التخطي إلى المحتوى

الواحات هي جمع كلمة “واحة” وتعبر عن منخفض في الصحراء يحوي بين جنباته مياه وأشجار, وفي مصر يوجد عدد غير قليل منها في صحراء سينا والصحراء الشرقية, بينما العدد الأكبر بالصحراء الغربية.

تتباين الواحات ما بين واحات لا يسكنها أحد مثل ” الأعرج”, “مسترة”, “البحرين” وغيرها, وما بين الواحات الأشهر والمأخولة بالسكان مثل الواحات البحرية وسيوة.

أصل كلمة واحة

كلمة “واحة” , “واحات” لها أصل مصري قديم وهو: وحات والتي ذكرت في العديد من المناسبات والآثار المصرية وكانت الواحات المأهولة بالسكان في مصر القديمة لها موظف مصري – محافظ- يحكمها ولقبه حاكم الواحة, وقد أطلق المصريون القدماء لفظ “وحات” علي سبع واحات وهي: الخارجة والداخلة والفرافرة, البحرية, سيوة, وادي النطرون وكذلك واحة أخري لربما هي الآن “الحيز”.

وفي العصر الحديث فالواحات المعروفة لنا في الصحراء الغربية خمسة وهم: الخارجة والداخلة والفرافرة والبحرية وسيوة, وتلك الواحات بها آثار ممتدة من العصور المصرية القديمة.

من هم سكان الواحات؟

منذ العصور المصرية القديمة وسكان الواحات مصريو الإدارة والديانة وإن كانت لهم بعض العادات والتقاليد الخاصة بهم بحكم الموقع الجغرافي كعادة المناطق المختلفة بمصر, وسكان الواحات الآن علي الأرجح خليط من سكانها الأصليين بالإضافة إلى بدو الصحراء الغربية وكذلك القادمون من وادي النيل, وعلي الرغم من أنهم يتحدثون العربية وجميعهم يدينون بالإسلام إلا أن لهم لهجات تختلف عن لهجات وادي النيل, ومن المثير للإهتمام ان الواحات لم يتبق منها عائلات مسيحية معروفة الآن علي الرغم من المسيحية كانت منتشرة في الواحات التي كان بها أكثر من أسقف حتي القرن الرابع الميلادي وبعددخول الإسلام وتدريجياً تحول أهل الواحات جميعاً إلى الإسلام ولم يتبق عائلات مسيحية تذكر.

سكان الواحات
سكان الواحات

يخرج من ذلك التصنيف السابق سكان واحة “سيوة” الذين لديهم طابع خاص جداً, فسكانها خليط من الأصليين وبدو الصحراء الغربية ولغتهم هي السيوية البربرية الأصل, كما أن بتلك الواحة تواجد للبشرة السوداء الأفريقية مع إختلاط سكانها بالدم الأفريقي, ومنذ عام 1959 بدأت في الواحات مشروع واسع النطاق لحفر آبار وإستصلاح أراضي للزراعة وقد تم توزيع تلك الأراضي بين أهل الواحات والمهاجرين من الوادي وهو المشروع الذي عرف باسم الوادي الجديد ويشمل الداخلة والخارجة والفرافرة.

تاريخ الواحات البحرية

وهي أحدي واحات الصحراء الغربية الخمس والتي كان يطلق عليها القدماء المصريون “زسرس” وأحياناً الواحات الشمالية والتي تحولت إلى البحرية في العصر الحديث, وقد أشار العرب في كتاباتهم لها ب “واح البهنسا”, وذلك لان تلك البلدة – البهنسا- كانت علي رأس الطريق الرئيسي المؤدي للواحات من وادي النيل, وبجانب ذلك الطرق توجد طرق اخري مؤدية لها عبر الصحراء مثل الفرافرة وسيوة ومريوط والفيوم.

وقد ورد إسم تلك الواحة في نصوص الدولة الوسطي -حوالي 2040 – 1782 ق.م-  وتوجد بها مقبرة من الدولة الحديثة – حوالي 1539–1075 ق.م- وهي لحاكم تلك الواحة الذي كان يدعي “امنحتب” والذي كان من أهلها وحكمها في الفترة من نهاية الأسرة الثامنة عشر وبداية التاسعة عشر.

إلا أن نقطة التحول لتلك الواحة كان في عصر الأسرة السادسة والعشرين عندما حعل منها الملك “واح إيب رع” او ابريس – Apries حصنا للدفاع عن وادي النيل, ووقتها أمر بالتوسع في حفر الآبار وزراعة الأراضي التي ستخدم بدورها السكان والحاميات, وكذلك تم تشييد معابد كبيرة لا تزال أطلالها موجودة حتي الآن مثل التي في جهة القصر وكذلك المفتلا, ونتيجة لذلك تم تشييد جبانات وأماكن للدفن للحكام والكهنة عثر عليى العديد من المقابر الملونة بها مثل الباويطي, وكذلك دفنات طائر أبو منجل المقدس catacombs في الفرارجي ذلك بالإضافة إلى معبد الإسكندر الموجود بمنطقة التبانية.

الملك واح إيب رع "إبريس"
الملك واح إيب رع “إبريس”

إستمر إزدهار المنطقة في العصور الرومانية فتم العثور علي حصون وأطلال قري وكذلك مقابر مثل الموجودة بمنديشة والعجوز والحارة, والفترة المسيحية تركت لنا أيضاً العديد من الآثار مثل كنيسة الحيز التي تبعد بحوالي خمسة واربعين كيلومتراً عن الباويطي وتعود للقرن الخامس الميلادي.

وفي العصور الوسطي سادت تلك المنطقة الإهمال باستثناء كتابات بعض الرحالة العرب التي ذكرت أن تلك المنطقة كانت في طريق الحج للقادمين من ليبيا والمغرب, والذين كانوا – وياللغرابة- يربطون ما بين إتمام طقوس الحج وزيارة أهرامت الجيزة بمصر في طريق العودة

 

الواحات الخارجة

وهي أهم الواحات في العصور القديمة وتسمي أيضا واحة “طيبة”, وكانت مدينة الخارجة تسمي في العصور المصرية القديمة “هبت” وتعني المحراث والتي تحولت في اليونانية إلى “هيبس” وفي العصور الإسلامية تم تسميتها مدينة الميمون بالواحات الخارجة , وفيها تم العثور علي الكثير من الادوات المصنوعة من حجر الصوان التي تعود لعصور ما قبل التاريخ, بالإضافة إلى مخربشات علي الصخر تعود للفترة من ما قبل الاسرات والدولة القديمة خاصة الموجودة بجبل الطير ودرب الغباري الذي يصل بين الخارجة والداخلة.

وفي الدولة الوسطي عرفنا بوجود حملات من طيبة لأبيدوس للتفتيش علي الواحة, والتي ترك رؤؤساء تلك الحملات لوحات توثق ذلك, وفي العصور القديمة كانت الداخلة والخارجة نقطة إدارية واحدة تتبع أقليم ثني القديم – ابيدوس- وفي الدولة الحديثة ظهر حكام الواحات علي رأس وفود من كبارهم لتقديم الهدايا للملك المصري في الاعياد والإحتفالات, في إشارة لوقوع سلطان تلك المناطق البعيدة عن العاصمة في قبضة الملك وسلطته المركزية, مما يعني مصيرتها بالتبعية منذ أقدم العصور.

كانت الخارجة مرتبطة بوادي النيل من خلال طرق القوافل وأشهرها من ابيدوس وكذلك الأقصر وكان يمر بها در بالأربعين الذي كان يسمي درب الواحات ويربط مصر بدارفوي من أسيوط.

الواحات الخارجة شيد بها الكثير من المعابد وبها مناطق أثرية عديدة مثل معبد هيبس, الغويطي, النافورة, دوش وغيرهم , وكذلك بقايا الحصون العسكرية وتضم جبانة من أهم الجبانات المسيحية وهي البجوات والتي لا تزال هياكلها بحالة جيدة تصور مناظر من العهد القديم كخروج بنو اسرائيل وقصة آدم وحواء ونوح وإبراهيم وأسحق بالإضافة إلي بعض القديسين المسيحيين وتضم الجبانة كنيسة أثرية ويعود تاريخ تلك المنطقة بين القرن الرابع والثامن الميلادي.

إلا ان العصور التالية لم تأت بخير علي الخارجة فالعيون الآبار تم إهمالها مما تسبب في ردم الكثير منها في العصور الرومانية المتأخرة وبالتالي فقدت الكثير من رقعتها الزراعية.

الواحات الداخلة

وتبعد حوالي مائتي كيلومتر غرب الخارجة, وفي العصور المصرية القديمة أطلق عليها المصريون القدماء إسم “كنمت”, وتتصل تلك الواحة بطريقان هم عين أمور, والغباري, ومن وادي النيل يربطها طريق يخرج من بلدة بلاط إلى اسيوط.

وكما ذكرنا فإن الداخلة والخارجة كانا نقطة إدارية واحدة في العصور المصرية القديمة وعثر بها علي لوحات من الدولة الوسطي في امهدا, وكذلك من الدولة الحديثة في بلاط بالإضافة إلى معبد من الدولة الحديثة, ونحد النصوص المصرية القديمة تتغزل في جمال نبيذ تلك الواحة ووفرة عنبها المخصص للإله آمون رع سيد تلك المنطقة.

أما مناطق الداخلة الأثرية فهي بلاط, موط , بقايا معبد للإله “تحوت” لا يزال يقع تحت منازل السكان بالإضافة إلى معبد آخر يسمي دير الحجر

الفرافرة

أقل الواحات سكاناً وتقع بين البحرية والداخلية , أطلق عليها المصريون القدماء إسم “تا -احت” وتعني أرض البقرة, وفي الدولة الحديثة كانت بين المناطق التي يتم التعدين فيها وكذلك كانت محطة للهجوم الليبي القديم القادم من الغرب, وتلك الواحة بها قرية واحدة وهي “قصر الفرافرة”.

واحة سيوة ونبؤة الإسكندر

وهي اشهر الواحات المصرية وأثراها, كانت تسمي في العصور المصرية القديمة “واحة آمون” وهي أقرب الواحات المصرية للحدود مع ليبيا وكذلك للبحر المتوسط.

وقد نالت واحة سيوة شهرة طاغية مع زيارة الإسكندر لمعبد الإله آمون هناك ” معبد الوحي” إلا أن تاريخ تلك الواحة يعود لعصور تسبق الإسكندر بكثير, فقد كانت تلك الواحة مركز لعبادة الإله آمون وكذلك للنبؤات الخاصة به, وقد احتلت تلك النبؤة علي وجه التحديد مكانة عظمي في بلاد اليونان منذ القرن السابع ق.م.

الإسكندر الأكبر - لوحة تخيلية
الإسكندر الأكبر – لوحة تخيلية

وقد كان سبب رحلة الإسكندر بجانب المغامرة هدفاً سياسياً بحتاً حيث أراد أن يضفي لنفسه شرعية إلهية في حكم مصر بتلقيه الوحي شخصياً من الإله آمون – إله الإمبراطورية المصرية- وقد قام الإسكندر بتلك الرحلة بشكل درامي تحول لأسطورة فيما بعد, وعند وصوله للمعبد نجد أن الإسكندر دخل قدس أقداس المعبد وحده وهناك إستمع لوحي الإله شخصياً وجهاً لوجه وهناك يقول بسماعه ما غير حياته إلى الأبد وأثر علي كل قراراته في المستقبل, وقد كانت تلك الرحلة هي النقطة المحورية التي حسمت وإلى حد كبير شرعية وقبول الإسكندر لدي المصريين.

