التخطي إلى المحتوى

“أبو التاريخ”، هكذا لقبه الخطيب والمفوه الروماني “شيشرون” ومن يومها كان له في أذهان العالم من قداسة رفعته لمصاف العظماء حتى قالوا عنه ملأ العالم وشغل الناس، هو المؤرخ الشهير “هيرودوت” الذي يعرفه من لا يعرفه، يعرفه من قرأ عنه وله، ويعرفه أيضا من لم يسمع به عن طريق معرفة مقولاته وحكاياته التي سردت على لسانه. وعلى الرغم من تلك الصورة البراقة والجاذبة والسمعة التي حازها ذلك المؤرخ الشهير. إلا أنه هناك جانبا آخر من شخصيته وكتاباته لم يسمع به الكثيرون وعلى رأسها تلقيبه بأبو الأكاذيب.

من هو هيرودوت؟

هيرودوت  Herodotus أو هيرودوت الهاليكارناسى (نسبة إلى مكان مولده) هو واجد من أشهر مؤرخي العالم القديم وأكثرهم صيتاً عبر التاريخ، والذي عاش بين 484 – 425 ق.م، وقد ولد فى “هاليكارناسوس” وهي مدينة تقع فى الركن الجنوبي الغربي من آسيا الصغرى. وهي الآن مدينة “بوردم” في تركيا.

تمثال هيرودوت
تمثال هيرودوت

 

وعلى أغلب الظن أن اسم “هيرودوت” هو من مقطعين “هيرا” “دوت” ومعناه عطية الإلهة “هيرا” زوجة “زوس” كبير آلهة الأوليمب.

لم تأت أسفار هيرودوت عفوية ولا هرباً من ظلم أو حتى بحثاً عن رغد العيش، ولكنه كان هدفاً له أعد له بجدية ولسنوات طوال، ولكن على الرغم من ذلك لم يكن هيرودوت من أول الرحالة الإغريق فقد سبقه كثيرون نذكر منهم على سبيل المثال “هيكاتيه المالطى” الذي ما انفك “هيرودوت” يلومه وينتقده في مواضع عدة من كتبه.

تمحيص الأخبار

وهو الاسم الذي سمى به “هيرودوت” كتابه الأشهر والذي يعرف أيضا “بتاريخ هيرودوت”، وهو مزيج تاريخي جغرافي ديني قصصي لأخبار العالم القديم والبلدان التي زارها “هيرودوت” وقد كان جل اهتمام “هيرودوت” هو دراسة الصراع اليوناني الفارسي والتعليق عليه وأخباره وبلدانه.

ولم يخفى انحيازه لبنو جلدته في ذلك فقومه نبلاء أبطال استطاعوا بفضل شجاعتهم وتأييد آلهتهم أن ينتصروا على أعدائهم وينقذوا أوطانهم من الاستعباد بل أنهم أصل الحضارة والرقى والتقدم وغيرهم هو دونهم برابرة غير متحضرين، بل أن نبوءات الآلهة عنده دوماً في صف الإغريق وليس هذا بغريب ولا شاذ عن عصره وزمانه فقد كان هذا دأب الرحالة الكلاسيكيين ومسلكهم فى الحديث عن أوطان غيرهم، وقد زار هيرودوت العديد من البلدان حكى عنها في كتابه الذي قسمه إلى تسعة أجزاء رئيسية.

جزء من الكتاب الثامن لهيرودوت فى بردية تعود للقرن الثانى الميلادى.
جزء من الكتاب الثامن لهيرودوت فى بردية تعود للقرن الثانى الميلادى.

تقسيم تاريخ هيرودوت

  • الجزء الأول ويحمل اسم “كليو” إلهة التاريخ.
  • الجزء الثانى ويحمل اسم “يوتربى” إلهة الموسيقى والعزف على الناي.
  • الثالث: “ثاليا” ،إلهة التراجيديا
  • الرابع : “ميلومينى”، إلهة الكوميديا.
  • الخامس: “تربسيخورى”، إلهة الرقص الغنائي.
  • السادس: “آراتو” ، إلهة الأناشيد
  • السابع: “بولهيمنيا”، إلهة التمثيل.
  • الثامن: “أورانيا”، إلهة الفلك.
  • التاسع: “كالليوبى”، إلهة الشعر والملاحم.

وقد افتتحها قائلاً

هذه أبحاث هيرودوت الهاليكارناسى، كتبها ليبقى ذكر أفعال الرجال حياً ومآثر الإغريق والبرابرة وأعمالهم المجيدة خالداً، وهدف منها توثيق أسباب النزاع بينهم.

كيف وصل هيرودوت إلى مصر

أرجح الظن أن هيرودوت قد سافر مع أحد سفن التجارة الإغريقية التي حملته إلى “نوكراتيس” (موقعها اليوم بالقرب من إيتاى البارود، محافظة البحيرة) التي كانت مركزاً هاماً من مراكز التجارة الإغريقية، ومنها انسل إلى أقاليم ومدن الدلتا، والتي رحل عنها راكباً النهر لزيارة أقاليم الوادي حتى بلغ أقصى الحدود الجنوبية من وراء أسوان، وأرجح الظن أن هيرودوت قد زار صعيد مصر ولكن زيارته له لم تطل لأن مدة إقامته في مصر لم تتجاوز اربعة أشهر بشكل عام.

هيرودوت في مصر

زار “هيرودوت” مصر في فترة تاريخية صعبة على المصريين وهي عصور الاحتلال الفارسي، والتي كان فيها المجتمع المصري يعيش فترة ضعف واضحة مع نسيج مجتمعي كان يعج بالإغريق الذين كانوا مرتزقة وتجاراً خاصة في الشمال وهي المنطقة التي استقر فيها “هيرودوت” أغلب الوقت، وكان وجود الإغريق بمصر في ذلك الوقت عاملاً مهماً لتسهيل أموره ومده بالمعلومات وهو ما لم يكن يحدث في عصور أو ظروف أخرى بشكل قاطع.

هيرودوت يتحدث عن مصر

وثق “هيرودوت” زيارته لمصر في كتابه الثاني الذي كان خالصاً لمصر، ومعه جزء من الثالث، وقد افتتح حديثه عن مصر بحملة “قمبيز” عليها ثم تطرق إلى الحديث عن طبيعة مصر وأصل سكانها وتقاليدهم وكذلك الطعام والشراب والملبس وحتى الحيوانات الأليفة، وأضاف على كل هذا ما زعم أنه رآه أو سمعه وما لاحظه أثناء إقامته بمصر، وقد انقسم حديث هيرودوت عن مصر لبابين رئيسين الأول أرض مصر وطبيعتها وخصائص شعبها، الثاني: عن تاريخ أشهر ملوك مصر وأعمالهم، زاعماً أن من نقل له هذه المعلومات هم ثقات من كهنة البلاد وأشرافها.

أكاذيب عن مصر

ما أن تطالع السطور الأولى في كتابه الثاني لربما تستنكر ما جاء فيه فقد افتتح “هيرودوت” حديثه عن مصر بعدما تحدث عن قمبيز، فنجده يقول

قبل حكم “بسماتيك” كان المصريون يعتقدون أنهم أقدم ناس فى الوجود، ولكن ما أن تولى بسماتيك الححكم أراد أن يعرف أى الشعوب أقدم، ولم يستطع الملك بأى وسيلة معرفة من هم أعرف الشعوب فى الوجود، لذلك ترك طفلين من العامة حديثى الولادة لدى راع ليربيهما بين ماشيته، آمراً الراعى ألا ينطق أى كلمة أمامهما ويطعمهما فى ساعات معينة، رغبة منه أن يسمع أول صوت يصدر من الطفلين عندما يمتلكا القدرة على الحديث، وبعدما إنقضى عامان كان أول ما نطقا هو “بيكوس” بعدما إرتميا تحت أقدام الراعى ومدا أيديهما نحوه، وتكررت الكلمة فذهب الراعى إلى الملك الذى إستعلم عن تلك الكلمة فاكتشف أن “الفريجيين” يطلقون على الخبز هذا الإسم، وهكذا إعترف المصريون أن الفريجيون أقدم منهم وقد سمعت من كهنة “هفاستيوس” فى ممفيس أن الأمر قد حدث كما شرحت

ثم يستطرد هيرودت مدارياً على ما قال أن هناك رواية إغريقية بديلة للأمر (إنتهت بنفس النتيجة) تقول أن “بسماتيك” عهد بطفلان إلى نسوة وأمر بقطع ألسنتهم كى لا يستطيعن الكلام أمام الطفلين، ويصف تلك الرواية بالسذاجة والضعف!

الحياة على ضفاف النيل إستنادا على ما تخيله هيرودوت.
الحياة على ضفاف النيل إستنادا على ما تخيله هيرودوت.

وقد إستخدم “هيرودوت” ذلك الأسلوب مرارً وتكرارً فى كتبه، فنجده يصف محدثيه من الثقات  ومن ثم ينتقد غيره فيما رووا عن الأمر  وعلى رأسهم “هيكاتيه” المالطى الذى طاله منه إنتقادا تلو الآخر هو و “سترابو”،  ومن أغرب ما ذكره هيرودوت من الأكاذيب اللامعقولة هو تعامل المصريون مع القطط، فمع  إناث القطط نجده يقول أن إناث القطط تمتنع عن الذكور عند إنجاب القطط الصغار فيخطف المصريون الصغار ويقتلوهم ليشجعوا تكاثر القطط مع بعضها البعض! بل أن المصريون عند نشوب حريق فى منازلههم لا يسارعون لإطفاؤه وإنما يسارعوا لإنقاذ القطط! أما عند موت الحيوان الأليف فإن كان قطة يحلق المصريون حواجبهم، وإن كان كلباً يحلقوا الرأس وشعر الجسم!

هيرودوت والهوس بالقصص الخيالية والجنس

إن كان الجزء الخاص بالعادات والتقاليد ووصف المصريين يمتلئ بما هو غريب ومستنكر فتاريخ الملوك عند “هيرودوت” أعجب وأعجب فيذكر أن الكهنة قرأوا عليه أن 830 اسما من أسماء الملوك من بينهم امرأة و18 أثيوبي، أما أغرب ما ذكره “هيرودوت” فكان عن الملوك “خوفو” و “خفرع” و “منكاورع” فقد ذكر هيرودوت أن خوفو كان ظالماً منع على قومه العبادة وسخرهم لأعماله ومنها الهرم وأن مائة ألف مسخر عملوا فى مشاريعه وكانوا يستبدلوا كل ثلاثة شهور ولما نفذ المال من “خوفو” أمر إبنته أن تعمل فى ماخور لتمده بالمال ويستطرد ان الصبية نفت أمر أبيها وزادت عليه أن طلبت من عشاقها أن يجلب كل واحد منهم حجرا لتبنى هرمها الصغير المشيد بجوار هرم أبيها.

لم تكن تلك الواقعة الوحيدة التي تحدث فيها هيرودوت عن تلك الممارسات الأخلاقية، فنجد لديه هوساً بالقصص الجنسية، ففى موضع آخر يقول أن الملك “من كاورع” على الرغم من أنه كان عادلاً إلا أنه أحب ابنته فاغتصبها، ومن ثم انتحرت الفتاة وتم وضعها فى تابوت مطلي بالذهب على هيئة بقرة ومن ثم يقول هيرودوت أنه رأى ذلك التابوت ( على هيئة تمثال) بنفسه بداخل القصر الملكي فى مدينة “سايس”!

والحديث فى ذلك الأمر تحديداً يطول فنجده يذكر أن ملكاً أخراً قد سرق من كنوزه ولم يعرف السارق، ولحل اللغز أمر إبنته أن تتوجه لماخور وتطلب من مريديه أن من يقص منهم عليها أغرب الأعمال الشجاعة سوف ينالها، وبالفعل تتعرف الإبنة على السارق الذى يستطيع الهرب من الحراس وهنا يعجب الملك بشجاعته ويزوجه إبنته!

مع تكرار تلك الأمور والروايات وغيرها نجد أن لدى هيرودوت هوساً من نوع ما بتلك القصصة والحبكات الخيالية بل أننا نجده فى موضع آخر يستعجب أن المصريون ياكلون فى الطرقات ويتغوطون فى المنازل فمما عهد هو أن العكس ما يحدث فى المجتمعات الأخرى.

 

أبو الأكاذيب

بناء على ما تقدم وغيره الكثير ليس فى حديثه عن مصر فقط ولكن فى كتبه جمعاء ،اتهمه الكثيرون بالسرقة والانتحال والكذب وعلى رأسهم من القدماء بلوتارخ المؤرخ الشهير، ومعه “ثيوسيديدس”، أما حديثا فانتقده كثيرون على رأسهم ” أرشيبالد هنرى سايس” المتخصص فى تاريخ الأشوريين لما رواه هيرودوت من مغالطات عن بلاد ما بين النهرين.

أرشيبالد هنرى سايس، أشهر من إنتقدوا هيرودوت.
أرشيبالد هنرى سايس، أشهر من إنتقدوا هيرودوت.

وحقيقة الأمر أن تلك الإنتقادات ليست عشوائية ولا حتى إستنكارية ولكن ينفيها وبشكل قاطع الواقع الأثرى الحديث للبلدان التى زارها هيرودوت، فعلى سبيل المثال نجد وبشكل قاطع أن أهرامات مصر بنيت كمشروع قومى نفذه عمال بأجر كريم لملك أحبوه وأرادوا خلوده والخلود معه ولا يوجد دليل على ذلك أعم وأشمل من قرية العمال بهضبة الجيزة ومقابرهم وكذلك برديات وادى الجرف، وفى نهاية الأمر عند حديث هيرودوت عن أهرامات الجيزة نجده يصف كل ما رآه هناك ويغفل أثرا لا تغله العين أبدا وهو تمثال أبو الهول، وصف هيرودوت الأهرامات ولم يذكر أبو الهول بكلمة واحدة مما شكك الكثيرين فى زيارته لمصر من الأساس.

بلو تارخ الذى وصف هيرودوت بالخبث وانتقده.
بلو تارخ الذى وصف هيرودوت بالخبث وانتقده.

أما عن الممارسات المشينة فلم تكن شائعة بين العامة أو مما يذكر، والملوك وأسرهم صبغة إلهية فى مصر القديمة فكيف لهن أن يختلطن بالعامة فضلاً عن أن يفعلن ما ذكر “هيرودوت” أبو الأكاذيب الذى لم يتورع عن بث أكاذيبه على مدار تسعة كتب كاملة يزعم رؤيته ما لا يصدقه عقل فى كافة البلدان.

وعلى الرغم من ذلك فى النهاية لا يسعنى سوى أن أقول أن ما كتبه هيرودوت كله يم يكن بهذه الشناعة فهناك ما دونه من أخبار كانت صحيحة إلى حد ما مثل التحنيط وطقوس الجنازة وإحترام الموتى وذكره للهيروغليفية والديموطيقية، إلا أن ذلك لم يكفى لرأب الصدع الذى تركه الشق الأكبر الخاطىء المخرف مما كتب.