التخطي إلى المحتوى
كان فك رموز حجر رشيد هو العلامة الفارقة في معرفة التاريخ المصري القديم بشكل علمي صحيح فما قبل ذلك الكشف ليس أبداً مثل ما بعده, فملخص القول أن كل المعلومات التي كانت متداولة عن الحضارة المصرية القديمة هي مزيج من الخرافات والأساطير الشعبية والمعلومات المستقاة من الكتب السماوية والتي يأولها البعض بشكل يخلق المزيد من المغالطات عن الحضارة المصرية القديمة.
فمع هذا الكشف وجد العالم نفسه ولأول مرة منذ آلاف السنين قادراً علي قراءة ما دونه المصريون بأنفسهم عن آثارهم وغرض إنشائها وكذلك حياتهم وأخبارهم, ونظرا للكم الهائل من الآثار والنصوص التي تركها المصريون فكان لابد أن يشغل ذلك العديد من العلماء وبالتالي تتفرع مواضيع الدراسة لينشأ لدينا ما سمي لاحقاً علم المصريات Egyptology أو بمعني أدق علوم المصريات حيث تفرعت معرفتنا بالتاريخ والحضارة المصرية القديمة إلى أكثر من مجال وجانب من تلك الحضارة الإستثنائية.
في هذا المقال سنحاول أن نعرف كيف حقق علم المصريات الفرق في تعريف العالم بتاريخ المصريين القدماء وماذا يعتمد عليه ذلك العلم في إستقاء مصادر دراسته.

الأسرات المصرية الحاكمة؟

وهو تقسيم تاريخي كلاسيكي للأسر الحاكمة التي حكمت ممالك العالم القديم وهو في الأصل يربط مجموعة من الحكام ببعضهم البعض عن طريق وجود صلات قرابة بينهم إلا أنه في حالات كثيرة لا يعتبر هذا المصطلح دقيقاً فعلي سبيل المثال لا يربط جميع ملوك مصر القديمة صلات قرابة ببعضهم البعض, كما أن ذلك المطلح هو ترجمة لكلمة dyansty والتي تعني حرفياً “سلالة” وبالنسبة للكلمتان “سلالة” ,”أسرة” فلا ينطبق مفهومهم علي كل ملوك مصر القديمة، ولكن مع كثرة إستخدام هذا المصطلح أصبح من ثوابت دراسة التاريخ المصري القديم.

حجر رشيد
حجر رشيد

يرجع الفضل في ظهور أول تقسيم للتاريخ المصري القديم إلى كاهن مصري اطلقت عليه النصوص إسم “مانيتون” Manetho ويعتقد أنه عاش في عصر الملك بطلميوس الثاني أو حتي بعده وقد قام بتقسيم التاريخ المصري القديم إلى ثلاثين أسرة بدأت بالملك “مينا” (طبقا لمانيتون فأسماه “حور عحا”) نهاية بغزو الإسكندر الأكبر لمصر, وهناك بعض علامات الإستفهام بشأن مانيتون سنتطرق إليها لاحقاً, وعلي أية حال فذلك التقسيم لا يزال متبعاً حتي يومنا هذا بل أن مع العثور علي فترات حضارية تسبق توحيد القطرين المصريين لم يجد العلماء بداً من وضع أرقام لتلك الفترات فأطلقوا عليها ما يسمي إصطلاحاً الأسرات صفر, صفرين كإستكمال لتقسيم مانيتون عوضاً عن تغيير النظام باكمله.

كيف عرفنا التاريخ المصري القديم؟

ليس التاريخ مجرد سرديات قصصية أو دروساً يتعلم منها الإنسان المعاصر بل هي علم له أصول بحثية وطرق دراسة يعتمد علي مصادر معتبرة تمكن الباحث من الوصول لأقرب تصور لحقيقة ما حدث في الماضى, وتتمحور مصادر التاريخ بشكل عام علي ما تركه الأقدمون أنفسهم ليروا عن أنفسهم أو حتي ما عاصروه من أحداث أو  حضارات أخري.