معبد الوحي
معبد الوحي

أما أقدم آثار سيوة فهو معبد الإله آمون والذي شيد فوق صخرة “أجورمي” في عصر الملك أحمس الثاني “امازيس” من الأسرة السادسة والعشرون, وهو المعبد الذي زاره الإسكندر ودخل قدس أقداسه ليستمع إلى رد الإله آمون علي اسألته والتي صاغت الكثير من قرارات وشخصية الإسكندر فيما بعد, علي أنه ذلك المعبد ليس هو الوحيد المكرس للإله آمون فهناك معبد آخر شيده الملك نختنبو في الاسرة الثلاثون, وكلا المعبدين يحملان لمحة بسيطة مما كانا عليه في الماضي.

جبل الموتي ومقبرة سا-آمون

وبتلك الواحة أيضا تل أثري يسمي “جبل الموتي” أو “قارة المصريين”.

جبل الموتي

ويحتوي علي مقابر عديدة ملونة أشهرها مقبرة “سا-آمون” وهي أهم مقبرة قديمة في الصحراء الغربية كلها, وعلي جدران تلك المقبرة نري “سا-آمون” ومعه زوجته وإبنيه يقدمون القرابين ويؤدون الطقوس المختلفة وترجع تلك المقبرة للعصر البطلمي حوالي القرن الثاني ق.م, وبجوار تلك الآثار مناطق أخري مثل خميسة, وابو شرف وأبو العواف والزيتون.

مقبرة سا آمون
مقبرة سا آمون

جيش قمبيز المفقود

إرتبط إسم واحة سيوة بواقعة تاريخية مشهورة تحولت إلى ما يشبه الأسطورة الشعبية التي حملت عنوان “جيش قمبيز المفقود”, والقصة التاريخية الحقيقية تحكي عن حملة قام بها الملك الفارسي قمبيز في القرن السادس قبل الميلاد للقضاء علي كهنة آمون في  “سيوة” ومعبدهم , وذكر هيرودوت أن تلك الحملة كان سببها إرادة قمبيز القضاء علي تمرد كهنة الإله آمون بتلك المنطقة  قوام تلك الحملة كان خمسون ألف جندي إنطلقت من طيبة وتوقفوا في الخارجة للتزود بالمؤن مما يعني إزدهار الخارجة في ذلك العصر, إلا ان القصة أخذت منحني أسطوري عندما ذكر هيرودوت فقدان ذلك الجيش باكمله بين رمال الصحراء في الطريق ما بين الخارجة وسيوة, ولم يعثر علي أثر حتي اليوم.

غرق جيش قمبيز تحت الرمال
غرق جيش قمبيز تحت الرمال

يضيف هيرودوت أنه عندما سئل كهنة آمون عن ذلك الجيش لفأجابوا أن آمون ووحيه قد إنتقموا ممن أرادوا تدمير معبده فأرسل لهم ريحاً أهلكتهم أسفل الرمال, وعلي الأرجح فإن تلك الحملة إن كانت قد حدثت بالفعل فلم تتعد حملة قام بها قمبيز لوأد بوادر تمرد بالمنطقة ولم تكن بهذا الشكل المبالغ فيه الذي أصبح أشبه بالأساطير, وبمرور الزمن تم إعادة تدوير تلك القصة مئات المرات حتي تحولت إلي قصة مغايرة تماماً بل وأسطورة شعبية تحكي عنها الحكايات وتروي, يتداولها الكاتبون في كتب ورويات خيالية بينما في الواقع أنها لا تتعدى واقعة لربما لم تحدث من الأساس.

وقد وردت سيوة في كتابات العرب تحت إسم “سنترية” وكانوا يذكرون إسم مدينة ينترية التي يتكلم أهلها “اللغة السيوية”, وذلك لتميز واحة سيوة عن غيرها من الواحات سواء في اللغة أو الملبس والعادات والتقاليد .

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *