التخطي إلى المحتوى

تتباهى المجتمعات الحديثة الديموقراطية بالحقوق والحريات خاصة عندما يتعلق الموضوع بالمرأة، فعلى مر العصور كان موضوع حقوق المرأة هو أحد القضايا المحورية فى المجتمعات الحديثة. وعلى الرغم من الحقوق والحريات التى تتمتع بها النساء فى دول متقدمة مثل الولايات المتحدة وأوروبا إلا أن مصر القديمة قد سبقت الجميع فى تحديد وإقرار تلك الحقوق.

سبقت مصر القديمة العالم بآلاف السنين فلم تكن حقوق المرأة قضية جدلية أو موضوع يتوجب تعديله او إعادة النظر فيه، منذ البداية والمرأة تتمتع بحقوق وحريات سبقت مثيلاتها فى تلك العصور.

كيف نظر المجتمع المصرى القديم إلى المرأة؟

أعلى المستويات الروحية فى مصر القديمة كانت المنظور الدينى والذى لم تكن المرأة فيه تلعب دورا ثانويا، على سبيل المثال وضع المصرى القديم تصورا لخلق الكون وهو ما يعرف بإسم “نظريات الخلق” التى عرفت فى المدارس اللاهوتية المصرية مثل عين شمس، الأشمونين، منف وغيرها كانت للمرأة دور أساسى وفعال فيها وليس مجرد شكليات.

المرأة فى الديانة المصرىة القديمة

آست وأوزير (إيزيس وأوزوريس) وإبنهم حورس

 

إذا تناولنا نظرية الخلق لمدينة “أون” القديمة (عين شمس) سنجد أن الكون بدأ بالفوضى والظلام والمياه الأزلية “نون” التى برز منها ما أطلق عليه المصرى القديم “بن بن”، وقف الإله الخالق “أتوم” على هذا البنبن ليخلق الكون.

خرج منه “شو – الرياح” و”تفنوت – الرطوبة” ثم  خرج منهما “جب – الأرض” و”نوت – السماء”، فتزوج “جب”و”نوت” وأنجبا “أوزوريس، إيزيس، ست، نفتيس” عند هذه النقطة سنجد أن الأمر مناصفة بين الإناث والذكور، فالرطوبة والسماء وإيزيس ونفتيس كلهن من النساء.

بل عندما نستكمل أطراف قصة الخلق فى مدينة “عين شمس” سنجد المكيدة التى دبرها “ست” لأخيه “أوزوريس” فقتله وتخلص منه، وهنا تبرز أعظم القصص الإنسانية المتعلقة بالمرأة بشكل عام فى وجدان البشر، فبطل القصة الحقيقى هنا هو “إيزيس” المرأة المكلومة التى فقدت زوجها الطيب الذى ترك له الطفل اليتيم “حورس” لتربيه وترعاه.

ألقى على عاتق تلك الأم الباسلة الإنتقام لزوجها المغدور ورعاية إبنها الصغير “حورس”، مع تسارع أحداث القصة تظهر أنثى أخرى فى الأحداث وهى الإلهة المصرية “حتحور” التى رعت وربت “حورس” فى احراش الدلتا حتى إشتد عوده لتكتمل أركان القصة وينتصر الحق ويتوج “حورس” ملكاً على أرض مصر خلفا لأبيه “أوزوريس” وجده “جب” إله الأرض.

لم يكن دور المرأة فاعلا فى تلك المدرسة اللاهوتية فقط، بل أن كل مدارس اللاهوت فى مصر كان للمرأة دورا أساسيا فى نظريات الخلق أو حتى مجامع الآلهة.

علاوة على ذلك فإن الآلهة الكبار فى مصر القديمة كان منهم إناثا مثل “سخمت” اللبؤة المدمرة المحاربة، وكذلك “تا ورت” وإسمها يعنى العظيمة وهى أنثى فرس النهر حامية الحوامل والمواليد، وكذلك “نيت” ربة الحرب فى مصر القديمة، يمكننا أن نستطرد فى ذكر الآلهة الإناث فى مصر القديمة دون أن تكفى كلمات هذا المقال فى ذكرهم جميعا، بشكل عام لا نجد صورة إلهية فى مصر القديمة إلا وكان لها معادل أنثوى يكاد يكان مساو فى القوة والصفات يكفى فقط أن نختم تلك الجزئية أن المصرى القديم عندما وضع تصوراً للعدالة، الحق والإنتظام الكونى فكانت الإلهة “ماعت” والتى تصور فيه هيئة إمرأة على رأسها ريشة النعام.

دور المرأة المصرية القديمة فى المجتمع

الفنان المصرى “سن نچم” يعمل بجانب زوجته فى حقول الجنة

 

كانت المرأة هى الزوجة التى تساعد زوجها المزارع فى أعمال الحقل، هى ربة المنزل ولقبها “نبت حت أو نبت بر” ومعناه “ست الدار” التى تشرف على الأعمال المنزلية والخدم والإشراف على تعليم الأبناء، وكلما تدرجت فى المكانة المجتمعية تطور دورها فهى الكاهنة والمنشدة والعاملة والكاتبة وحتى الوزيرة والملكة.

ومن أهم الأدوار التى لعبتها المرأة فى مصر القديمة هى الوصاية على العرش، فإذا تولى الملك الحكم وهو صغير السن يتولى وصايته إمرأة من القصر الملكى وغالبا تكون أمه، بل ان ملوك مصر كانوا يستمدوا شرعيتهم من الوعاء الأنثوى ، فإن كان الملك أمه من اصل ملكى مصرى فإن شرعية ذلك الملك لا شك فيها.

هذه الفلفسة كانت السبب فى تزوج بعض الملوك من أخواتهم فى بعض الأحيان ولكنها كانت حالات محددة فى ظروف معينة وليست عادة مجتمعية والدليل على ذلك عدم زواج العامة من أخواتهم، فكان ذلك التقليد مقتصرا على القصر الملكى فى ظروف معينة كما ذكرنا.

رداء المرأة فى مصر القديمة

لوحة تخيلية لعازفات الهارب والمغنيات فى مصر القديمة

 

تنوعت أزياء النساء فى مصر القديمة بين الأردية المثيرة وبين التى تغطى الجسم باكمله، لم يكن هناك تعاليم دينية او أعراف مجتمعية تحدد زى المرأة المصرية، على سبيل المثال كانت بعض النساء فى مصر القديمة تكشف منطقة الصدر بإعتبارها رمزاً للأمومة.

إختلفت أزياء النساء حسب مكانتهم المجتمعية فنجد الخدم أزياؤهم حفيفة تساعد فى تحمل الأشغال مثل صناعة الخبز وصناعة الجعة , من ثم تتطور جودة الزى ونوعه حسب مكانة تلك المرأة، فلربات المنزل من الطبقات العليا زى وكذلك الملكات والكاهنات وحتى منشدات وراقصات المعبد، كل حسب مهنته.

الحقوق المدنية للمرأة المصرية القديمة

من أجمل العادات المجتمعية فى مصر القديمة هى صيغة النداء بين الناس وبعضهم فيخاطب الرجال بعضهم “أخى” ويخاطب الرجل المرأة “أختى” وهو ما يبرز الترابط المجتمعى والقيم الأسرية المتينة.

تمتعت نساء مصر بحقوق مدنية كثيرة منها رفع الدعاوى القضائية، إمتلاك الأراضى والعقارات، الشهادة فى المحاكم، تمثيل نفسها فى المنازعات القانونية بدون أى وصاية من أى طرف.

العشق والغزل فى مصر القديمة (عاشق مجنون)

تركت لنا الحضارة المصرية القديمة فيما تركت قصائد وابيات شعر يتغنى فيها عاشق بمحبوبته أو العكس، وشمل هذا الغزل الجانب المعنوى من الحب والعشق وحتى الوصف الجمالى للجسد أو الملامح، بل أن الموضوع وصل لأبعد من ذلك حيث عثر علماء الآثار على أعمال سفلية نذكر منها قصة طريفة لعاشق مصرى ترك “عمل” يريد منه الحصول على عشق محبوبته يقول فيه : السلام عليك يا رع حور آختى يا أبو الآلهة ! والحتحورات السبعة الذين يرتدوا الكتان الأحمر، السلام عليكم يا اسياد الأرض والسماء، إجعلوا فلانة بنت فلانة تطاردنى مثل البقرة التى تجرى خلف العشب، مثل الخادمة وراء اطفالها، مثل الراعى وراء قطيعة، وإذا فشلتم فى جعلها تطاردنة سأحرق مدينة أبو صير وأحرق الإله “أوزير- أوزوريس” نفسه !

كفر ذلك العاشق المجنون حتى بدينه فى سبيل حبه لتلك الفتاة، مما يؤكد المقولة الشهيرة من الحب ما قتل.

الزواج والطلاق فى مصر القديمة

عند طلب يد الفتاة فكان الخاطب يتجه إلى والدتها لطلب الموافقة،.

أما مراسم الزواج فلم يكن هناك مراسم او طقوس دينية، فقط الإشهار و”زفة”بسيطة تشمل الأهل والأقارب وحتى المدعوين، وكان البعض يكتب عقوداً لتوثيق هذا الزواج لحفظ الممتلكات بين الطرفين فى حالة الطلاق.

عند الزواج ينتقل الزوجان للمعيشة فى بيت الزوجية والذى يكون هو بيت الزوج فى معظم الأحيان وفى أحيان قليلة يكون مسكن الزوجية هو بيت الزوجة.

عند الإنجاب كان للنساء الحق الأكبر فى تسمية المولود وفى بعض الحالات يكون إسم المولود هو صرخة “الطلق” عند الولادة فإذا صرخت إمرأة “تحوت إتولد” فيكون إسم المولود هو “تحتمس” وهكذا.

أما عند الطلاق فكانت الزوجة تحتفظ بجميع ممتلكاتها، او حقوقها بموجب عقد الزواج، أما إذا توفى الزوج كانت ترث الزوجى ثلثيى التركة والباقى يذهب لأقارب الزوج (الأولاد – الإخوة)، بل أن المصرى القديم ذهب إلى أبعد من ذلك فكان هناك رجالاً يحبون نساؤهم لدرجة تبنيهم لمنحهم نصيب أكبر من التركة.

أما أسباب الطلاق فى مصر القديمة فكانت الخيانة الزوجية سبباً حتميا للطلاق، وأحيانا كان يقع الطلاق بسبب عدم الإنجاب، وحتى فى حالة الطلاق كان يكتب عقداً بذلك فى بعض الأحيان.

قوانين العقوبات المتعلقة بالمرأة فى مصر القديمة

لم يفرق المصرى القديم بين الخيانة الزوجية أو العلاقات خارج إطار الزواج سواء كان طرفها رجل أو إمرأة فالطرفين يشملهما العقاب ولا يفرق بينهما.

على الرغم من إننا ليس لدينا تصور واضح لقانون العقوبات فى مصر القديمة إلا أننا وصل لنا بعض الحالات التى حدث فيها أنواع من العقوبات تشمل النفى للنوبة، النفى للعمل فى المحاجز والأعمال الشاقة، قطع الأنف، أو حتى الجلد.

عقوبات الإغتصاب والتحرش

يذكر لنا المؤرخ “ديودور الصقلى” أن المصريين القدماء كان لهم إتجاه صارم تجاه الإعتداء على المرأة والجرائم التى ترتكب فى حقها مثل العنف والتحرش والإغتصاب.

وذكر لنا أن الإغتصاب فى مصر القديمة كان يعامل معاملة الجريمة المركبة فيشمل ” الإعتداء, الإغتصاب, تلويث النسل” وكانت عقوبة المدان بتلك الجريمة المركبة هى الإخصاء, أى أن الإعتداء على المرأة بهذه الطريقة كان يعنى فقد المعتدى لرجولته إلى الأبد.

أما وقائع التحرش ومضايقة النساء فى مصر القديمة فنذكر منها واقعة شهيرة فى عصر الملك “رمسيس الثالث” الذى ما أن إنتهى من حروبه قرر إنشاء حدائق عامة للترفيه عن شعب مصر، وهنا ظهرت مشكلة أخرى وهى المضايقات التى تتعرض لها النساء فى الشوارع والطرقات وحتى التحرش بهن.

وهنا أمر “رمسيس الثالث” بحل جذرى لتلك المشكلة فعين دوريات شرطة لتسير فى الطرقات وتعاقب من تسول له نفسه المساس بالنساء وذكر عن نفسه أنه من جعل نساء مصر يمشين مرفوعات الرأس ، يذكر لنا أيضا المرحوم د.سليم حسن فى موسوعة مصر القديمة أن “رمسيس الثالث” كجزء من الحل الرادع لتلك المشكلة أمر المرتزقة الأجانب والذين وصفهم- رحمه الله-  بالأجلاف أن يلتزموا ثكناتهم وتجماعتهم المحددة لهم ولا يختلطوا بالشعب المصرى.

الخلاصة 

وراء كل عظيم إمرأة، رمسيس الثانى وورائه زوجته وحب حياته “نفرتارى”

 

فى النهاية لا يسعنا سوى أن نقول أن المرأة المصرية القديمة قد تمتعت بحقوق وحريات تفوق ما تتمتع به النساء فى بعض المجتمعات الحديثة على الرغم من الفراق الزمنى الذى يتعدى آلاف السنين بيننا وبين القدماء.

بإختصار كانت نساء مصر هن درر العالم القديم سواء فى الجمال أو الأناقة والإهتمام بالملبس والنظافة الشخصية وهو ما يتضح من الفن المصرى القديم الذى كان مرآة للمجتمع.

كانت المرأة هى من تشد من أزر زوجها أيا كانت مكانته وتقف جنباً إلى جنب معه فى معترك الحياة.

إن كان لمقولة وراء كل عظيم إمرأة أصل فهو مصر بلا شك.

أما عن نساء بعينهن ممن غيرن تاريخ مصر، فلهذا حديث آخر ومقال آخر سنحكى فيه عن أمهات المصريين.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *