الهرم المفقود الذي تم هدمه وتسويته بالأرض في عصر محمد علي باشا
الهرم المفقود الذي تم هدمه وتسويته بالأرض في عصر محمد علي باشا

في منطقة أبو رواش والتي تقع عي الضفة الغربية من نهر النيل كجزء من جبانة مدينة منف العريقة يقع هرم طواه النسيان, وهو الهرم الذي نعرف الآن أن من شيده هو الملك “جدف رع” ثالث ملوك الأسرة الرابعة وإبن الملك “خوفو”, وإن قمت بزيارة الموقع فلن تجد سوي أطلال لا توحي بانها كانت هرماً في يوم من الأيام, فما قصة ذلك الهرم ولم تحول إلى أطلال؟

شمس الأهرامات المصرية

تمكن المصريون مع تولي الملك “سنفرو” عرش مصر من الوصول للإجادة التامة في بناء الأهرامات فمنذ ظهور أول بناء يمكن أن نطلق عليه هرم – وهو الهرم المدرج بسقارة- إستمر بناء الأهرامات في مصر القديمة حتي كان تولي عرش مصر الملك سنفرو أول ملوك الأسرة الرابعة والذي قام ببناء هرمين في صحراء دهشور , كان أخرهما هو الهرم الأحمر والذي كان أول هرم كامل حقيقي في تاريخ مصر.

ومع عصر سنفرو أشرق فجر الأهرامات المصرية الذي سيستمر ما يقرب من ألف عام وحتي عصر الملك أحمس قاهر الهكسوس, وقد كان هرم سنفرو الأحمر كما ذكرنا هو أول هرم كامل وكذلك فكان مخططه هو أساس بناء هرم “خوفو” في هضبة الجيزة والذي أصبح أكبر هرم مصري وأكبر هرم في العالم, وكان من المنطقي أن يلي عرش خوفو ملوكاً سيشيدوا أهرامات بدورهم , وهي بلا شك الأشهر في العالم علي الإطلاق وهم هرمي الملك “خفرع” و “منكاورع” ولكن من العجيب أن خليفة الملك “خوفو” علي العرش لم يكن “خفرع”, بل أن خفرع كان ثاني ملك يحكم بعد خوفو وثالث ولي عهد له, فمن حكم بعد خوفو إذن؟ ومن كانوا أولياء عهده؟

كا-وعب: خليفة خوفو

الأمير كا وعب
الأمير كا وعب

كان أكبر أبناء الملك “خوفو” أميراً يدعي “كا-وعب” وهو إبنه من الملكة “ميريت ايت-اس”, وقد حمل ذلك الأمير ألقاباً دلت علي أهميته في قصر أبيه “خوفو” فقد كان وزيراً – بمثابة رئيس وزراء حالياً- أبن الملك, إبن الملك من صلبه, وأهم لقب الذي حسم بنوته للملك “خوفو” بل وترتيبه بين الأبناء وهو ” سا نسوت إن غت إف سمسو” ويعني إبن الملك الأكبر من صلبه, وقد شملت مقبرته علي منظر له أمام الملكة “ميرين إيت إس ” أمه والنص الملاحق للمنظر يذكر أن الملكة أمه, التي أنجبته لخوفو, وهو ما يحسم نسب ذلك الأمير بشكل كبير, وتركيزنا علي ذلك النسب سيتضح لاحقاً مع تكشف أسرار تلك الفترة.

وقد تزوج “كا-وعب” من الأميرة “حتب حرس الثانية” شقيقته وأنجبا سويا أبناء كان أهمهم الأميرة “مر-س عنخ الثالثة”.

كا-وعب الأمير الذهبي

وقد بلغ  الأمير “كا-وعب” شانا كبيراً حتي بعد وفاته ففي الأسرة التاسعة عشر وفي عصر الملك “رمسيس الثاني” وبعد أكثر من الف وثلاثمائة عام علي وفاته نجد نصاً من عصر الملك “رمسيس الثاني” يذكر ذلك الأمير.

وقد كان ذلك النص نتيجة جهودات الأمير “خع-إم واست” إبن رمسيس الثاني الذي تولي مهمة ترميم آثار الملوك السابقين وإنتشالها من الرمال وتجديدها بما يليق بهؤلاء الملوك العظام.

كبير كهنة بتاح, كاهن سم (رتبة كهنوتية في منف) “خع-إم واست” إبن الملك الذي كان سعيداً بهذا التمثال للأمير إبن الملك “كا-وعب”, قام بإنتشاله من الحطام … أبيه “خوفو” ملك مصر العليا والسفلي …. أمر “خع-إم واست” – بمنحه- مكاناً في معية الآلهة … فقد أحب الآثار والنبلاء الذين سبقوه وكل أعمالهم الطيبة …. بعدما إستعاد طقوس إحياء ذكراهم في ذلك المعبد الذي وقع في غياهيب النسيان, وحفر بحيرة أمام مقصورة النبيل كما يرغب …”

هذا النص يعكس أهمية ذلك الأمير وكذلك مكانته التي إستمرت لآلاف السنين بعد وفاته مما إستدعي الأمير “خع إم واست” ليس إنتشال التمثال فحسب بل وإعادة إحياء طقوس إحياء ذكري هؤلاء الأسلاف العظام وعلي رأسهم الأمير “كا-وعب”.

تمثال-الأمير-كا-وعب
تمثال-الأمير-كا-وعب

وإلى هنا يمكننا أن نلخص الأمبر في أن كاوعب كان إبن خوفو الأكبر, تزوج من شقيقته وأنجب إبنة واحدة علي الأقل منها, وعلي ما يبدو فقد توفي ذلك الأمير في حياة أبيه “خوفو” مما إستدعي تجهيز أمير آخر ليتولي عرش مصر بعد “خوفو”.

الملك جدف-رع

الملك جدف رع
جدف رع

بعد وفاة الأمير “كا-وعب” يظهر علي الساحة أميراً آخر من أبناء الملك “خوفو” وهو الأمير “جدف رع” والذي لم يتم تحديد هوية أمه ومن كانت بين ملكات الملك خوفو, وعلي أية حال فنجد أن الملك “جدف-رع” قد تولي العرش بعد الملك “خوفو” مباشرة, وبعدها نجده يترك هضبة الجيزة ويتوجه إلى منطقة أبو رواش ليشيد هرمه هناك, وقد سبب توجه الملك في معضلة لعلم المصريات حتي فترة قريبة, فقد كانت التفسيرات القديمة لذلك الأمر تتلخص في أن “جدف رع” قام بقتل أخيه الأمير “كاوعب” وتزوج أرملته” حتب حرس الثانية”, ومن ثم إتجه إلي أبو رواش وشرع في تشييد هرمه هناك, إلا أن تلك الخطة لم تكلل بالنجاح فلم يكتمل الهرم ومن ثم إستعاد النظام الملك “خفرع” شقيقه الأصغر وعاد مرة أخري إلى هضبة الجيزة ليشيد هرمه هناك ليذهب “جدف رع” إلى النسيان بين صفحات كتاب التاريخ, وعلي الرغم من إتساق ذلك التفسير مع معطيات بدايات القرن العشرين إلا أن ذلك التفسير لم يعد مقبولاً اليوم بعدما ظهرت أدلة تنفيه بل تنزعه من جذوره نزعاً سنعود إليها في الفقرات القادمة.

أبو رواش:الهرم الرابع

لم يكن إختيار “أبو رواش” ليبني فيها الملك “جدف رع” هرمه غريباً, فالعاصمة في ذلك الوقت كانت مدينة “منف” العريقة والتي يقابلها علي البر الغربي أماكن دفن ملوك تلك الفترة وهي جبانة منف التي تمتد أكثر من ثلاثين كيلومتراً من أبو رواش شمالاً وحتي ميدوم جنوباً, وإن كان إختيار “أبو رواش” تحديداً في الجبانة ليس معروفاً ولكنه حدث من قبل عندما بني جده الملك “سنفرو” أول أهراماته في “ميدوم” ثم توجه إلى “دهشور” وبعدها توجه الملك “خوفو” إلى هضبة الجيزة.

أطلال هرم جدف رع

وقد كانت النظرية الكلاسيكية لتفسير ذلك الإختيار هي المؤامرة, فقد أسفرت الحفائر وقتها عن أطلال هرم, وتمثايل مهشمة للملك موزعة بين متاحف العالم علي رأسها المتحف المصري واللوفر, وتنوعت تفسيرات ذلك الهرم ما بين أنه كان هرماً للملك أو أنه كان معبداً للشمس, وتوالت الأبحاث والبعثات حتي تم حسم الأمر بشكل كبير وأن ذلك الهرم كان أكبر من هرم “من كاورع” بقليل وأنه كان ثالث أكبر أهرامات أسرة الملك “خوفو”.

بدأ دمار – الهرم- علي الأقل في عصر الدولة الحديثة وكان مركزاً في العصور الرومانية والعصور المسيحية المبكرة, عندما تم بناء دير مسيحي في وادي القرين القريب من الموقع, وعلاوة علي ذلك تم إثبات أنه بنهاية القرن التاسع عشر كانت الأحجار يتم تفكيكها من أطلال الهرم بمعدل حمولة ثلاثمائة جمل يومياً

ذلك الإقتباس كان من كتابات عالم الآثار “ميروسلاف فيرنر” الذي ذكر تاريخ تدمير ذلك الهرم وسبب أنه تم تسويته بالأرض, فقد كانت تلك المنطقة مأهولة بالسكان يحدها أماكن قريبة تحتاج إلى حجارة, ومنذ العصور الرومانية مروراً بالفترة العربية وحتي القرن التاسع عشر كان نشاط التحجير وهدم الآثار المصرية يتم بشكل موسع فكانت الآثار تهدم والأهرامات تدمر ويتم وضع حجارتها للبيع في الأسواق وهو ما يفسر وجود العديد من العناصر المعمارية المصرية القديمة في العديد من الآثار الإسلامية في مصر وكذلك حتي الأديرة والكنائس.

جدف رع: ملك شرعي أم مغتصب للعرش؟

ظل ذلك السؤال يؤرق العلماء لعقود طويلة من الزمن, فعلي سبيل المثال نجد أن لص الآثار المدمر الشهير “بيررنج” قد زار منطقة أبو رواش حوالي عام 1839 وقدم تقريراً لحالة الهرم الذي كان أفضل مما هو عليه الآن وهو ما يعكس أن عملية إقتطاع حجارته قد كانت مستمرة في أثناء عصر محمد علي باشا , ومن ثم زاره “بتري” و”لبسيوس” ولكن لم تتم أعمال حفائر هناك حتي كانت بداية القرن العشرون مع قدوم “إميل شاسيناه” و”بيير لاكو”, وقد كانت تلك الزيارة فارقة حيث قام شاسيناه بصياغة نظرية أن ذلك الهرم قد تم هدمه عن عمد بعد التخلص من الملك “جدف رع” وساعده علي فرض تلك النظرية عثوره علي تماثيل مهشمة للملك وكذلك تحديده لأفراد من عائلته مثل الأمير “ست-كا” إبنه الأكبر.

ألأمير ست كا

وبقيت نظرية شاسيناه متداولة لفترة طويلة من الزمن حتي كانت أخبرتنا الكشوف الأثرية بعكس ذلك, فمع الكشف عن مقبرة الأميرة “مرس-عنخ الثالثة” في هضبة الجيزة عام 11927 علي يد بعثة هافارد بقيادة “جورج رايزنر” – وهي إبنة الأمير كا-وعب- فنجد أنها قامت بذكر عمها الملك “جدف رع” علي جدران مقبرتها ولم تغفله بإعتباره مغتصب, ومما يؤكد ذلك أن الأميرة “مرس-عنخ” قد عاشت لما بعد وفاة “جدف رع” بل وتزوجت من الملك “خفرع” عمها, والإثنان مرس عنخ وخفرع طبقاً لنظرية شاسيناه من أكثر المتضررين من فعلة “جدف رع” فكيف تذكره علي جدران مقبرتها؟

الأمير كا وعب وخراطيش الملك جدف رع

يضاف علي ذلك الكشف عن مراكب الملك “خوفو”  عام 1954 علي يد عالم الآثار المصري “محمد زكي نور” , وقد كشفت حفر المراكب عن خراطيش الملك “جدف رع” مما يعني أنه من أشرف علي دفن الملك “خوفو” أبيه, بل أن هناك بعض الأحجار التي تم وضعها في حياة “خوفو” في أثناء مشروع بناء الهرم الأكبر تذكر الأمير “جدف رع” بصفته أمير.

وقد كانت تلك الأدلة شبه حاسمة لتأكيد عدم وجود مؤامرة من أى نوع وأن تولي الملك “جدف رع” العرش كان سلساً لا تشوبه أى مؤامرات علي ما يبدو, إلا أنه من الواضح أن فترة حكم “جدف رع” لم تمتد طويلاً فهرمه لم يكتمل وإن كانت الادلة الأثرية تشير إلى أنه كان سيصبح واحداً من أجمل أهرامات تلك الفترة بسبب العناية الفائقة في صقل أحجاره وكذلك جلب كميات كبيرة من الجرانيت المصقول من أسوان, ومع ذلك لم ينتهي غموض فترة الملك “جدف رع” فمع العثور علي تمثال لإبنه الأكبر “ست كا” ذهب عالم مصريات كبير بحجم “إيدان دودسون” لإفتراض أن “ست كا” قد حكم بعد أبيه لفترة قليلة جداً, وأن سلالة جدف رع قد إستمرت علي العرش, وقد إفترض أيضاً أن الهرم الغير مكتمل والواقع بمنطقة “زاوية العريان” يخص ذلك الأمير بعدما أصبح ملكاً ولم يغير إسمه بعد توليه العرش.

ويستند دودسون إلى بعض الأدلة الظرفية بالإضافة إلى وجود إسم لملك متعلق بهذا الهرم الغير مكتمل ولكن نقرأ فقك جزء من إسمه وهو “كا” مما جعل “دودسون” يفترض أنه هو نفسه “ست كا”, إلا أن ذلك الإفتراض لا يلقي قبولاً لدي علماء آخرين نظراً لوجود ادلة أقوى تشير لجدف رع وهو “باكا” وأن الهرم كان له وهو امير وليس ملك, , ويرجع سبب تضارب تلك الفرضيات أن منطقة زاوية العراين لم يتم فيها أعمال حفائر منذ عام 1964 بعدد إعلان المنطقة عسكرية محظورة وتوقف أعمال الحفائر بها.