قصة اكتشاف مركب خوفو ونقلها للمتحف المصري الكبير
قصة إكتشاف خوفو ونقلها للمتحف المصرى الكبير

في 26 مايو 1954 أعلنت جريدة النيويورك تايمز الأمريكية خبر اكتشاف مركب ضخمة مدفونة بجوار الهرم الاكبر، وقد أثار ذلك الخبر ضجة مشابهة لاكتشاف مقبرة الملك توت عنخ آمون، أحد ملوك مصر القديمة العظام.

تجهيزات نقل مركب خوفو
تجهيزات نقل مركب خوفو

وفى 2021 عادت تلك المركب لتتصدر عناوين الصحف مع نقلها للمتحف المصري الكبير

ما هي قصة ذلك الكشف المذهل؟

الأهرامات قديماً

كانت هضبة الجيزة مختلفة تماما عما اعتدنا عليه اليوم، ففي فترة اربعينيات القرن الماضي كان الركام والرديم والحطام يغطى أجزاء كبيرة من منطقة الأهرامات لدرجة أن الزائر لم يكن يستطع أن يرى الهرم الأكبر من بعض الزوايا بسبب الحطام والرديم، لذلك كان لا بد من القيام بأعمال تنظيف دورية للمنطقة بأكملها، ومع بداية الخمسينيات بدأت أعمال التنظيف حول الهرم الأكبر.

 

كيف تم اكتشاف مركب خوفو؟

مع تركيز أعمال تنظيف على الجهة الجنوبية وجد فريق العمل علامة مثيرة للشك وهي أن سور المجموعة الهرمية للملك خوفو من الجهة الجنوبية قريب من الهرم نفسه وذلك على عكس نفس السور فى الجهات الثلاث الأخرى.

والمجموعات الهرمية هى عبارة عن مجموعة مبانى تشمل الهرم نفسه ومبانى أخرى يحيط بها سور، وكان تتبع مكان ذلك السور هو بداية الكشف عن مركب الملك خوفو.

كان قرب السور من الجهة الجنوبية يؤكد على أنه وضع بذلك القرب لإخفاء شىء أسفله، وبالفعل ومع إستكمال أعمال التنظيف تم العثور على حفرتين ضخمتين يغطيهما مجموعة من المجاديل الحجرية.

 

الكشف عن مركب خوفو

وبالفعل وفى 26 مايو 1954 ومع إنتهاء أعمال التنظيف، يقوم فريق العمل بعمل فتحة فى احد المجاديل الحجرية لينظر المهندس “كمال الملاخ” من تلك الفتحة ليرى مجداف عملاق فيتأكد أنهم عثروا على مركب الملك خوفو.

صور توثيق كشف مركب خوفو.
صور توثيق كشف مركب خوفو.

وعلى الفور يقوم “كمال الملاخ” بابلاغ جريدة “نيويورك تايمز” والتى كان يعمل لها مراسلاً، لتصبح أول صحيفة تنشر خبر الإكتشاف على الإطلاق،بينما اكتفت الصحف المصرية بنقل الخبر فقط.

 

القصة العجيبة للكشف عن مركب خوفو

على الرغم من اكتشاف فريق العمل لحفرتين فى الجهة الجنوب،ية واحدة فى الشرق والأخرى فى الغرب إلا ان العمل قد تركز فقط على الحفرة الموجودة فى الجهة الشرقية والتى عثروا بداخلها على المركب، أما الحفرة الأخرى فكان بها مركب آخر ولكن لم يتم التركيز عليها وقتها وتم إرجاء العمل بها لحين اشعار آخر.

بدأت أعمال رفع المجاديل الحجرية للكشف عن المركب، وكانوا على موعد مع معلومات مهمة تركها المصرى القديم على تلك الأحجار، فقد ترك العمال مخربشات مكتوبة على تلك الأحجار ومنها كتابات عمال المحاجر او حتى كتابات تشير لأماكن وضع تلك المجاديل الحجرية.

وقد استغرق رفع جميع الكتل الحجرية حوالى 6 شهور لتخرج مركب خوفو لأول مرة إلى النور منذ 4600 عام.

 

كشف أسرار مركب خوفو

وضع المصريون القدماء المركب مفككة بالكامل فى الحفرة،وقد بلغ عدد القطع الخشبية 1224 قطعة  وضعوها بترتيب معين مكون من 13 طبقة فوق بعضها البعض، وتركوا مع تلك القطع الخشبية حبال أيضا، إلا ان تلك الحفرة خلت من أى نوع من انواع المسامير.

وذلك لأن المصرى القديم لم يتخدمها وإنما استخدم تقنية “العاشق والمعشوق” لتركيب الأجزاء الخشبية مع بعضها البعض ومن ثم ربطها بالحبال.

ومع الكشف عن الحفرة نفسها وجدوا على السدادات الحجرية من الأسفل 18 خرطوش لملك يدعى جدف رع.

 

جدف رع يدفن خوفو

كان وجود خراطيش الملك جدف رع يعنى الكثير من الأشياء، أولها أنه هو من اشرف على دفن تلك المركب وهو ملك متوج وذلك يعنى بالتبعية أنه كان خليفة الملك خوفو وهو من أشرف على جنازته ايضاً، وذلك ما غير نظرة علماء الآثار لفترة حكم الملك المجهول “جدف رع” والذى لا يعرفه الكثيرون حتى الآن.

 

الحاج أحمد يوسف: أعظم المرممين

إستغرق رفع القطع الخشبية حوالى سنتين ومع الوصول لتلك المرحلة يظهر بطل جديد للقصة وهو الأسطورة المصرية “الحاج أحمد يوسف”، وهو أعظم مرمم أثرى فى تاريخ مصر وقد قام بالعديد من أعمال الترميم الشبه مستحيلة مثل ترميم كنوز الملكة حتب حرس أم الملك خوفو، وكذلك كنوز تانيس.

الحاج أحمد يوسف
الحاج أحمد يوسف

وقد تم إسناد ترميم تلك المركب العملاقة للحاج أحمد يوسف، ولكى نعرف حجم الإنجاز الذى قام به فأبعاد المركب كانت 43.6 متر طول، أما عرضها فكان 5.9 متر وبلغ وزنها أكثر من 38 طن !

وعلى الرغم من صعوبة المهمة إلا أن اختيار الحاج أحمد يوسف كان فى محله، بدأ الرجل عمله على الفور وشرع فى دراسة المراكب المصرية قديماً وحديثاً بل أنه اعتاد على زيارة الموانى وأماكن الملاحة ليتعلم من صناع السفن والمراكب والبحارة النيلين.

كما أنه قام بعمل رسوم (سكتشات) لجميع القطع الخشبية وقد إستخلص من القطع الخشبية والحبال معلومات فى غاية الاهمية أولها هى الكتابات الهيروغليفية التى تركها العمال المصريون القدماء كعلامات إرشادية لتركيب القطع فى أماكنها الصحيحة، كما لاحظ الحاج أحمد يوسف طبقاً لدراسته أن بعض قطع المركب وحبالها توحى بانها تم إستخدامها من قبل، أى ان تلك المركب أبحرت فى النيل فى عصر الملك خوفو!

وقد ساعدت تلك الملاحظات على معرفة الغرض من بناء هذا المركب فى النهاية.

أما آخر خطوة نظرية فى عمل أحمد يوسف كانت عمل نموذج على مقياس 1:10 للمركب ومن ثم بدأ فى ترميمها الذى إستغرق 10 سنوات كاملة.

 

متحف مركب خوفو

مع الإنتهاء من ترميم المركب تم إتخاذ قرار إنشاء متحف بمكان الكشف ليتم عرض المركب به وتم تسميته “متحف مركب خوفو”، ومع تقاعد الحاج أحمد يوسف فى منتصف السبعينيات إلا أن جهوده مع مركب خوفو لم تنتهى فقد بقى المرمم المتخصص لتلك المركب وحتى عام 1982.

متحف مركب خوفو
متحف مركب خوفو

وفى عام 1985 تم إفتتاح متحف مركب خوفو ليتم عرضها للزوار لأول مرة ليراها العالم أجمع.

 

كواليس الإكتشاف: قصىة أغرب من الخيال

كواليس هذا الكشف لها قصة مثيرة أغرب من الخيال تقول بان المهندس كمال الملاخ لم يكن هو مكتشف مركب خوفو، ففى تلك الفترة كان مدير عام آثار الجيزة هو عالم الآثار الاسطورى د.عبد المنعم أبو بكر، وكان مفتش آثار اهرم هو الاستاذ محمد زكى نور بينما كان المهندس كمال الملاخ هو المهندس الاستشارى للموقع بينما أشرف على العمال رئيس عمال يدعى “جرس ينى”.

بعد إنتهاء أعمال التنظيف قام الاستاذ محمد زكى نور بتكليف المهندس كمال الملاخ بعمل فتحة فى أحد المجاديل الحجرية، وفى 25 مايو 1954 وقبل الكشف بيوم واحد يترك الاستاذ محمد زكى نور الموقع لمرض إبنته واحتياجها لاجراء عملية جراحية فى ذلك اليوم، وفى اليوم التالى (يوم الكشف) يبلغ رئيس العمال جرجس ينى المهندس كمال الملاخ بتأكيد العثور على مركب خوفو فيسارع كمال الملاخ بالذهاب إلى هضبة الجيزة ومعه صديقه الكاتب أنيس منصور وقد ذكر أنيس منصور لاحقاً أن خبر الكشف قد وصل لكمال الملاخ بينما هو جالس معه على مقهى اكسلسيور.

فور تأكد كمال الملاخ من الخبر سارع على الفور بإبلاغ النيو يورك تايمز والتى تعلن عن الخبر لتنقلب الأمور رأساً على عقب، فالكشف مصرى خالص على أرض مصرية بينما الإعلان عنه تم بهذه الطريقة وعلى يد جريدة أميريكية !

 

مآساة عالم آثار

مما زاد الأمور سوء هو وفاة إبنة الاستاذ محمد زكى نور بعدما لم تنجو من العملية الجراحية لينزوى إسم محمد زكى نور ويغيب عن الكشف ليتم تسليط الأضواء على كمال الملاخ وحده وقتها.

عالم الآثار محمد زكى نور
عالم الآثار محمد زكى نور

وقد قامت مصلحة الآثار المصرية بنشر اصدار استثنائى لكشوفات عام 1954 وكان من ضمنها اكتشاف مركب خوفو وقد كتب فيه د.عبد المنعم أبو بكر ناسباً الكشف لمحمد زكى نور بل أنه وصف حماس محمد زكى نور وهو يبلغه بتطورات الاكتشاف ، وفى نفس العدد كتب محمد زكى نور بنفسه عن الكشف.

لاحقاً سيقدم عبد المنعم أبو بكر استقالته من منصبه ومن ثم يترك كمال الملاخ عمله فى الآثار بينما يصدر النشر العلمى لكشف مركب خوفو عام 1960 بتوقيع ( محمد زكى نور, زكى اسكندر, محمد صلاح عثمان, أحمد يوسف) ليخلو من إسم كمال الملاخ على الرغم من أن العالم اجمع تقريباً ينسب الكشف لكمال الملاخ وحده !

 

من اكتشف مركب خوفو؟

مع تلك الملابسات والظروف المعقدة لذلك الكشف ستكون إجابة هذا السؤال صعبة بعض الشىء، على أية حال فإن معظم الكشوف الاثرية يقوم بها العمال المصريين وغالباً تكون بالصدفة إلا أن ذلك لا يعنى ترك الكشف بدون إسم.

من العدل نسب ذلك الكشف لفريق العمل وعلى رأسهم (محمد زكى نور, كمال الملاخ, جرس ينى, عبد المنعم أبو بكر)

وتبقى بعض الأسألة، ماهو مصير المركب الثانية فى الحفرة المغلقة؟ وفيم استخدم الملك خوفو تلك المراكب؟

وللحديث بقية ..