التخطي إلى المحتوى

في أحد أركان المتحف المصري يقبع لوح ضخم من الجرانيت لا يلتفت إليه الكثيرون من رواد المتحف ولا يوليه غالبيتهم أي اهتمام، إلا أنه واحد من أشهر آثار المتحف المصري الذي يتحدث عنه الكثيرون ولا يعلم أغلبهم أنه هو ذلك الأثر المنشود ، إنها اللوحة التي يسميها البعض اصطلاحا “لوحة إسرائيل” وتمضى القصة المتداولة إلى القول بأن تلك اللوحة تحتوي على تفاصيل قصة خروج اليهود من مصر بل يؤكد البعض أنها تحوي سرداً يتطابق مع قصة خروج اليهود المذكورة في التوراة بكامل تفاصيلها, ولكن هل هذه هي حقيقة الأمر وهل تذكر تلك اللوحة قصة خروج اليهود من مصر بالفعل؟

هذا ما سنتعرف عليه خلال السطور القادمة.

 

الملك مرنبتاح

صاحب ذلك الأثر هو ملك مصر “مرنبتاح” (إسمه يعني محبوب الإله بتاح) وهو الإبن الثالث عشر للملك رمسيس الثاني وخليفته علي العرش بعدما توفي كل خلفاء رمسيس في حياته, وقد كان مرنبتاح إبنا لرمسيس من زوجته الملكة “آست نفرت” والتي كانت الزوجة الثانية له في الأهمية بعد “نفرتاي”, وقد وقع الاختيار علي الأمير مرنبتاح ليكون ولياً للعهد في العام الخامس والخمسين من حكم رمسيس والذي حكم فترة تقدر ب سبعة وستون عاما علي العرش, ومع فترة الحكم الطويلة التي حكمها رمسيس والذي توفي عن عمر يناهز الإثنان وتسعون عاماً فقد تولي مرنبتاح العرش من بعده وهو في سن متقدمة تقترب من الستون هو الآخر.

الأمير وريث عرش “جب” إله الأرض (عرش مصر), الإبن الإلهي الذي أنجبه الثور القوي, الذي في يده تجتمع الأراضي الأجنبية, اليقظ القلب لتقديم العدالة إلي اسلافه وللآلهة كلها, الوحيد, الذي لا مثيل له, كل البلاد الأجنبية تحت سلطانه, الكاتب الملكي, القائد الأعلي للجيش, الإبن الملكي “مرنبتاح” فليحيا للأبد.

الملك مرنبتاح.
الملك مرنبتاح.

من هذا النص الذي عثر عليه منقوشاً علي جعران تم إستخراجه من “فاقوس” بمحافظة الشرقية, نعلم أن مرنبتاح عندما كان ولياً للعهد كان وقتها يشغل منصب القائد الأعلي للجيش والكاتب الملكي, بل أنه شغل منصب الكاهن الأكبر للإله بتاح في مدينة منف، وهو ما يعني ان ذلك الأمير كان بالفعل يحكم سيطرته علي مناصب رفيعة تؤهله لتولي عرش مصر والذي كان يعلم أنه عبء ثقيل خاصة أن سيلي ملك بحجم وقوة رمسيس الثاني والده، فقد جربت العادة في تلك العصور حدوث إضطرابات تعقب وفاة ملك مصر وكذلك قلاقل علي الحدود وحتي مطامع خارجية كان “مرنبتاح” يعلم انها مواجهها لامحالة.

 

فلندرز بتري

وهو السير “ويليام ماثيو فلندرز بتري” عالم الآثار الإنجليزي وأول عالم آثار يعمل في مصر من رواد التنقيب والبحث بطريقة علمية منظمة, كما أنه إتبع نظاماً ممنهجاً للتأريخ إستناداً علي الحفائر كان بمثابة نقلة نوعية في علم الآثار وقتها وقد عمل بتري بمصر فترة طويلة إلا أن إسمه إرتبط باللوحة موضوع المقال وإلي الأبد.

عالم الآثار فلندرز بتري
عالم الآثار فلندرز بتري

في عام 1896 إكتشف “بتري” تلك اللوحة الجرانيتية الضخمة والتي عثر عليها في طيبة وكان في إنتظاره مفاجأة بعد الإنتهاء من ترجمة تلك اللوحة.

 

وصف اللوحة ومحتواها.

في عام 1897 نشر “بتري” وصف وترجمة تلك اللوحة في قسم النقوش بأوراق النشر والتوثيق العلمي الخاصة به والتي أطلق عليها “ستة معابد في طيبة” وقد قام بترجمة النص ولأول مرة عالم الآثار الألماني ” فلهلم سبيلبرج” , وقد عرفنا أن تلك اللوحة كانت تخص الملك أمنحتب الثالث في الأساس حيث أن ظهر تلك اللوحة يحتوي علي نص يخص ذلك الملك, وما فعله “مرنبتاح” هو أنه قام بنقش النص الخاص به علي ظهر اللوحة والتي أصبح وجهها.

وأغلب الظن أن الملك “مرنبتاح” قد فعل ذلك تبركاً بالملك أمنحتب الثالث والذي كان يحظى بمكانة دينية عظمي في التاريخ المصري القديم رفعته إلى مصاف الآلهة الكبار وهذا يمكن أن يفسر أن الملك مرنبتاح لم يمحو نص الملك “امنحتب الثالث” وإكتفي بنقش الجزء الخلفي من اللوحة ومن ثم وضعها في معبده.

الجزء العلوي من لوحة مرنبتاح.
الجزء العلوي من لوحة مرنبتاح.

يبلغ إرتفاع تلك اللوحة حوالي ثلاثة أمتار ومصنوعة من حجر الجرانيت الأسود, ومصور أعلاها الملك مرنبتاح على الجانب الأيسر الملك “مرنبتاح” وخلفه الإلهة “موت” زوجة الإله آمون الذي يعطيه بنفسه سيف “الخبش” (السيف المصري القديم الذي يشبه منجل الحصاد وهنا في اللوحة يعني النصر علي كل البلاد الأجنبية), بينما علي الجانب الأيمن من اللوحة نجد نفس المنظر ولكن الفارق هنا هو أن خلف الملك “مرنبتاح” نجد الإله “خونسو” إله القمر وإبن الإله آمون والإلهة موت، ليكون المغزي من تلك اللوحة أن آمون يعطي النصر للملك بينما الثالوث الطيبي الإمبراطوري بأكمله يدعمه.

ترجع تلك اللوحة إلى العام الخامس من حكم الملك مرنبتاح وهي تذكر إنتصاراته علي الأراضي الأجنبية بأسلوب شعري مما أعطي لتلك اللوحة مسميات أخري وهو : لوحة إنتصارات مرنبتاح, أنشودة النصر للملك مرنبتاح, لوحة مرنبتاح, وتصف تلك اللوحة إنتصارات الملك في ثامنية وعشرون سطراً تبدأ بإنتصاراته علي ليبيا وعلي أقوام شعوب البحر ومن ثم وفي السطران الأخيران (السادس والعشرون حتي الثامن والعشرون) نجد إنتصارات الملك في آسيا علي عسقلان, وجزر ويانوعام ومن ثم الكلمة التي دقت ناقوس قصة الخروج والتي تم ترجمتها إلي إسرائيل.

 

إسم إسرائيل علي لوحة مرنبتاح؟

في منتصف السطر السابع والعشرون من اللوحة نجد النص الذي تمت ترجمته كالتالي:

وإسرائيل قد أقفروا وبذرتهم قد انقطعت

تلك الترجمة نقلاً عن “برستد” وللنص تراجم أخري طبقاً لعلماء آخرين يذكرهم سليم حسن في موسوعته كالتالي:

– وقوم إسرائيل قد صاروا قفرًا، ومحاصيلهم قد ذهبت (جرفث). )
– وقوم إسرائيل قد أتُلفوا، وليس لديهم غلة (بذر) (بتري). )
–  وإسرائيل قد مُحي وبذرته لا وجود لها (نافيل).

السطر الذي يحتوي على كلمة إسرائيل المزعومة.
السطر الذي يحتوي على كلمة إسرائيل المزعومة.

ومن هنا ظهرت المزاعم أن تلك اللوحة تتحدث عن بنو اسرائيل من مصر, وحقيقة الأمر أن ما افترضه “بتري” مكتشف اللوحة وقتها أن الملك مرنبتاح قد إنتصر علي بعض من بنو اسرائيل الذين استطونوا تلك المنطقة من فلسطين بعد خروجهم من مصر وذلك لأنه يعلم أن تلك اللوحة تتحدث عن إنتصار للملك وهلاك لتلك الأقوام المذكورة علي اللوحة وهو ما يناقض القصة التوراتية باكملها والتي تقول بموت الملك ونجاة بنو اسرائيل.

 

جدل حول كلمة إسرائيل

مع نشر محتوي اللوحة حدث هرج ومرج في أوساط المصريات وإنكفي العلماء يبحثون ويدققون في تلك اللوحة التي نجحت في خطف الأنظار وذلك لان طبقاً للترجمات الأولي فإن هناك ولأول ولآخر مرة ذكر لكلمة إسرائيل في التاريخ المصري القديم وعلي أية حال فإن خلاصة القول أن حتي مع هذا الإعتقاد لم يستطع أحد التوصل لأي تفاصيل لربط ذلك السطر بواقعة الخروج أو ببنو اسرائيل بأي شكل فلا توجد أى ادلة اثرية تدعم قصة الخروج حتي هذه اللحظة, لذلك فإن البحث إتخذ طريقاً نقدياً للنص نفسه هذه المرة فظهرت آراء أخري تري بان تلك الكلمة المذكورة علي اللوحة والمكتوبة حرفياً كالتالي: ي-س-ر-ي-ا-ر (ا), فذهب البعض أن القوم المذكورين في اللوحة ليسوا إسرائيل ومن بينهم د.رمضان عبده الذي نسب قوم يسريار هؤلاء لقبائل البلست, بينما ذهبت اليساندرا نابي إلى أن قراءة الإسم خاطئة وأنها المفترض ان تكون “أيسريارو” وليس اسرائيل او يسريار، لذلك فإننا يمكننا ان نقول – وبضمير مرتاح- ان هناك جدلاً واسعاً بين العلماء حول ذلك الربط وان الدراسات المدققة تثبت عكس الإفتراض الأول الذي ظهر مع ترجمة اللوحة منذ أكثر من أكثر من مائة وعشرون عاماً وهو أمر طبيعي فجميع العلوم في حالة تطوير وتدقيق مستمر.

علاوة على ذلك فإن اللغة المصرية القديمة تميزت بما يسمي مخصصات وهى إضافات في نهاية الكلمات لتدل علي الشيء بعينه, فإن كان هناك إسم مدينة فنجد مخصصا يعمل علامة المدينة في نهاية الكلمة وهكذا, بينما تلك الكلمة وردت في النص بمخصص رجل وإمرأة جالسين وهو ما يعني أن هؤلاء قوم رحل لم يستقروا في تلك الأرض وهو ما ينفي أيضاً الربط بين تلك الكلمة وبين بنو اسرائيل.

أما خلاصة البحث فكانت كالتاليكما ذكرتها د.مهي حسين جابر:

إن كتابة الكلمة لا تدل على مدينة – إمارة أو بلدة،
كالمسميات الأخرى، ولا تعطينا المادة الأثرية أي دليل قاطع على تماهيها مع أي من
المسميات : الشاسو والعبر والعامو والهكسوس؛ ومحاوالت الباحثين في اللوحة، بناء
الأحداث التاريخية في ضوء المرويات التوراتية، رغم صمت المادة األثرية، بقيت
فرضيات تحمل بطلاها في ذاتها، مما جعل معظم آرائهم متضاربة فيما بينها. فلا
مدلول واضح للمسمى لا جغرافيا” ولا إتنيا” ولا إجتماعيا” ولا إقتصاديا”.

 

أثر اللوحة في الوجدان المصري ومتحدثي العربية

لوحة مرنبتاح بالمتحف المصري.
لوحة مرنبتاح بالمتحف المصري.

بعدما أثبتنا بما لا يدع مجالاً للشك أن تلك اللوحة لا يمكن أن تكون تتحدث عن بنو اسرائيل لا تاريخياً ولا لغوياً بأي حال من الاحوال, فكما ذكرت سابقاً فإن القصة التوراتية تذكر نجاة بنو اسرائيل ووفاة الملك , بينما اللوحة تحكي عن العكس تماماً, يضاف إلى ذلك التدقيق اللغوي والتاريخي للنص الذي نفي أي ربط، إلا أن مردود ذلك في مصر ومع متحدثي العربية كان له شاناً آخر, فمع الإسم الخادع والمزيف لتلك اللوحة وتسميتها بلوحة اسرائيل أصبح ذلك لدي البعض بمثابة دليل قاطع على أن تلك اللوحة تتحدث عن خروج بنو اسرائيل من مصر ، بل أن بعضهم ذهب إلى نسج خرافات لا علاقة لها بالموضوع وهو أن تلك اللوحة تحتوي علي القصة الكاملة لخروج بنو اسرائيل وأن العلماء (الأشرار) يخفون تلك الحقائق عن عمد لمحو وجود تاريخ ديني في مصر , وكما نري أن تلك الخرافات تعتمد بالكامل علي نظريات المؤامرة فلا يصلح معها مناقشة ولا يجدي جدالاً.

وحقيقة الأمر أن اللوحة كما رأينا أن مسماها الصحيح هو لوحة إنتصارات مرنبتاح وليس لوحة اسرائيل كماذكرنا سابقاً, وعلي الرغم من ذلك فستجد من يقسم لك بان تلك اللوحة تتحدث وبشكل قاطع عن بنو اسرائيل.

وملخص القول أن الجدل المثار دوماً حول التاريخ المصري القديم في أذهان متحدثي العربية ما هو إلا نابع من تدوير مخلفات فكرية تركها الغربيون منذ زمن بعدما قتلوها بحثاً واجهدوها تمحيصاً, بينما يري البعض أن قادر علي (إعادة إختراع العجلة والخروج بنتائج مخالفة لما فعله الباحثون، وهى سمة عامة شائعة فيما يتعلق بالتاريح المصري القديم تحديداً فنجد أن جميع محاولات الربط بين التاريخ المصري القديم وإيجاد مكاناً لليهود فيه قائم علي نفس الأسلوب بنفس المعطيات فيكفي في حالتنا هذه تشر مسمي “لوحة إسرائيل” بين الناس وسيتكفل الخيال بالباقي, ومن نافلة القول أنه حتي الآن لا يوجد بين أيدينا ما يمكننا من تأريخ تواجد الأنبياء بمصر بدئأ من الخليل إبراهيم وحتي خروج اليهود مع النبي موسي, ولا يزال البحث مستمرا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *