التخطي إلى المحتوى

جامع ومدرسة السلطان حسن هو واحد من أفخم آثار العمارة المملوكية في القاهرة بأكملها والذي يعد أفضل الأمثلة واجملها للمعمار الإسلامي علي مدار التاريخ, يحب البعض أن يلقب مجمع السلطان حسن ب “هرم مصر الرابع” نظرا لأهمية وجمال المجمع بأكمله الذي لا يزال يحتفظ برونقه رغم مرور السنين وإهماله في فترات تاريخية بعينها, فما هي قصة ذلك البناء الإعجازي؟

من شيد مدرسة السلطان حسن ولماذا؟

هو السلطان “الناصر بدر الدين أبو المعالي الحسن بن الناصر محمد بن قلاوون” أو “السلطان حسن” المنتمي لفترة المماليك البحرية، وقد شيد ذلك المجمع ليكون جامعاً ومدرسة لتعليم مذاهب الإسلام الأربعة وكذلك علوم التفسير والقرآن والعلوم المتعلقة بالإسلام.

شرع السطان حسن في بناء المجمع في عام 757ه إلا أن المصادر التاريخية تخبرنا بإغتيال السلطان حسن الذي لم يشهد إفتتاح المجمع وأكمله من بعده الأمير “بشير أغا الجمدار” وتم إفتتاحها عام 764 بعد مرور عامين علي إغتيال السلطان حسن.

فور الوصول لمدخل المسجد يمكننا أن نري حجم الإنجاز الذي قام به مشيدو المدرسة التي يبلغ إرتفاعها أكثر من  38 مترا مع عديد من النوافذ تعكس كم الطلاب الذين كانت تستوعبهم هذه المؤسسة التعليمية الضخمة.

الواجهة الأمامية لمدرسة السلطان حسن.
الواجهة الأمامية لمدرسة السلطان حسن.

علي يسار المدخل نجد أطلال لقبوات وهى عبارة عن مغسل للاموات من عمل الأمير “يشبك بن مهدي” في القرن الخامس عشر أثناء فترة حكم السلطان الأشرق قايتباي, أثناء إنتشار مرض الطاعون, وكانت طقوس الغسل والدفن تتم بطريقة إحترازية لظروف الوباء ومن ثم يتم الدفن في “قرافة المماليك”.

وخلف القباب نجد أطلال لبرج وهذا البرج يدعي برج الساقية وتلك الساقية التي كانت تزود المجموعة بالمياه التي تأتي مباشرة من نهر النيل.

كيف كان يتم الإلتحاق بمدرسة السلطان حسن؟

كانت المدارس في ذلك العصر لا تقبل أي متقدم فلا بد من شروط معينة للإنضمام, وكان أهم تلك الشروط هو حفظ القرآن الكريم كاملاً, كذلك حفظ ألفية إبن مالك, وفور القبول المدرسة تكون المدرسة هي سكن الطالب خلال سنوات الدراسة كما يتم تزويدههم بغرف للإقامة, وجبات, بل وحتي كسوة للشتاء وكسوة للصيف.

وكانت تلك المدارس يتم الإنفاق عليها عن طريق نظام الوقف, فتوقف قطعة من الأرض أو مكان يعود ريعه لصالح تلك المؤسسة ليتم الإنفاق علي طلبتها، وفور التخرج يكون الطالب مؤهلاً لأن يكون عضواً فاعلاً في المجتمع وفي خدمة السلطان.

 

جولة بداخل مدرسة السلطان حسن

نرتقي إلى المدخل عن طريق سلمان أحدهما علي اليمين أعلي من الموجود علي اليسار وذلك لأن المجمع نفسه مبني في إتجاه هضبة المقطم, وعلي يمين المدخل نجد أن السلطان حسن قام بتجسيد ألقابه كسلطان كما فعل أسلافه ” ملك البرين والبحرين وخادم الحرمين الشريفين”.

والبران هنا هما مصر والشام, والبحران هما الأبيض والمتوسط اما الحرمين هم الحرم المكي والمسجد الأقصي.

وعلي جانبي المدخل بجانب زخارفه نجد مكانين للجلوس أطلق عليهم “المكسلة” وإسمها مشتق من الكسل لتعبر عن وظيفة تلك الأرائك كأماكن للإسترخاء والكسل، أما عن زخارف المدخل فهى تمثل لمحة بسيطة مما يشاهدة الزائر بالداخل وتؤهله لدخول عالم سيترك فيه وراءه العالم الخارجي.

