمن هي ماعت؟ وكيف إرتبط مصير الموتي بالأخلاق في مصر القديمة؟

من هي ماعت؟

في الفكر الديني القديم كانت تجليات كل شيء خير هو “ماعت” فالماعت هي خلاصة الأخلاق, الأفعال الجيدة, الخير, العدل, الحق وكل شيء يمكن أن يصفه الإنسان بأنه جيد, وقد تجاوز مفهوم الماعت لما هو أبعد من ذلك فقد كانت الماعت تمثل الإنتظام الكوني والإنسجام ما بين عالم البشر والآلهة بل وحتي الإنسان والحيوان.

 

الإلهة ماعت
الإلهة ماعت

كانت ماعت في الفكر المصري القديم تصور علي هيئة إمرأة وعلي رأسها ريشة نعام, وقد كانت ماعت هي تجسيد القوانين الأساسية لجميع المخلوقات وتجسيد مفاهيم كل شيء خير وجيد لأنها مصدر قوة الآلهة والبشر والإنسان, أما تفسير إسم ماعت فقد كانت هناك آراء عدة ما بين الاستواء والإستقامة والإنضباط بمعني تطبيق القانون بكل أوجهه وأنواعه سواء دينياً او إجتماعياً, كذلك فهناك رأي يقول بان ماعت جاء من جذر الفعل “ماع” والذي يعني يوجه وبالتالي فالإسم يعني القائد او الموجه-ة, أما أشهر التفسيرات لذلك الاسم وهو الذي يتبناه الجميع تقريباً حتي الآن وهو الحق والعدالة لأنها من تحافظ علي النظام العام وكذلك هي بغية الآلهة والملوك وضمان فوز المتوفي بالأبدية وإجتيازه المحاكمة.

ماعت: إبنة الإله رع

كان أقدم ذكر لماعت في متون الأهرام التي دونت علي جدران أهرامات الدولة القديمة بداية من عصر الملك “ون-س” من الأسرة الخامسة, وقدإرتبطت ماعت بالإله رع في العديد من النصوص فيذكر بعضها أنها إبنته, أى أن “رع” خلق العالم وإنبثقت منه إبنته ماعت أى أن الإله هو أبو العدالة, ونصوص أخري تجعلهما مرتبطين روحياً فرع هو من خلق ماعت وفي نفس الوقت يعيش عليها, فيقول أحد النصوص:

يا رع, يا سيد الماعت يا من تعيش علي الماعت, يا رع أنت من تحب ماعت, انت من تتحد مع ماعت, حضرت إليك وجئتك بماعت, فأنت تعيش فيها, وأنت تبتهج بها وتتغذي عليها, قوي بها وتتجمل من خلالها وتتزين بها, إنها تطرح اعدائك أرضاً ويسعد قلبك لرؤيتها.

وكما كانت ماعت ضرورية للإله فأنها كانت أيضاً عماد الدولة التي قامت لتحقق ماعت وهو ما نجده مكرراً لدي الملوك المصريين الذي يقدمون تمثالا صغيراً  لماعت كقربان للآلهة في إشارة لتحقيقهم إياها, ونجد مثلاً الملكة حتشبسوت تذكر في أحد تقدماتها: ” لقد مجدت ماعت التي يحبها الإله, لأني أعرف أنه يعيش منها, إنها خبزي وأنا أشرب رحيقها لأني جسد واحد مع الإله”.

الحكيم بتاح حتب
الحكيم بتاح حتب

وقد كان مفهوم الماعت سائداً حتي في التعاليم التي وصلت لنا من مصر القديمة فنجد مثلا الحكيم والوزير وقاضي القضاء “كاهن الماعت” بتاح حتب يقول:

ما أعظم الماعت ,
فھى راسخة , أزلیة
لم یعتریھا التغیر منذ زمن أوزیر (منذ الأزل)
و ھى قانون كونى أسمى
من یعبث به , ینال عقابه
ان الشره (الطماع) قد یحوز ثروة بالغش و التحایل
ثم تأتى المصائب لتذھب بثروته
أما الماعت , فتبقى الى الأبد

وقد إشتملت الماعت علي وجوب قيام الإنسان بالأعمال التعبدية والتقرب من الآلهة, وتقديم القرابين وتشييد بيوت الإله “المعابد”, وذلك لأن تلك الآثار تحي ذكر مشيدها, كذلك فنجد في التعاليم صدي واسع لأرتباط العمل الدنيوي الحسن “الماعتي” برضاء الإله : إفعل شيئاً جيداً للإله وسيجازيك بمثله.

نصوص مكارم الأخلاق الماعتية

ومع إتساق كل تلك التعاليم الماعتية مع نظام الماعت نفسه, فقد كانت تلك النصوص بمثابة الدليل الذي القي الضوء علي المعاملات في مصر القديمة والقواعد الأخلاقية, فنجد حتي نصوصاً تتحدث عن علاقة الحاكم أو المسئول بموظفيه وإلتزاماته تجاههم والعكس, فنجد الحكيم بتاح حتب مرة أخري يقول: إذا كنت زعيماً علي قوم تقضي في شئونهم بما تمليه القوانين والأنظمة, متطلعاً إلى ما يأتي من أيام عندما لا يفيد الكلام. وإذا كنت حاكماً كن عطوفاً متأنياً عندما تصغي إلى شكوي مظلوم.

ألكاتب المصري آني
ألكاتب المصري آني

أما عن الملكية نفسها قكان إرتباطها بالماعت في التعاليم وثيقاً فنجد التعاليم التي لقنت للملك “مري كا رع” من عصر الأسرة العاشرة  ما يوحي بإرتباط الماعت بالعلم فلا يجدر أن يحكم الناس جاهل:إن أهم مؤهلات ملك الأرضين (ملك مصر) هي العلم، فلا يجدر بملك البلاد أن يكون جاهلا,لقد اختاره الإله من بين مليون رجل,إن الملكية منصب خطير، وعلى كل ملك أن يحافظ على ما أنجزه الملوك الذين سبقوه.

أما عن علاقة الفرد بأسرته فنجد من التعاليم ما ينظم ذلك: فبالعودة مرة أخري إلى بتاح حتب نجده يقول:اذا كنت رجلا ناجحا , فأسس لنفسك بیتا, اتخذ لنفسك زوجة تكون سیدة قلبك, أشبع جوفھا , و استر ظھرھا ,و قدم لھا العطور. أدخل البھجة على قلبھا ما دمت حیا فالزوجة ھى الحقل المثمر لزوجھاو لا تشكوھا فى المحاكم و لاتستخدم معھا القسوة و العنف و لا ترغمھا على البقاء فى البیت بالقوة و ارفق بھا حین تبكى.

وكذلك آني:لا تمثل دور الرئیس مع زوجتك فى بیتھا اذا كنت تعرف أنھا ماھرة فى عملھا و لا تقولن لھا : “أین كذا و كذا , أحضریھ لنا” اذا كانت قد وضعتھ فى مكانھ الملائم و اجعل عینك تلاحظ فى صمت حتى یمكنك أن تعرف أعمالھا الحسنة و مد لھا ید المساعدة فى عملھا , فان ذلك سیسعدھا و بذلك یتجنب الرجل الشجار فى بیته.

وبدون الحاجة إلى الإسهاب في النصوص فإننا كذلك فقد حثت تلك النصوص علي علاقات أسرية أخري كمعاملة الأبناء وكذلك بر الوالدين وتجنب الكذب والنفاق والرياء, إحترام الآخرين وعدم السخرية ممن لديه عاهة وغيرها من التعاليم التي وصفها المصري القديم بأنها متسقة مع “ماعت” وترضي الإله.

الموتي والأخلاق

یقول الكاھن المصرى  “با دي أوزير” -بیتوزیریس- الذى عاش فى العصر البطلمى :
** لن یصل الى الغرب الجمیل (مملكة الموتى التى یحكمھا أوزیر) الا من جاء بقلب سلیم و من أتت أفعاله متسقة مع الماعت **
تشكل النصوص الجنائزية وعلي رأسها  كتاب الموتي-  الخروج في النهار-  مصدراً مهماً لفهم الأخلاق والماعت في مصر القديمة, وذلك لان القيم الأخلاقية كانت يعتمد عليها مصير الإنسان في نيل الحياة الأخري وكذلك كانت هي ما تحدد نتيجة محاكمته اما الإله “اوزير”.
ومن أجل الخصوص علي ذلك الخلود كان علي الإنسان أن يقوم بنفي ما يسيء له أمام الإله, بل أنه يذكر تلك الأفعال المشينة التي لا تتسق مع ماعت وينفيها عن نفسه, وكذلك فان تلك النصوص كانت تذكر الأفعال الحميدة التي ذكرتها النصوص والتي تتسق مع الماعت.

الخروج في النهار ومحاكمة المتوفي

من أشهر النصوص الدينية التي تناولت فكرة ماعت و إسفت هي كتاب الخروج في النهار والمعروف بإسن كتب الموتي, وهو مجموعة من النصوص الدينية التي كانت تصف رحلة المتوفي في العالم الآخر وتحولاته عبر مراحل تلك الرحلة حتي وصوله لخلاص روحه وتحوله إلى روح مبرأة “آخو”.

ومن أشهر فصول ذلك الكتاب هو الفصل 125 والذي يخبرنا بماهية وكينونة ماعت, ففي ذلك الفصل يدخل المتوفي إلى قاعة العدالة “ماعتي” لتتم محاكمته أما الإله اوزير قاضي الموتي وبحضور إثنان وأربعين من الآلهة, ليوزن قلبه علي كفة الميزان.

السلام عليكم يا أيها الحاضرون فى قاعة “ماعت” هذه , أنتم البرىئون اصلاّ من الكذب , يا من تحيون على كل ما هو حق , ها قد أتيت إليكم , خاليا من الذنوب , دون جرم , دون مساوىء, دون متهمين, دون أعداء, أعيش على كل ما مهو حق, أفعل ما يقوله الناس وما يسعد الإله”**
 الفصل 125.. الدخول الى قاعة ماعت
ومن المثير للإهتمام اننا نجد مفهوم إقرار الأفعال الجيدة من قبل المتوفي أولاً عند دخولة لتلك القاعة كما ذكرنا سابقاً ليكون ذلك سجلاً نعرف منه كيفية إبراز الإنسان إتساقه مع الماعت امام الإله.
“لقد أرضيتُ الإله بما يحبه : فقد أعطيت الخبز للجائع والماء للعطشان وكسوت العارى وأعطيت الزورق لمن لم يكن يملك , قدمت القرابين للإله والقرابين الجنائزية للأبرار , لأنى كنت ماعتياً فى “كمت/مصر”  أنا واحد فمه ويداه طاهرين , انا من بقال له “تعال بسلام ! من قبل أن يرونه.”
الفصل 125.. الدخول الى قاعة ماعت

قوانين ماعت الإثنان والأربعون

ومن ثم نجد المتوفي ينفي عن نفسه إثنان وأربعون جرماً لكي يجتاز تلك المحاكمة وهي ما يسمي بالإعترافات الإنكارية, وهي أشياء غير متسقة مع ماعت ,اى أنها ذنوب أو إسفت, وقد سميت تلك الإعترافات بالخطأ بقوانين ماعت الإثنان والأربعون, وبينما المتوفي ينفي تلك الجرائم عن نفسه فإن الآلهة لا تكتفي بذلك , فإنها تقيم أفعاله علي ميزان ماعت, فيتم وضع قلبه علي كفة بينما ريشة الماعت علي كفة أخري, فإن كان قلبه أخف من الريشة فذلك يعني أنه “ماعتي” او بريء, وإن كان من المذنبين فقلبه أثقل من الريشة وفيكون مصيره أن يلتهم قلبه وحش أسطوري “عمعميت”, وقد كان إلتهام قلب المتوفي لا يعني سوي شيء واحد وهو فناء كينونة ذلك المتوفي للأبد, فكان مصير الموتي في مصر القديمة إما الخلود أو الفناء.
وقد عرفنا تلك الإعترافات الإنكارية من العديد من نصوص كتاب الخروج في النهار للعديد من الموتي مثل كاتب القرابين “آني” وكذلك “حو-نفر” ومعهم “نو” وغيرهم كثيرون.
وزن قلب المتوفي, بردية آني (1)
وزن قلب المتوفي, بردية آني (1)
الكلمات التالية تقال بواسطة (المتوفى (نو) الساقى الخاص بحامل الختم الملكى )
صادق الكلمات ,عندما يصل الى قاعة (الماعت/النظام الكونى) ,
ليتم فصله عن اية ذنوب ربما ارتكبها ليستطيع النظر الى وجه الاله :
انا لم ارتكب اية ذنوب بحق احد
انا لم اقهر عائلتى ولا رفقائى
انا لم اتصرف بمكر فى مجالس الحق
انا لم اطلب من احد عمل غير مهم لى
انا لم احاول استغلال الخدم
انا لم احتال على رجل متواضع لاسرق ممتلكاته
انا لم اتسبب لاحد بالالم
انا لم اجعل رجلا يبكى
انا لم اقتل احدا
انا لم أأمر بقتل احد
انا لم اتسبب بكارثة تصيب الرجال والنساء
انا لم اطفف فى الميزان
انا لم اسرق اللبن من افواه الاطفال
انا لم استولى على القطيع من راعيه
انا لم اصطاد السمك بطعم معد من لحم نفس نوع السمك
انا لم اوقف المياه حيث كان لها ان تتدفق
انا لم اقطع قنوات المياه
انا لم اطفىء النيران وقتما كان لها ان تشتعل
انا لم ارتد عن الاله
أنا ماعتي,أنا ماعتي,أنا ماعتي,أنا ماعتي, ,لاننى أنا أنف سيد الأرواح الذى يحي كل الناس فى هذا اليوم (يوم الحساب) , فى حضرة الإله سيد هذا المكان(مكان الماعت/الحق).
 الفصل 125.. إعلان البراءة امام الإله العظيم.
وما أن يتم ذلك يبادر المتوفي بإعلان برائته أما الإله مصرحاً بانه “ماعتي” منتسب لماعت, ليجتاز المتوفي أصعب مراحل رحلته للخلود في االعالم الآخر بينما الإله “جحوتي” يدون نتيجة تلك المحاكمة ويعلن براءة المتوفي.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *