التخطي إلى المحتوى

أحد أهم القضايا التاريخية الشائكة المتعلقة بتاريخ مصر هو موضع التاريخ الديني في حضارة المصريين القدماء, فعلى سبيل المثال عند تناول قضية وتاريخ خروج اليهود من مصر نجد أن التاريخ المصري القديم صامت تماماً لدى الأوساط العلمية بينما عند البعض هناك يقين بخصوص فرضيات بعينها, فكيف نشأ ذلك التصادم الظاهرى وما هو أصل الموضوع؟

تاريخ مصر والتوراة

يمكننا القول بأريحية شديدة أنه قلب تأسيس علم المصريات كان المنظور التوراتي هو المسيطر على عملةي البح فى علم المصريات، فقبل تأسيس علم المصريات مع قدوم نابليون غازياً إلى مصر ومن ثم فك رموز حجر رشيد على يد جان فرانسوا شامبوليون كانت هناك تصورات لدى أوروبا (المسيحية) بخصوص الحضارة المصرية القديمة كلها مرتبطة بالقصص الدينية الواردة فى التوراة.

الأهرامات كصوامع للغلال.
الأهرامات كصوامع للغلال.

فعلى سبيل المثال كانت تفسير بناء الأهرامات هو أنها مخازن الغلال التى تفادي بها النبى يوسف الصديق المجاعة فى مصر, وكذلك فإن تصورات قضية خروج اليهود من مصر لم تختلف كثيراً.

وقد ساعد على ذلك إندثار اللغة المصرية القديمة وإنقطاع أخبار مصر من المصري القديم نفسه فأصبح المجال ملعباً فارغاً للجميع لسرد تاريخ موازي للتاريخ المصري من منظورات عدة ولم يكن المنظور الدينى باستثناء من هذا.

أى ان المعرفة التاريخية الصحيحة عن مصر لم تكن موجودة بشكل يسمح وقتها بإستقصاء او استخراج القصص الديني من تاريخها.

 

يوسيفوس فلافيوس وتحول تاريخ اليهود

يوسف إبن متياهو أو (يوسيفوس فلافيوس) ذلك المؤرخ اليهودي الذي كانت كتاباته مكثفة عن تاريخ اليهود وأشهرها ” تاريخ اليهود” وكذلك “ضد أبيون” والتي تحدث فيها عن تاريخ بنو جلدته وقدم بعض الإجابات من منظوره هو وقومه عن أصولهم وعلاقتهم بحضارة مصر.

فعلي سبيل المثال في فترة حياة يوسفيوس فى عصر الإحتلال الروماني ووقتها كان يوسفيوس حائز على المواطنة السكندرية كان جل فلافسة الإغريق والمصريين وقتها لديهم تصور عن واقعة الخروج بان تلك الواقعة تتعلق ببعض المجذومون والاغيار (الأنجاس) الذين خرجوا من مصر فى فى واقعة لا تكاد تذكر, كما انه لم تكن هناك معلومات عن شخصية موسي واستعباد بنو اسرائيل فى مصر, لم تتعد الواقعة سوي ذكر طرد بعض المرضي والمنبوذين من مثيري الشغب, والاهم أن الصور الذهنية وقتها عن اليهود كانت أنهم قوم حدثاء مجذومون يقتاتون على أمجاد الشعوب ولا تاريخ لهم.

يوسف إبن متياهو.
يوسف إبن متياهو.

مع ظهور يوسيفوس فلافيوس على الساحة وإستغلاله شخصية مانيتون السمنودي الذى زعم أنه إقتبس منه – كتابات مانيتون لا يوجد لها أصل حتى الآن وماهو موجود منقول من مؤرخين آخرين وعلى رأسهم يوسيفوس-  فقدم صورة أخري عن تاريخ اليهود فكان أول من ربطهم بالهكسوس ومن ثم إنبري يدافع عن بنو جلدته مع نبرة تحقير من المصريين ومن هنا بدأ تداول قصة خروج اليهود من مصر بالشكل الذي نعرفه الآن, وانا هنا أتحدث عن نقل القصة التوراتية لواقعة الخروج لبقية العالم بشكل مسموع ومغاير للتصور السائد فى تلك الفترة, وعلى الرغم من ذلك لم تقدم تلك الفترة بشكل واضح أسماء للملوك الذين عاصروا الأنبياء بداية من إبراهيم وحتى موسى يمكننا من تببعهم تاريخياً.

 

التراث العربي عن تاريخ مصر

مع تأسيس علم المصريات وفى البدايات لم يختلف الوضع كثيراً, فالمصريون وقتها الغالبية العظمي منهم مسلمين ثقافتهم عن تاريخهم مستمدة من التراث العربي الذي لم يكن يملك معرفة بالتاريخ المصري القديم.

فعلى سبيل المثال من تصورات العرب عن شخصية فرعون موسي هو أنه كان شخصاً يدعي الوليد إبن مصعب وكان يعمل عطاراً فى خراسان فتراكمت عليه الديون فهرب إلى مصر واصبح ملكاً ثم أصابته نوبة من الجنون فأعلن نفسه إلها وقال (انا ربكم الأعلي), وتنتهى قصة وليد بغرقه هو وجميع الرجال المصريين وتركهم لأرض مصر خالية إلا من النساء والعبيد الذين تزوجوا فأنجبوا المصريين الحاليين.

كذلك في رواية عن الغرض من بناء الأهرامات نجد انها بنيت لتفادي خطر طوفان نوح لحماية الملك منه, وعلى الرغم من ذلك فعند قدوم الطوفان أضحى الملك سكراناً وغرق.

وعلى هذا المنوال كان تاريخ مصر فى أذهان الغالبية العظمي من العرب عبارة عن خرافات وحكايات يتناقلها الأجيال وذلك لإنعدام المعرفة عن تاريخ مصر القديم وقتها, وقد توارث المصريون تلك القصص بدورهم مع سيادة الثقافة العربية فى مصر نفسها.

لذلك فقد تم تصنيف هذه القصص والروايات تحت ما سمي “التاريخ المتخيل لمصر” أو “التاريخ الخرافي لمصر”

 

 تأسيس علم المصريات

مع فك رموز حجر رشيد بدأ المصري القديم يتحدث عن نفسه مجدداً بعد إنقطاع دام قروناً فلأول مرة يستطيع المعاصرون قراءة التاريخ المصري القديم من الآثار والوثائق المصرية نفسها وبدأت تظهر قصص مغايرة لما اعتقده الناس وقتها, فلم تكن الاهرامات مخازن للغلال كما كانت تتصور اوروبا ولم يكن هناك شخص إسمه وليد بطول الحضارة المصرية القديمة وعرضها كما تصور العرب.

إلا ان البحث عن القصص الديني فى الحضارة المصرية القديمة لم ينقطع, فنجد أن البعثات الأثرية العلمية المبكرة التي تولت الحفائر فى مصر كانت تبحث عن الأنبياء هى الأخري مع نشاة هذا العلم الوليد.

ومن هنا نشات تصورات وتفسيرات جديدة لتاريخ الأنبياء فى مصر, فعلى سبيل المثال نجد السير ويليام فلندرز بتري عالم الآثار الإنجليزى الجنسية اليهودي الديانة والذى دفن بعد وفاته بالقدس قد قدم تصورات عن خروج اليهود من مصر مع عثوره على لوحة إنتصارات الملك مرنبتاح والتي أطلق عليها لوحة إسرائيل إستنادا على سطر بها يقول “يزريار ابيدت ولم يعد لها بذرة” فافترض أن النص هنا يتحدث واقعة خروج اليهود من بنو اسرائيل وعلى الرغم من عدم وجود ادلة تدعم هذا الإفتراض وعواره الواضح  إلا أنه اصبح جزء من مخيلة وثقافة البشر سرقيين كانوا أم غربيين لعقود طويلة وحتي الآن.

لوحدة إنتصارات الملك مرنبتاح.
لوحدة إنتصارات الملك مرنبتاح.

من الأمثلة الأخري والتى تناولت قصة النبي يوسف هذه المرة كان إكتشاف المقبرة رقم 46 في وادي الملوك على يد علام الآثار “جيمس كويبل” بتمويل من “ثيودور ديفيس”, وهي المقبرة التي دفن بها القائد العسكري “يويا” والمنشدة “تويا” وهما والدي الملكة تي زوجة الإمبراطور أمنحتب الثالث.

إفترض كويبل أن “يويا” هو النبي يوسف بناء على إسمه والذي اعتبره فريداً من نوعه فى مصر القديمة, كذلك ملامح وجهه وبعض الإعتبارات الأخري والتي لم تكن المحور الرئيسي الذي اعتبره كويبل دليلاً على هذه الفرضية.

مومياء يويا القائد العسكري المصري.
مومياء يويا القائد العسكري المصري.

تلك الفرضية التي أصبحت من ذكريات الماضي الآن ولكنها كفرضية “بتري” أصبحت جزء من الثقافة البشرية ولا يزال يرددها الناس شرقيون كانوا ام غربيون.

مع دوران عجلة الزمن وتطور علم المصريات أصبحت تلك الفرضيات فى تضائل أما المكتشفات العلمية, بل أننا يمكن أن نقول أن الغرب قد إستنفد كافة المحاولات والأزمنة فى رحلة البحث عن الأنبياء فى تاريخ مصر.

فقد ظهرت فرضيات عديدة لتحديد زمن تواجد الأنبياء في مصر بأعداد تبلغ المئات بل أن منها فرضيات تناقض الأخري, وإن كان الغربيون يميلون إلى التحرر من حرفية النص الديني، فعلى سبيل المثال مع إفتراض “كويبل” أن “يويا” هنا هو يسوف فقد إصطدم بحقيقة دينية توراتية وهى أن بنو اسرائيل أخذوا جثمان يوسف معهم أثناء خروجهم من مصر فكيف بقي جسد يويا فى مصر إن كان هو يوسف؟

تعارض ذلك أيضاً مع حتى المعلومات المتاحة فى هذا الزمن والتي ترجح مصرية يويا بل ونسبه إلى مدينة أخميم المصرية.

بينما تذكر لوحة مرنبتاح أن “يسريار ابيدوا ولم يعد لهم بذر” بينما مرنبتاح نجا ليروي لنا تلك القصة، فكيف يكون مرنبتاح هو فرعون موسي بينما القصة الدينية تقول ان من هلك هو فرعون بينما نجا بنو اسرائيل؟

 

إعادة تدوير ما تركه الآخرون

مع إستنفاذ الغربيون فرصهم فى البحث عن التاريخ الديني بين طيات التاريخ المصري القديم ورسوخ علم المصريات وتوافر المعلومات الغزيرة عن تاريخ مصر بدأ متحدثو العربية فى إتجاه آخر هذه المرة, فعلى يد مجموعة من غير المتخصصين فى إعادة تدوير الفرضيات الغربية القديمة وكأنهم اتوا بالجديد، فنجد من يقول حتي يومنا هذا أن الاهرامات هى مخازن الغلال وأن فرعون هو الملك “مرنبتاح” أو “رمسيس”, بينما ذهب البعض الآخر للقول بأن “رمسيس ” هو نفسه الوليد ابن مصعب، بينما الفرضية الأشهر وهى نسب شخصية وقصة فرعون للهكسوس والتي تحدث عنها “يوسيفوس” قبل مئات الأعوام.

وحقيقة القول أن الإفتراضات التى تبناها متحدثو العربية فى هذا الشأن لا يتعدى كونها إعادة تدوير لما أهمله الغربيون لخطأه او لعدم وجود أدلة عليه أو حتي بسبب كونه مجموعة من الآراء الشخصية غير المنطقية.

والدليل على ذلك هو المسلسل الإيراني “يوسف الصديق” الذي لاقى صدى لدى الجمهور من متحدثي العربية على الرغم من خطأه التاريخي وحتى تصميم الأزياء والديكور المبتذل, فلا يوجد دليل على أن إخناتون عاصر يوسف فبالتالي كل الوقائع التريخية بهذا العمل هى من خيال صانعيه, ولكنهم فى نفس الوقت لم تكن هذه رؤيتهم الشخصية فهم اعادوا تدوير فرضية من إفترض مثل هذه الفرضية الخيالية.

 

لماذا لم يذكر تاريخ مصر الأنبياء بشكل واضح؟

حقيقة الأمر أن الإجابة على هذا السؤال غاية فى الصعوبة, فالقصص الدينية واضحة ولا تحتمل التأويل الذي يجمله لها الكثيرون, يتبق فقط مطابقتهابالواقع التاريخي الذى نعرفه، وهذا ما يفرضه المنطق البسيط لكل متأمل فى هذه الأمور

المشكلة هنا أن الواقع التاريخي المعروف لدينا الآن صامت تماما ولا يقدم إجابات واضحة لتلك المسائل, ولم ينبع هذا من تجاهل أو حتي طمس التاريخ الديني كما يروج البعض فأرض مصر كان مرتعاً لكل مغامر وباحث، بل أن حتى اليهود أنفسهم قد قلبوا سيناء رأساً على عقب للبحث فى هذه المسألة, باختصار لم يترك علماء الآثار وحتى المنحازون للتوراة وأصحاب التوراة أنفسهم حجراً واحداً في مصر إلا وقلبوه.

وحقيقة الأمر ان عدم وجود آثار تؤرخ تواجد الأنبياء على أرض مصر به شيء من المنطق، فالمصري القديم كان مشغولاً بحياته وأمجاده وإنجازاته هو، وليس بتأريخ تاريخ الأمم الأخري، جل ما تركه المصري القديم كان يحدثنا عن المصريين أنفسهم, بينما على الجانب الآخر أن الإيمان القلبي بالغيبيات لا يتطلب إثباتات مادية لتأكيده، فقد عاش الناس قروناً معتنقين الإسلام والمسيحية واليهودية وماتوا يكن لديهم علم بهذه الإفتراضات ولم يختلف الأمر كثيراً لديهم فى عقائدهم، الفرق هنا أن عملية البحث مستمرة والعلم وحده من سيحسم الأمور فى النهاية فلربما تكشف لنا الأيام القادمة عما لا نعرفه.

 

خاتمة

يظن البعض أن نفي الفرضيات الخرافية التى إفترضها البعض عن تاريخ وجود الأنبياء بمصر هو معاداة للدين نفسه، خالقين صراعاً ما بين العلم والدين.

فعلي سبيل المثال يزعم الكثيرون أن النبي إدريس هو الإله المصري أوزوريس، وهى الفرضية الغير منطقية جملة وتفصيلاً وأدلة نفيها أكثر من تكهنات إثباتها،ولكن المشكلة تكمن أن البعض بعتبر أن نفي تلك الفرضية معاداة للدين أو النبي إدريس نفسه، بينما يروا أن ربطهم الخرافي بين التاريخ المصري والتاريخ الديني هو الصلاح بعينه والباحثون يحرمونهم من شرف الإنتساب للأنبياء الذين يروه هم حق مشروع ولو بالتزوير بل ويدافعون عن هذا الحق حتى لو بني على باطل وخالف الدين نفسه.

خلاصة القول أن الحضارة المصرية القديمة لن يقلل منها تهوين ولن يزيدها تهويل فهى شامخة بما أنجزت، كما أن الإيمان القلبي لا يتطلب أدلة مادية والقصص الواردة بالكتب السماوية غرضها العبرة والعظة لمن يتعظ.