في يومين محددين من السنة (22 أكتوبر, 22 فبراير) تحدث ظاهرة استثنائية في المعبد الكبير بأبو سمبل، حيث تشرق الشمس على المعبد – وعلى غير العادة- تشق طريقها بداخل المعبد نفسه حتى تصل إلى قدس أقداسه للأربعة تماثيل الموجودة بالداخل فتشرق على وجه تمثال رمسيس الثاني بداخله ومعه الإله “رع حور آختى” والإله “آمون” بينما يبقى الإله “بتاح” – رابعهم- في الظلام، وتستمر الظاهرة لمدة تتجاوز عشرون دقيقة حتى تبدأ الشمس في الانحسار تدريجيا معلنة انتهاء تلك الظاهرة الفلكية الفريدة.

لماذا بنى “رمسيس الثاني” معابد أبو سمبل؟

على عكس المعتقد الشائع فإن أبو سمبل ليست معبدا واحدا ولكن معبدين، المعبد الكبير والمعبد الصغير.

المعبد الكبير مكرس للملك “رمسيس الثاني” والمعبود الرئيسي فيه خو الإله “رع حور آختى” بينما الصغير مكرس لزوجته وحب حياته “نفرتارى” مع الإلهة “حتحور”، وفلسفة تشييد المعبد هما منطقتي تجسيد روح الإله “حورس المنتمي لمنطقة محا” وروح الإلهة “حتحور سيدة منطقة  إبشك” وهي الأسماء المحلية لمنطقة معابد أبو سمبل القديمة قبل نقلها في الستينيات مع بناء السد العالي.

تزين واجهة المعبد الكبير تماثيل أربعة للملك “رمسيس الثاني” وبينهم تمثال منحوت فوق البوابة يمثل الإله “رع حور آختى” وهو الإله الرئيسي للمعبد، ومن الطريق أن التمثال المكسور وهو الثالث من اليمين قد تهشم في زلزال حدث في عصر رمسيس نفسه ولم يستطع المصريون القدماء ترميمه فتركوه كما هو.

واجهة المعبد الكبير
واجهة المعبد الكبير

بداخل قدس الأقداس الذي تحدث فيه الظاهرة نجد تماثيل للآلهة الكبار في مصر القديمة وبينهم رمسيس، من اليمين الإله “رع حور آختى” كبير التاسوع الإلهي لمدينة عين شمس، بجواره رمسيس الثاني، بجواره الإله “آمون” سيد مدينة طيبة وسيد الإمبراطورية المصرية، ومن ثم الإله “بتاح” سيد مدينة “منف” وإله الحرفيين في مصر القديمة.

واجهة المعبد الصغير
واجهة المعبد الصغير

بينما إذا ذهبنا إلى المعبد الصغير فنجد واجته تزينها تماثيل لرمسيس وزوجته “نفرتارى” جنبا إلى جنب، وكتب على نصوص بوابة المعبد أنه إهداء للزوجة الملكية العظيمة “نفرتارى” ومن ثم وصفها بأنها من يشرق رع من أجلها “تشرق الشمس لأجلها”.

رمسيس ونفرتارى، قصة حب خالدة

"رمسيس الثانى" وخلفه زوجته وحب حياته "نفرتارى"
“رمسيس الثانى” وخلفه زوجته وحب حياته “نفرتارى”

المعبد الصغير يمثل التجسيد الخالد لقصة الحب التي جمعت رمسيس الثاني وحب حياته نفترى والتي تعرف بها لأول مرة وهو لا يزال صبياً يبلغ من العمر حوالي 14 عام عندما قدمها له والده الملك “سيتى الأول”.

على الرغم من ذلك تشاء الأقدار أن تتوفى نفرتارى قبل أن تشهد بعينها افتتاح ذلك المعبد، لتترك رمسيس يواجه الحياة بمفرده بعدما قضت عمرا طويلا بجواره، ولكن حتى فى آخرتها فقد أهداها “رمسيس” إهدائاً أعظم وهو المقبرة رقم 66 بوادى الملكات، والتى كانت المثوى الأخير لنفرتارى، هذه المقبرة من أعزم ما أبدعه فنانى وحرفيين مصر القديمة إن لم تكن الأعظم على الإطلاق.

كيف اكتشف العلماء ظاهرة تعامد الشمس في أبو سمبل؟

الكاتبة البريطانية "اميليا إدواردز"
الكاتبة البريطانية “اميليا إدواردز”

مع حلول عام 1873 كانت معابد أبو سمبل مع زائر استثنائي وهو الروائية البريطانية “أميليا إدواردز” والتي زارت منطقة أبو سمبل ولاحظت ظاهرة عجيبة لم ينتبه إليها أحد من قبل، وهي أن الشمس في يوم محدد تغير مسارها فبدلاُ من أن تشرق فى العادة ولا تدخل إلى المعبد، فإنها تدخل إلى صالات المعبد حتى تصل إلى قدس أقداسه لتشرق على وجه تمثال رمسيس الموجود بقدس الأقداس.

وفى العام 1877 ألفت “إدواردز” كتاب بعنوان “ألف ميل فوق النيل” وصفت فيه تلك الظاهرة، وقد حقق هذا الكتاب مبيعات مهولة في تلك الفترة وكان هو أنجح كتبها على الإطلاق.

مع تدوين تلك الظاهرة بدأ انتباه علماء المصريات يتجه نحو بقية معابد مصر ليجدوا أن كلها بها ظواهر فلكية على أساس هندسي تشابه ظاهرة أبو سمبل، ليتغير مفهوم العالم أجمع عن علم المصريات وعظمة حضارة مصر القديمة.

متى تحدث ظاهرة تعامد الشمس على وجه رمسيس؟

تعامد الشمس على وجه رسميس
تعامد الشمس على وجه رسميس

 

تحدث ظاهرة تعامد الشمس مع شروق شمس يومي 21 أكتوبر، و21فبراير من كل عام فقط، وفى بادئ الأمر كان العلماء – وحتى العامة- في حيرة من أمرهم بخصوص تفسير تلك الظاهرة، فمن المؤكد أن المصري القديم لم يترك مجالاً للصدفة وأن تلك الظاهرة مقصودة بنسبة مائة بالمائة.

ومع نقل المعبد من موقع الأصلي في عام 1964 مع بناء السد العالي، تأخرت الظاهرة يوما واحدة مع تغيير موقع المعبد لتصبح 22 فبراير و22 أكتوبر لتتأخر يوما واحداً.

خرجت بعض التفسيرات تقول بان هذه الظاهرة متعلقة بتواريخ ميلاد الملك رمسيس وجلوسه على العرش، بينما ذهب آخرون إلى ان هذا هو تاريخ تأليه رمسيس نفسه!

هذه التفسيرات واجهت مشكلة كبيرة مع طرحها، حيث أننا على سبيل المثال نعلم أن تتويج الملك رمسيس الثاني حدث في وقت ما من شهر يونيو، بينما تاريخ ميلاده غير معروف، بل أننا ليس لدينا سجل للمواليد في مصر القديمة ليحدد لنا من ولد متى.

لذلك فإن صحتها أمر مستبعد على الرغم من استمرار ترديدها حتى يومنا هذا ولربما يرجع ذلك إلى شاعرية تلك التفسيرات حتى وإن كانت غير حقيقية فهي لا تزال تخلب لب الجمهور.

ما هو تفسير تلك الظاهرة؟

بينما ومع تقدم البحث العلمي ظهر التفسير الأكثر ترجيحا والمقنع لتلك الظاهرة، هذا التفسير يتفق جزئيا وضمنيا مع طبيعة حضارة مصر التي قامت على الزراعة في مجتمع أغلبه من المزارعين.

قسم المصري القديم السنة إلى ثلاث فصول وهم “آخت” فصل الفيضان، “برت” فصل الشتاء، “شمو” فصل الحصاد.

وتواريخ 21 أكتوبر و21 فبراير يمثلا بداية فصلي “برت” و”شمو”, وذلك لان المعبد يقع في أقصى الجنوب ويبعد عن العاصمة وقتها ( بر رعمسيس, بمحافظة الشرقية حاليا) بما يتجاوز ألف كم، وتبعد حتى عن مدينة الأقصر نفسها بخمسمائة كم، لذلك فإن مزارعي تلك المنطقة يحتاجون إلى حدث مهم ليذكرهم بموعدي الزراعة والحصاد وهو ما سيضمن تلقائيا تقديم القرابين في المعبد بانتظام ومنفعة اقتصادية بلا شك، كما أنه جزء من فرض سيطرة الدولة المصرية على تلك المنطقة ورسالة واضحة لما بعد الحدود جنوبا.

ختام

تخليد المعبد الكبير وذكرى الملك "رمسيس الثانى" على العملة فئة الجنيه.
تخليد المعبد الكبير وذكرى الملك “رمسيس الثانى” على العملة فئة الجنيه.

 

في النهاية تخبرنا تلك الظاهرة وبوضح شديد أن المصري القديم لم يترك مساحة للصدفة عندما يتعلق الموضوع بالعلم والتخطيط، وأن كل ما شيده وبناه يحمل بين طياته مغزى ومعنى واضح، رسالة واضحة للبحث والتأمل فيما تركه قدماء المصريين، رسالة التقطها ونفذها المشرفين على نقل المعبد في الستينات وبأيدي أكثر من ألفى عامل مصري استطاع المصريين تحقيق معجزة أخرى بنقل المعبد مع الحفاظ على تلك الظاهرة الفريدة، ليثبت المصريين للعالم أن جينات أجدادهم لا تزال بينهم، وأن وفائهم لملك عظيم مثل “رمسيس” لا يزال يتردد أصداؤه في القلوب.