التخطي إلى المحتوى

ترك المصريون القدماء الكثير على أرض مصر من آثار ومقابر ومعابد، ولكن كان أصدق ما تركوه هو الإرث التاريخي الموثق الذى دونه المصري القديم بنفسه، لم يخلو هذا التدوين من مواقف تعكس طبيعة النفس البشرية وفي بعض الأحيان مواقف أغرب من الخيال، يدين الشرق بأكمله لمصر في النصر في الحملات الصليبية كما يدين العالم لها لإنقاذه من خطر التتار, وعلى الرغم من ذلك فإن مصر أنقذت العالم من خطر محدث منذ أكثر من ثلاثة آلاف عام.

في السطور القادمة سنستعرض أحد فصول قصة حياة واحد من أقوى ملوك مصر القديمة وهو الملك المحارب “رمسيس الثالث” آخر الملوك الأبطال، وملاحم بطولاته وانتصاراته وإنقاذه للعالم أجمع.

جنازة في غرب طيبة

ذهب ليرتاح في أفقه مثل الآلهة, وهناك فعل له مثلما فعل لأوزير, تم التجديف به على متن قاربه في النهر وارتاح في بيته الأبدي غرب طيبة

النص السابق هو أحد نصوص مجموعة برديات  هاريس والموجودة بالمتحف البريطاني ويحكى عما فعله ملك مصر الجديد “رمسيس الثالث” من أجل والده المتوفي الملك “ست نخت”, ويصف النص طقوس الجنازة المهيبة التي تمت على ضفاف النيل حتى ارتاح “ست نخت” في مثواه الأخير في وادى الملوك بغرب طيبة.

الملك ست نخت.
الملك ست نخت.

تلك الجنازة التي أعقبها بفترة قصيرة احتفال مهيب تم تتويج الملك “رمسيس الثالث” على العرش وإطلاق أربع حمائم في جهات الارض الأربعة لإعلانهم بهذا التتويج المقدس لحورس الصقر “رمسيس الثالث” ( كل ملك مصري متوج هو تجسيد للإله حورس, وكل ملك مصري متوفى هو تجسيد الإله أوزير).

 

بداية عصر جديد: الأسرة العشرون

خلف الملك “رمسيس الثالث” أبيه الملك “ست نخت” على عرش مصر بعد فترة من الإضرابات انتهت بها الدولة الحديثة وآخر ملوكها (الملكة تاوسرت), وقد استطاع “ست نخت” في خلال سنتين فقط حكم فيها البلاد تمهيد الطريق لابنه “رمسيس الثالث” ليفتتح الملك “ست نخت” الأسرة العشرون في محاولة لاستعادة مجد الأسرات الثامنة والتاسعة عشر اللتان سبقوه بملوكها العظماء مثل “تحتمس الثالث” و”رمسيس الثاني”.

رمسيس الثالث من على جدران مقبرته رقم 11 , وادى الملوك.
رمسيس الثالث من على جدران مقبرته رقم 11 , وادى الملوك.

على الرغم من ان القدر لم يمهل ست نخت على العرش كثيراً إلا أن أعظم إستثماراته كان ولي عهده “رمسيس” (رمسيس الثالث لاحقاً) والذى سيخلف أبيه ويفوق كل التوقعات ليصبح أعظم ملوك الأسرة العشرون بلا منازع.

 

رمسيس الثالث

مع تولى “رمسيس الثالث” عرش مصر كان من الواضح أنه استلهم أمجاد أسلافه ليبدأ مشروعات طموحة ستضعه وسط صفوة ملوك مصر القديمة, وقد جعل من “رمسيس الثاني” أو “رمسيس الأكبر” قدوة له في كل شيء, فنجده حمل لقب تتويج رمسيس الثاني وهو “وسر ماعت رع”, أطلق على أكبر ابناؤه اسم “آمون حر خبش اف” وهو اسم الابن الأكبر لرمسيس الثاني, وكذلك فابنه الثاني حمل نفس اسم الابن الثاني لرمسيس الثاني وهو “خع إم واست”.

رمسيس الثالث وولده آمون حر خبش اف من على جدران مقبرة الأخير, 55 وادى الملكات
رمسيس الثالث وولده آمون حر خبش اف من على جدران مقبرة الأخير, 55 وادى الملكات

قلد رمسيس الثالث رمسيس اثلاني فى كل شيء تقريباً وأغلب الظن أن رمسيس كان يؤمن بلا شك انه تناسخ روح رمسيس الثاني والتي عادت إلى الحياة فى جسده فوصل هوسه برمسيس الثاني مبلغاً فاق الحدود.

 

آخر الملوك الأبطال

إصطلح علماء المصريات علي إطلاق لقب “آخر بطل مصري” على الملك رمسيس الثالث, وذلك بسبب إنجازاته الحربية التى بدأها مع بداية عهده, فمع تولى رمسيس للعرش شهد العالم القديم فوضي وإضطرابات عصفت بالشرق، ففى عصر الأسرة التاسعة عشر دام صراع مصر مع الحيثين ما يقارب خمسة وسبعون عاماً إنتهت بتوقيع معاهدة السلام ما بين الجانبين بقيادة رمسيس الثاني من مصر وخاتوسيل الثالث من خاتوشا.

شعوب البحر كما تم تصويرهم على جدران معبد هابو.
شعوب البحر كما تم تصويرهم على جدران معبد هابو.

إستقرت الأمور نسبياً مع هذا التحالف الذى ضمن لهم تفادي خطر صعود بابل وأشور وبعض الممالك الفتية فى ذلك الوقت, إلا أنه مع حلول زمن رمسيس الثالث نجد أن الموقف قد تغير تماما فظهر أقوام عرفت بإسم “شعوب البحر” إستطاعت تدمير إمبراطورية الحيثيين وإفنائها وبدأت فى إجتياح الشرق متوجهة إلى مصر.

كان ما فعله شعوب البحر أشبه بما فعله التتار بعد عدة قرون, فهم يجتاحوا البلدان واحدة تلو الأخري بل ويهددوا إستقرار العالم أجمع, وهنا جاء الدور على مصر فإما تؤكل وإما تخرج منتصرة.

 

شعوب البحر: تتار العالم القديم

مع خبراتهم فى الملاحة هاجم شعوب البحر مصر بحراً حتي وصلوا إلى الدلتا, بينما أضافوا قوات أخري للهجوم براً.

معركة جاهي

وهي المعركة البرية التي حدثت بعد سيطرة شعوب البحر على آخر مستعمرات الإمبراطورية الحيثية وهى “أمورو”, وقد دمرها شعوب البحر عن بكرة أبيها وأعلنوا صراحة تهديد مصر، ومع اقتراب الخطر قام الملك “رمسيس الثالث” باستغلال الوقت في تجهيز قواته وتحصين دفاعاته في “جاهي” ( ، ومع تقدم قوات شعوب البحر عبر ساحل الشام اصطدموا بالقوات المصرية الجاهزة للنزال وفى وصف تجهيزات المعركة نجد رمسيس الثالث يقول:

كان كل قادة العجلات الحربية والضباط الأكفاء جاهزين، كان الحماس يدب فى عروق وأطراف كل خيولهم مستعدة لسحق كل البلاد الأجنبية تحت أقدامهم، فمن سيصل إلى حدودي لن يكون له بذرة وستفنى قلوبهم وأرواحهم إلى أبد الآبدين

قاد رمسيس الجيش المصري إلى نصر ساحق على هؤلاء الغزاة الأشداء ولكن لم تكن معركة “جاهي” هي نهاية المطاف فلم يزل في جعبة شعوب البحر هجوم أخير ساحق بحراً في مقابل الجيش المصري الذى لا تتفوق خبراته في المعارك البحرية عليهم ليتبقى فصل أخير من هذا الصراع.

 

معركة الدلتا: مصر تسود براً وبحراً

بعد الانتصار الساحق براً على قوات شعوب البحر بدأت فصول ثاني وآخر جولات الصراع فيما عرف باسم معركة الدلتا, ففور النصر في “جاهي” توجه رمسيس مسرعاً بقواته عائداً في اتجاه مصر بينما قوات العدو في سباق محموم معه متجهة إلى مصر بحراً.

الغريب في الأمر أن أسطول شعوب البحر قد وصل دخل إلى مصر وتوغل حتى وصل إلى فم دلتا النيل فى سيناريو بدا وكأن النصر سيكون حليف الغزاة لا محالة, إلا أن خطة رمسيس وضعت سيناريو آخر كان هذا التوغل هو أحد خطواته.

حقيقة الأمر أن هذا كان كمين من قوات الجيش المصري فالأسطول المصري جاهز للمواجهة بينما الرماة المصريين على ضفتي النيل يمطرونهم بسهامهم يمنعوهم من محاولة الرسو او إنزال القوات أو حتى التراجع حتى أصحبت السهام من خلفهم والأسطول المصري أمامهم.

أما عن من اجتمعوا بحراً فقد التقوا بالنيران عند مدخل المرفأ, حاصرتهم جدران من الفولاذ على الشواطئ ، تم سحلهم وقلب سفنهم وطرحهم على الشاطئ مذبوحين

 

قامت قوات الأسطول المصري بسحب سفن شعوب البحر تجاه الشواطئ باستخدام الخطاطيف بينما رماة السهام وقوات المشاة تكفلت بإتمام المهمة والقضاء على أسطول شعوب البحر الذى انقلبت سفنه ومن نجي منهم لرسو على الشاطيء تكفل جنود مصر البواسل بالقضاء عليهم براً.

كان هذا النصر الساحق كفيل بأن يضع “رمسيس الثالث” في مصاف ملوك مصر العظماء، هذا النصر لم يكن فقط مجرد انتصار حربي مصري ولكنه كان إنقاذ لشعوب العالم القديم اجمع من هذا الخطر المحدث الذى اجتاح العالم كالجراد وقضي على الأخضر واليابس.

 

مصير شعوب البحر بعد رمسيس

بعد تشتت شملهم وتكسير انيابهم قام رمسيس بدفع من تبقى منهم إلى جنوب كنعان ولم تقم لهم قائمة بعد عصر رمسيس الثالث حيث تشتت من تبقى منهم ولم يحاولوا ولا مرة إعادة الكرة مرة أخري في أي مكان، وعلى الرغم من هذا الانتصار الساحق إلا أنه لم يكن الخطر الوحيد الذى تهدد مصر وقتها فقد كان لرمسيس مهمة أخري لدرأ عدو آخر يهدد وطنه

 

الحروب مع ليبيا

وهى حروب وقعت في العام الخامس والحادي عشر من حكم رمسيس الثالث لدرأ خطر قبائل ليبيا القديمة ( قبائل المشوش), ففي العام الخامس قام رمسيس بصد محاولة للغزو من تلك الجبهة على حدود مصر الغربية وبعد ست سنوات استغلت بقية القبائل حالة الضعف التي سببها انتصار الجيش المصري بين قبائل التحنو، فظهرت قوة اخرىي متمثلة في قبائل المشوش الذين أخضعوا بقية القبائل ولم يكتفوا بذلك فقاموا بتجهيز العدة والتحالفات لغزو مصر نفسها.

رمسيس الثالث وسحق التحالف الليبي, معبد هابو.
رمسيس الثالث وسحق التحالف الليبي, معبد هابو.

 

مع قرب نهاية العام الحادي عشر من حكم رمسيس الثالث توجه هذا الحلف باتجاه مصر بنية الغزو والإستيطان، وبدأوا فى الزحف فى مجموعات منفصلة مخترقين الحدود المصرية حتى عبر القسم الأكبر منهم الحدود ووصلوا إلى الدلتا فى موقع يبعد ما يقارب 18كم من أطراف الصحراء الغربية وبداوا فى محاصرة نقطية مصرية حصينة هناك.

وهنا انقض رمسيس الثالث عليهم في هجوم مباغت فحاصرتهم القوات في اتجاه الحصن, وكشعوب البحر أصبحوا بين مطرقة الجيش المصري وسندان نيران الحصن.

وانتهت هذه المعركة كالمعتاد بانتصار ساحق للجيش المصري وبلغ عدد القتلى ما يزيد على ألفى قتيل وأسروا منهم ما يزيد على عشرون ألفاً، وقد قام رمسيس الثالث بتوثيق انتصاراته في عدة مصادر أهمها معبده الجنائزي الموجود غرب طيبة (معبد هابو), وكذلك في قطاع من مجموعة برديات “هاريس” والموجودة بالمتحف البريطاني.