الآثار المصرية كمصدر للتاريخ

وهي الآثار التي تركها أسلافنا المصريون القدماء وتشمل المعابد, المقابر, البرديات .. الخ

الآثار المصرية مصدر للتاريخ.
الآثار المصرية مصدر للتاريخ.

وتنقسم تلك الآثار إلى قسمين رئيسين أولهما هو

الآثار الثابتة: وهي المعابد, الأهرامات, المقابر وما عليها من نقوش تؤرخ احداثاً تاريخية بعينها أو تخبرنا بمعلومات معينة وقد سميت بالآثار الثابتة نظراً لحجمها وثباتها في مكانها وصعوبة نقلها.

الآثار المنقولة:من التعريف يمكننا أن نستنتج أنها الآثار التي يسهل نقلها مثل البرديات, التماثيل وغيرها من الآثار.

ومن أشهر الآثار التي أمدتنا بمعلومات غاية في الثراء عن الحضارة المصرية هو ما يسمي بقوائم الملوك وهي مجموعة قوائم تم صنعها في فترات متفاوتة تحل ترتيب وأسماء الملوك الذين حكموا مصر حتي زمن كتابة القائمة, منها ماهو حديث نسبياً ومنها ماهو ضارب في القدم وبعهضا تم تدوينه بالأمر المباشر من الملوك المصريين وبعضها كان لأغراض توثيقية, وكان من أشهر الآثار التي أخبرتنا عن تاريخ الملوك وترتيبهم بشكل غير مباشر هو ما سمي بقوائم تعداد الماشية وهو إحصاء كان يقوم به المصريون مرة كل سنتان فعلي سبيل المثال إذا كان إحصاء الماشية قد تم عشرة مرات في عصر ملك بعينه ومن ثم إختفي إسم هذا الملك وحل محله خلفه، فذلك يعني بشكل غير مباشر أن الملك قد حكم لمدة عشرون عاماً.

حجر باليرمو

وهو حجر من الديوريت الأسود منقوش علي الجانبين ومسجل عليه ترتيب الملوك المصريين منذ عصر ما قبل الأسرات حتي عصر الأسرة الخامسة والملك “جد كا رع إسسى” الذي أمر بتدوينه, يبلغ إرتفاع ذلك الحجر حوالي سبعون سم وطوله حوالي متران, وقد تهشم ذلك الحجر ولم يبق منه سوى سبع قطع أكبرها موجود بمتحف باليرمو بجزيرة صقلية وموجود هناك منذ أكتوبر 1877 ولذلك سمي بحجر باليرمو.

حجر باليرمو.
حجر باليرمو.

أما بقية القطع فأربع منها بالمتحف المصري وواحدة في لندن, ويعد حجر باليرمو هو أقدم وثيقة تاريخية من مصر القديمة تخبرنا بوضوح عن تسلسل تاريخي وملوكاً حكموا مصر ومنه نستطيع وبوضوح إستقاء معلومة مباشرة من الفترة التي دون فيها ذلك الحجر ومقارنتها بالمصادر اللاحقة التي تحدثت عن ترتيب الملوك.

بردية تورين

وهى بردية كتبت بالخط الهيراطيقي – أحد خطوط كتابة اللغة المصرية القديمة – تنتمي لعصر الدولة الحديثة والملك رمسيس الثاني, بها أسماء حوالي 300 ملك مصري, تعدد البردية أسماء الملوك المصريين الذين حكموا قبل رمسيس وعدد سنوات حكمهم بل وشهورها وحتي أيامها لبعض الملوك, وهى موجودة الآن بمتحف تورين للآثار المصرية لذلك سميت بهذا الإسم كما تعرف أيضا بقائمة تورين للملوك.

قائمة الكرنك

وهى قائمة نقشت في عصر الإمبراطور الفاتح “تحتمس الثالث” أعظم ملوك مصر قاطبة والنجم المتوج للأسرة الثامنة عشر علي جدران معبد الكرنك, وهو تقليد صنعه بعض الملوك في المعابد فيا سمي بغرفة الأجداد والتي كانت تحوي علي أسماء الملوك السابقين لتقديم القرابين والصلوات علي أرواحهم, وقد تم خلع قائمة الكرنك من مكانها بالمعبد ومعروضة الآن بمتحف اللوفر.

قائمة الكرنك
قائمة الكرنك

 

قائمة أبيدوس

وهى نوع آخر من قوائم المعابد موجودة بمعبد أبيدوس في العرابة المدفونة, البلينا, محافظة سوهاج والذي شيده الملك “سيتي الأول” وأكمله من بعده إبنه وإبن مصر البار “رمسيس الثاني”  وفي المنظر يظهر الملك سيتي الأول وخلفه إبنه رمسيس الثاني وهو صبي يقدمان القرابين أمام أسماء 76 ملكاً حكموا مصر قبلهم في عرفان بالجميل لأسلافهم العظماء.

قائمة ابيدوس.
قائمة ابيدوس.

 

قائمة سقارة

وهي لوحة عثر عليها في مقبرة كاهن يدعي “تنري” عاش في عصر الملك “رمسيس الثاني” ودفن في جبانة مدينة منف “سقارة” وتحتوي علي 58 إسم, ولهذه اللوحة قصة رائعة ملخصها سرقتها وعرضها بالمتحف البريطاني أولاً قبل أن تتمكن السلطات المصرية من إستعادتها لأرض الوطن مرة أخري.

 

كانوا ملوكاً

مما سبق نجد أن حب المصري القديم للتدوين والتوثيق قد إنعكس علي معرفتنا الحالية بالتاريخ المصري القديم الذي لم يعتمد فقط علي روايات مؤرخين أو روايات شفهية وإنما هى عملية صعبة, طويلة ومعقدة يتم مقارنة العديد من المصادر بعضها البعض للوصول إلي أقرب تصور ممكن للصحة, يضاف إلي ذلك الآثار التي تركها المصريون القدماء التي تتحدث عن أسلافهم من الملوك السابقين بشكل غير مباشر كالنصوص التذكارية وغيرها، ولكن علم المصريات لم يكتف باكتشاف ذلك فما تركه المصريون القدماء كان أعظم من ذلك بكثير, وهنا أتحدث عن مصدر آخر هام وهو ما يسمي بنصوص الأنساب.

 

نصوص الأنساب

نصوص الأنساب هي وثائق تاريخية تحكي أنساب عائلات بعينها غالباً من الكهنة وكذلك أسماء الملوك الذين عاصروهم, فعلي سبيل المثال لدينا “لوحة برلين” والتي دونها كاهن يدعي “عنخ إف إن سخمت” وقد ذكر عليها إسم ستون كاهناً من أسلافه في المناصب الكهنوتية وكذلك الملوك الذين عاصروهم, ومن نصوص الأنساب ايضا أربع لوحات عثر عليهم في سقارة أهمهم اللوحة التي تحمل رقم 96.

وهنا يجب أن ننوه عن بعض الأشياء: علي سبيل المثال هناك فترات تاريخية بعينها أراد المصريون إغفالها كفترة إحتلال الهكسوس مثلا والتي لم تدون في بعض القوائم, كذلك فترة حكم الهراطقة مثل أسرة العمارنة وإخناتون, وايضاً فترة حكم الملكة حتشبسوت والتي رآها من تلاها من الملوك المصريين بلا شرعية, لذلك يقوم الباحثون أولاً بمقارنة المصادر ببعضها ومن ثم الإعتماد علي مصادر أخري لتدعيم ما يبدو أقرب للواقع للوصول إلي نتائج نهائية مقبولة.

 

الحضارات الأخري كمصدر للتاريخ المصري

هناك حضارات عاصرت الحضارة المصرية القديمة مثل البابلية والأشورية والفينيقية والحيثية وحتي اليونانية وغيرهم, وفي بعض الأحيان تذكر وثائق تلك الحضارات بعض الأحداث التاريخية التي لا نجد لها توثيقاً في مصر, فعلي سبيل المثال تذكر السجلات الحيثية أن أرملة الملك “توت عنخ آمون” والمدعوة “عنخ إس إن آمون” قد أرسلت لملك الحيثيين شبيلوليوما تطلب منه أن يرسل أحد ابناؤه للتزوج منه ويصبح ملكاً علي مصر وذلك لأنها لا تثق باحد من بلاطها للتزوجه, وهنا تسترل المصادر الحيثية منفردة في ذكر تلك الواقعة بل وتردد شبيلوليوما في البداية ومن ثم حسمه لأمره وإرسال إبن له يدعي “زانانزا” ليتزوج الملكة ولكن تنتهي أحداث القصة بمقتل زانانزا وإحباط المؤامرة, بل ويفسر الحيثييون عدائهم لمصر بتلك الواقعة وهي العداوة التي إستمرت سبعون عاماً كاملة حتي إستطاع المصريون حسمها علي يد ملكهم الباسل “رمسيس الثاني”, وعلي الجانب الآخر فلا نجد من الجانب المصري تدويناً لتلك الواقعة مما يجعلنا نشكك في أحداث تلك القصة برمتها مع عدم وجود أدلة مادية تدعمها, كذلك فلا يوجد ما ينفيها بشكل قاطع فتقع تلك القصة ومثيلاتها في المناطق الرمادية للتاريخ المصري، لذلك يجب إلتزام الحذر عند النقل من تلك المصادر فكل يحكي التاريخ من وجهة نظره بما يخدم مصالحه.

 

مصر كمصدر تاريخي للعالم

إلا أن ما نجده واضحاً جلياً أن مصر كانت دوماً هي المصدر التاريخي للحضارات الأخري, فعلي سبيل المثال حضارة “ميتاني” والتي شغلت مناطق من سورياً يوماً ما وكانت أقوى حلفاء مصر في عصر الإمراطورية المصرية وخاصة “امنحتب الثالث” الذي تزوج أبنة الملك الميتاني “شوتارنا” والذي خلفه علي العرش إبنه “توشراتا” والذي بدوره أرسل إبنته للتزوج من “امنحتب الثالث” ولكنه وافته المنية قلب إتمام تلك الزيجة فتزوجها إبنه “إخناتون”, وقد عرفنا كل تلك الأحداث من مجموعة المراسلات التي تمت بين مصر وميتاني, وإلي هنا وتبدو الأمور طبيعية, إلا أن ما يثير الدهشة والذهول هو إن حضارة ميتاني لم تترك آثاراً تخبرنا عن تلك الأحداث علي الإطلاق بل أنه من الصعب تحديد حتي مكان عاصمة ميتاني” تحديداً بشكل قاطع حتي الآن, بينما الجانب المصري دون وكتب وأخبرنا كل شيء حتي عن تاريخ ميتاني.

خريطة مملكة ميتاني.
خريطة مملكة ميتاني.

ومن المثير للدهشة أنه وحتي في تلك الحالة والقصة التي ذكرناها فنجد أنه وبناء علي الوثائق المصرية يخرج علينا في العصر الحديث البعض من الشام بخرافات هزيلة لا سند لها ولا برهان فيقولون ان ملكة مصر “نفرتيتي” هي أخت الملك الميتاني وأنها ليست مصرية علي الرغم من أن معرفتهم بمملكة ميتاني كان معظمها من الوثائق المصرية وليس العكس أي أنه تم إستخدام معلومات من التاريخ المصري لمحاولة تزويره هو نفسه!

إلا أن أكثر الأمور إثارة للدهشة لم تكن هذا وإنما محاولات أخري من أقوام أخري سنعرف ماهيتها في مقال قادم ..

وللحديث بقية.

 

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *