الزواج في مصر القديمة: هل تزوج الملوك أخواتهم؟
الزواج في مصر القديمة_ هي تزوج الملوك أخواتهم؟

زواج الإخوة يبدو مصطلح صادم لا يتقبله الإنسان الحالي في عصرنا الحديث وذلك نظراً لما مرت به البشرية من تطور في منظومة المجتمع ونظرته لأفراده وعلاقاتهم ببعضهم البعض، كذلك فالدين وتشريعاته يشكلان جزء كبير من عادات الفرد وروابط المجتمع ووعيه الجمعي باختلاف العقائد حول العالم والذين اتفقوا – رغم اختلافاتهم الأيدولوجية والدينية- أن زواج الإخوة شيء مرفوض، ولكن ماذا عن العالم القديم؟ ماذا كانوا يعتقدون؟ وكيف رأوا العالم؟ وهل يمكن الحكم عليهم بمقاييس عصرنا الحديث؟ هذا هو ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

الزواج في مصر القديمة

كان الزواج في مصر القديمة كما هو الحال في العصر الحديث رباط مقدس يجمع ما بين شخصان ارتضيا العيش سوياً لبقية حياتهم, وقد تعددت أشكال وأنماط الزواج في مصر القديمة علي مر العصور , وقد شجع المصريون القدماء بشكل عام علي الزواج المبكر لسرعة تكوين أسرة وتأسيسها وإنجاب الأطفال في سن مبكرة, ويرجع ذلك -بالإضافة إلى الثقافة الأسرية المنتشرة في ذلك الوقت-  لأن متوسط الأعمار في مصر القديمة كان أقل مما هو عليه الآن في عصرنا الحديث, فمتوسط عمر الإنسان في مصر القديمة لم يكن يتجاوز الأربعون عاماً بالنسبة للأفراد العاديين, ويزداد هذا المعدل مع الطبقات المرفهة والنبلاء حتي يصل إلى أعلي معدلاته مع الملوك وسكان القصر الملكي الذين كان متوسط أعمارهم 60-65 عاماً, أي أن ما يمكن ان نطلق عليه منتصف العمر الآن كان لربما نهاية عمر أحدهم في مصر القديمة.

القزم سنب وعائلته
القزم سنب وعائلته

كذلك الإنجاب المبكر كان له أسبابه أيضاً فطفل واحد من بين عشرة أطفال في مصر القديمة كان يصل إلى سن البلوغ ويتوفي الباقيين في تلك السن الصغيرة, ويرجع ذلك لقلة المعرفة والرعاية الطبية التي نتمتع بها الآن, والعجيب في الأمر أنه كما كان الخبز هو الطعام الشعبي في مصر القديمة فكان هو سبب وفيات الأغلبية الساحقة بسبب عدوي الأسنان والتي كان مسبباً رئيسياً للموت وقتها مع عدم وجود علاج فعال آنذاك.

وقد كان إنجاب الأطفال شيئاً مهماً في مصر القديمة, خاصة الذكور الذين رغب آبائهم – باختلاف طبقاتهم- أن يرثهم هؤلاء الأبناء.

أي بني, طهر قلبك وراقب نفسك وأفعالك, لا تنتظر أن يراقبك الآخرون

وحينا تكبر أسس لنفسك بيتاً, اتخذ زوجة تصير ملكة لقلبك

تلد لك إبناً, ومن أجل ذلك الابن فقد أسست بيتك ليكبر بين جنباته ويرثه

من تعاليم الأمير “جدف حور” ابن الملك “خوفو”

 

أخي وأختي

من الكلمات الدالة علي المرأة في مصر القديمة كانت كلمة “ست” وتعني سيدة, أما الرجل فكان “سي” وتعني رجل, وهي الألفاظ التي لا تزال متداولة بمنطوقها في مصر حالياً, أما كلمة زوجة فكانت “حمت” واتخاذ زوجة كان “إير حمت” والزوج “حم”, ومما تكرر في كل نصوص المخاطبة بين الرجال والنساء في مصر القديمة هو لفظ “سن” و “سنت” وتعني أخ وأخت, فكانت المرأة تنادي زوجها أو حبيبها “سن” أخ والرجل بالمثل يناديها “سنت” أخت, وهو ما لا يزال أيضاً متداولاً في مصر الحديثة الآن, ولكن هل كان ذلك يعني أنهم إخوة بالفعل؟

زواج الآلهة

كانت معظم العادات والتقاليد المتبعة في مصر القديمة تستند علي شيئان, الأول الاقتداء بعالم الآلهة واوامرهم والثاني هو ما يطلق عليه المجتمع المصري حديثاً “الأصول” والتي كانت في مصر القديمة هي الإلهة “ماعت” والتي ترمز للعدل والحق والانتظام الكوني, وهي مجموعة من الأشياء قرر المصريون القدماء جمعياً نبذها واستنكار فعلها فيما عرف باسم ” نصوص الاعتراف الإنكاري” والتي فيها ينكر المتوفي ذنوباً معينة ليتمكن من نيل الخلود في العالم الآخر, أى أننا يمكن أن نلخص دوافع المصري القديم في العنصر الديني المتمثل في آلهته وعقيدته القديمة.

شهد عالم الآلهة العديد من الأمثلة علي الزواج بين الإخوة من الآلهة وإن كان أشهرها زواج الإله “اوزير” او “أوزوريس” من أخته “آست” أو “إيزيس”, واللذان مع إبنهما حورس كانا أشهر عائلة إرتبطت بها قلوب المصريين طوال تاريخهم,  وقد كانت تلك القصة جزئاً من نظرية الخلق لمدينة “اون” القديمة “عين شمس والمطرية حالياً” والتي بدأ فيها الخلق عن طريق الإله “أتوم” الذي خلق نفسه بنفسه ومن ثم خلق الإلهين” شو وتفنوت (الرياح والرطوبة) , وهما إخوة ذكراً وأنثي, اللذان تزوجا بدورهما وأنجبا توأم وهم الإله “جب” الأرض, والإله “نوت” السماء.

الإله شو يفصل الأرض والسماء
الإله شو يفصل الأرض والسماء

وقد كانا توأما ملتصقاً حتي فصلهما أبوهما الإله “شو” عن بعضهما البعض لتتكون السماء والأرض, وقد أنجب “جب” و”نوت” أربعة أبناء هم “أوزير, آست, ستش, نب حت (أوزوريس, إيزيس, ست, نفتيس) , وقد كان أوزير هو الإلن الأكبر للإله جب وقد ولاه أبوه عرش مصر ليصبح أول ملك لمصر كما رأي المصريون, وقد تزوج “أوزوريس” من أخته “إيزيس” بينما تزوج “ست” من أخته نفتيس, وتمضي القصة المعرفة بمكيدة “ست” لأخاه “أوزوريس” وتمكنه من قتله ومن ثم ظهور الإله “حورس” علي مسرح الأحداث والذي يستطيع أن يحسم الأمور لصالحه ويستعيد عرش أباه, وقد كانت لتلك القصة مردوداً كبيراً في مصر القديمة بداية من القصر الملكي وحتي عامة الشعب الذين إحتذوا بها في جوانب عدة آملين في حياة أبدية هانئة بعدما أصبح “أوزوريس” هو القاضي الذي يحاكم أمامه الموتي ليدخلوا جنات النعيم إن كانوا من الصالحين في حياتهم.

ايزيس واوزوريس وإبنهما حورس
ايزيس واوزوريس وإبنهما حورس

 

تعال نحو بيتك . تعال الى بيتك
أنت يا من لا اعداء له
أيها الشاب الجميل الطلعة , تعال الى بيتك لكى ترانى
فأنا اختك التى تحبها , لا تفترق عنى ابدا
ايها الشاب بهى الطلعة , تعال الى بيتك
انا لا أراك – ومع ذلك – قلبى يتمزق للقياك
وعيونى تبحث عنك, ما أروع ان أتأملك
تعال الى حبيبتك التى تحبك ايها الكيان الجميل (ون نفر)
تعال الى جانبك أختك, تعال الى جانب زوجتك
أنت يا من توقف قلبه عن الخفقان
تعال الى ربة بيتك, أنا أختك وامنا واحدة
لا تبتعد عنى, الالهة والبشر يلتفون حولك
وكلهم يبكونك مثلى , والدمع الساخن ينهمر من عينى
انى اناديك, ويرج صراخى اجواء السماء
ولكنك لا تسمع صوتى
إننى اختك التى احببتها فوق الارض
فأنت لم تحب امرأة سواى
أى اخى .. أى اخى ..
مرثية إيزيس لزوجها أوزوريس, بردية برلين 3008

زواج الإخوة في القصر الملكي

نظراً للتأثير الهائل الذي تركته أسطورة إيزيس وأوزوريس في نفوس المصريين ونظراً للقدسية الدينية التي كان يتمتع بها ملوك مصر القديمة فنجد أن الملوك قد أقدموا علي الزواج بأخواتهم أولا للحفاظ علي الدم الملكي , وثانياً الإقتداء بعالم الآلهة, علي أن مصطلح تسمية السلالات الحاكمة في مصر بالأسرات هو مصطلح خادع نوعاً ما, فكلمة أسرات ماهي إلا ترجمة لكلمة Dynasties والتي تعني سلالات, وذلك لان مؤرخي العالم القديم أعتمدوا تلك التسمية منذ فترة بعيدة حتي أصبحت عرفاً شائعاً ولم تكن مصر القديمة باستثناء عن تلك التسمية.

الملك خوفو
الملك خوفو

ولكننا عيل جانب آخر نجد أن ملوك مصر لم يربطهم جميعهم صلات دم أو نسل ثابت طوال عصور , بل أن حتي الإنتقال بين الاسرات في بعض الأحيان غير مفهوم رابط الأسرة الحاكمة بمن سبقها, بل أنه في بعض الحالات لا توجد نقطة نهاية يمكننا تحديد حدث ما يمثل نهاية أسرة بعينها أو بداية أخري, فعلي سبيل المثال لا يوجد رابط ما بين الملك “سنفرو” أول ملوك الأسرة الرابعة والملك “حوني” آخر ملوك الأسرة الثالثة لدينا سوي أنه تزوج من إبنته الاميرة” حتب حر اس الأولي” والتي أصبحت أم الملك “خوفو”, كما أنه لا يوجد لدينا نقطة محورية يمكن أن نفسر منها نهاية الأسرة الثالثة وبداية الرابعة, ولكن علي أية حال مع تداول تلك التقسميات القديمة لفترة طويلة من الزمن فقد تم ترسيخها هي وتسمية “أسرات” طبقاً للتقسيم المنسوب للكاهن المصري “مانيتون” الذي عاش في العصر البطلمي.

وكما ذكرنا فإن زواج الإخوة كان شائعاً بين الطبقة الحاكمة في مصر القديمة, ولكنه لم يكن مطلقاً ولم يكن ثابتاً طوال العصور المصرية القديمة, فالنوع الشائع من ذلك الزواج كان زواج الملك باخته غير الشقيقة , فعلي سبيل المثال نجد أن الملك “خوفو” قد تزوج من الملكة “ميريت إيت اس” والتي كانت أختاً غير شقيقة له , ومعها ملكة اخري وهي “حنوت سن” والتي من المؤكد أنها لم تكن أخته من أبويه وأغلب الظن أنها كانت أختا غير شقيقة بدورها, وهو الحذو الذي كان نمطاً متكرراً بين الأسرات المالكة في مصر القديمة, ولكنه لم يكن الوحيد, فنجد أنماطاً أخري للزواج مثل الزواج بين الملوك والعامة, فعلي سبيل المثال نجد أن الملك “رمسيس الثاني” قد تزوج فتاتان من النبلاء من غير الدم الملكي وهن “نفرتاري” و”آست نفرت”.

كذلك نجد الملك امنحتب الثالث الذي تزوج الملكة “تي” والتي كانت إبنة لنبيلان من أخميم ولم تكن من ذات دم ملكي هي الأخري وأصبحت أم ولي العهد “إخناتون” الذي خلف والده “امنحتب الثالث” علي عرش مصر, وعلي الرغم من وجود زوجة ملكية “رئيسية” للملك فإن ذلك لم يمنع من وجود زوجات أخري ثانوية بل ومحظيات تملأ أرجاء القصر الملكي والحريم.

زواج الملك بإبنته

من أشهر القضايا إثارة للجدل في مصر القديمة في موضوع الزواج هي تلك الزيجات المقترحة ما بين ملوك بعينهم وبناتهم, فعلي سبيل المثال لدينا الملك “أمنحتب الثالث”, “امنحتب الرابع (إخناتون)”, وكذلك “رمسيس الثاني”, وكلهم ملوكاً كتبت بعض المصادر زواجهم ببناتهم.

علي أن ما تذكره الآثار يبدو مغايراً بل ومخادعاً بعض الشيء, فنجد أن تلك النساء جميعاً قد حملن لقب “حمت نسوت ورت” ويعني الزوجة الملكية العظمي , وهو اللقب الذي تم إقتراح إتمام هذا الزواج علي أساسه.

ولكن في مصر القديمة كان ذلك اللقب له مهام أخري باستثناء كون حاملته زوجة الملك وأم ولي العهد في معظم الأحيان, ولكنه كان لقباً له مكانته الدينية والسياسية في مصر القديمة, فكانت تشارك حاملته في بعض الطقوس جوار الملك وتشارك في القضايا السياسية والمراسلات الدولية أيضاً, أى أنه منصب كان لا بد من وجوده يشغره في معظم الأحيان حتي وإن كان اللقب شرفياً.

ميريت آمون إبنة رمسيس ونفرتاري
ميريت آمون إبنة رمسيس ونفرتاري

وهو ما نجد واضحاً في عصر الملك “رمسيس الثاني” عندما توفت أمه الملكة “تويا” وكذلك زوجته “نفرتاري” فنجد أنه قام بمنح لقب الزوجة الملكية العظمي لإبنتيه “ميريت آمون” وكذلك “بنت عنات” في نفس الوقت ومن ثم تبعتهما في حمل ذلك اللقب الأميرة “نبت تاوي” , ومما يثير الشك في كون هذا زواجاً فعلياً هو عدم وجود أدلة حاسمة علي ابناء نتجت عن ذلك الزواج المزعوم, وهو نفس الأمر الذي تكرر مع الأميرة “سات آمون” التي حملت اللقب في عصر والدها “امنحتب الثالث” وينطبق نفس الأمر علي “إخناتون” وإثنان من بناته, وبغض النظر عن حدوث ذلك الأمر من عدمه فإن ذلك لن يغير من حقائق تلك الفترة التاريخية سواء سلباً أو إيجاباً ببساطة لعدم وجود أى موانع دينية أو إجتماعية واضحة لتلك الزيجات في ذلك الوقت.

سات آمون إبنة أمنحتب الثالث
سات آمون إبنة أمنحتب الثالث

والغريب في الأمر إختلاف تلك العادات بشكل كامل بين عامة الشعب وإختفاء تلك الانواع من الزواج .. ولهذا حديث آخر.