لمدخل الجامع باب غاية في الروعة يرجع لعصر السلطان الأشرف برسباي في عصر المماليك الجراكسة, أما باب المدرسة الأصلي فموجود الآن بجامع المؤيد شيخ الملاصق لباب زويلة.

فور الدخول من الباب نجد ما يسمي “دركاه” وهى لفظة فارسية تعني المساحة التي تلي المدخل أو الباب, ودركاه السلطان حسن هائلة الحجم مغطاة بقبة مقامة علي مقرنصات, وهناك مسطبة هائلة الحجم مخصصة للسلطان نفسه لتقبل المظالم والشكاوي مع كبار رجال الدولة خاصة بعد صلاة الجمعة.

دركاه مدرسة السلطان حسن.
دركاه مدرسة السلطان حسن.

وكعادة لكثير من الآثار الإسلامية سنجد أن هناك دهليز منكسر يؤدى للمجمع نفسه وهو يؤدي وظيفة حفظ الخصوصية والعزلة عن العالم الخارجي.

قبل نهاية الدهليز المنكسر مباشرة نجد المطبخ الخاص بالمدرسة وكذلك “المستشفي” أو البميمارستيان وكذلك بئر الساقية لتزويد المنطقة بالمياه, وهذا الجزء من المجمع هو الجزء الخدمى الخاص بالمجموعة باكملها للإشراف علي العناية بالطلاب ومأكلهم ومشربهم ومتطلبات معيشتهم.

تبلغ مساحة مدرسة السلطان 7906 متر مربع, ونعرف إسم المشرف علي بناء المدرسة والذي كان لقبه كعادة ذلك العصر “شادي العمارة” والذي كان إسمه “محمد بن بيلبك المحسني”.

المدخل المؤدي للفناء.
المدخل المؤدي للفناء.

يمتاز الجامع كعادة الجوامع المشابهة له والمدارس بالصحن المكشوف الذي تتوسطه الفوارة أو النافورة, وهى سمة مميزة لمباني ذلك العصر والتي يعتقد بالخطأ أن تلك الفوارات عبارة عن ميضئة ولكن هذا غير صحيح لان في الأصل ذلك المكان كان لتلقي العلم وإقامة الطلاب وكذلك الصلاة فلا يستحب مقاطعة تلك الأنشطة بالوضوء الذي له مكان مخصص في جهة بعيدة من المجمع.

 

المذاهب الأربعة

حول الصحن أربعة إيوانات والإيوان هو المساحة المغلقة من جميع الجهات عدا جهة واحدة , والأربعة إيوانات لتدريس المذاهب الأربعة “شافعي, ملكي, حنبلي, حنفى” وكذلك كانت تلك المدرسة مكان لتلقي بعض العلوم المدنية أيضاً وهو ماشبه لنظام التدريس في جامعة الأزهر حالياً الذي يدرس فيه الطلاب العلوم الدينية والمدنية معاً.

وقد كانت الدروس تلقي بنظام المناوبات في ذلك العصر لضمان عدم التداخل والضوضاء بين الطلاب والمعلمين, وأكبر إيوان بالمدرسة هو الإيوان “الحنفي” وهو مذهب مصر حالياً، ولكل إيوان باب مكتوب عليه جملة مشابهة

“امر بإنشاء هذه المدرسة المباركة مولانا السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر حسن إبن مولانا السلطان الشهيد المرحوم الملك الناصر محمد إبن قلاوون وذلك في شهور سنة أربع وستين وسبمعاية”

ومصاحب لنفس النص عند كل باب إسم المدرسة “شافعية , ملكية الخ ..” وفور عبور أى باب منهم سنجد دهليز منكسر وصحن صغير به نافورة وينتهي بإيوان واحد وكذلك نجد سلماً يؤدي لأماكن الإقامة، وقد أتي ذكر السلطان حسن ب”الشهيد” وذلك في إشارة كما ذكرنا أن المدرسة قد تم الإنتهاء منها علي يد الجمدار بعد وفاة السلطان حسن.

نافورة السلطان حسن.
نافورة السلطان حسن.

كانت تلك الأبواب تؤدي إلى الأماكن الخاصة بتدريس كل مذهب علي حده بين العلماء والمتخصيين بينما خارجها للطلاب من متلقي العلم, وكان لذلك الفصل غرضاً آخر وهو فصل الطلاب أتباع المذاهب المختلفة لمنع نشوب أى خلافات أو مشاحنات بينهم فيبقي كل منهم بداخل عالمه.

وقد أصبح المذهب “الحنفي” هو المذهب السني المصري بداية من عصر المماليك, وقبل ذلك في العصر الأيوبي علي سبيل المثال هو المذهب الرسمي, أما الفاطميين فكانوا شيعة, ويتمحور إتباع المذهب في التشريعات والقوانين المتعلقة بالتعاملات المدنية.

إيوان القبلة بالسلطان حسن.
إيوان القبلة بالسلطان حسن.

وعلي سبيل المثال لإختلاف تلك المذاهب فنجد أن دولة السعودية تتبع المذهب الحنبلي, والإمارات وشمال افريقيا مالكية والغالبية الكبري من أتباع المذهب الشافعي في اليمن.

كما يحتوي الإيوان الأكبر من المدرسة علي المحراب في إتجاه القبلة , والمنبر ودكة المبلغ وقد كانت دكة المبلغ لها عدة إستخدامات في مختلف العصور فكانت وظيفتها الأساسية هي وقوف شخص عليها ليردد نداء الصلاة خلف الإمام نظرا لعدم وجود مكبرات صوت, كذلك كانت دكة المبلغ أحيانا يعتليها السلطان إذا كانت هناك أخباراً بمحاولة إغتياله حيث كانت أشهر أماكن الإغتيالات في تلك العصور هى المساجد والحمامات لانها كان أماكن لا يدخلها أحد بسلاح, كذلك كانت دكة المبلغ في بعض الأحيان يجلس عليها أحد حريم السلطان لعدم إختلاطها بالرجال وأحيانا الأيتام من حفظة القرآن تشجيعاً لهم, وجميع المشكاوات الموجودة بالمجموعة ليست الأصلية والمتبقي من الأصلي منها موجود بمتحف  الفن الإسلامي،وفي صدر المحراب علي الجانبين نجد بابين يؤديان إلي قبة مدفن السلطان حسن.

محراب السلطان حسن.
محراب السلطان حسن.

 

قبة المدفن

كان لكل سلطان خطة بإعداد مدفن له وهو ما حدث في حالة السلطان حسن كغيره من السلاطين, وعلي الرغم من إنتهاء المجموعة بالكامل حتي بعد وفاة السلطان حسن إلا أنه غير مدفون بمجموعته ومكان دفنه حتي الآن غير معروف والمدفونين بالمدفن الآن هما إثنان من أولاد السلطان حسن “أحمد” و”إسماعيل” وكذلك الحريم.

وكان الدفن في تلك الاماكن للرجال وراء المحراب , ثم حائط فاصل يليه مدفن السيدان وكانت الدفنات تكون فى غرف تحت الأرض وليس في المقام الموجود بداخل المجموعة.

كما نجد أيضاً كرسي لقراءة القرآن كبير كان موضوعاً بإيوان القبلة ولكنه نقل بالداخل لحمايته, وهو مصنوع من الخشب المطعم بالعاج وأعلاه مساحة كبيرة لوضع مصحف هائل الحجم لقراءة القرآن , وفي العصور القديمة كانت تلك الأماكن عامرة بالمقرئين الذين يتناوبون علي قراءة القرآن بشكل مستمر طلباً للرحمة لروح السلطان وهو ما نجده مكرراً في كل أماكن الدفن المملوكية.

 

تاريخ ترميم السلطان حسن

كانت تمتاز مدرسة السلطان حسن كغيرها من المنشآت المملوكية بزخارف غاية في الروعة والإتقان إلا أن هجر تلك الأماكن قد حولها في بعض العصور إلى اماكن مهجورة وحتي لإلقاء المهملات وكإسطبلات للخيل وغيره, وقد تم تأسيس لجنة حفظ الآثار العربية التي أنشأها الخديو إسماعيل وقد تم إسترجاع جزء من رونق السلطان حسن في عصر عباس حلمي، وفي العصور الحديثة وبداية من نهاية التسعينيات بدأ مشروع للحفاظ علي الآثار الإسلامية وأشهرها شارع المعز ولكنه توقف مع أحداث الثورة في 2011 ولكن عاد ذلك المشروع للإستكمال من جديد في العصر الحالي لتطوري مناطق الآثار الإسلامية, ترميمها, إزالة التعديات عليها ومن ثم تحويلها إلى متحف مفتوح.

 

 

 

 

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *