ف العام 333ق.م يبدأ فصل جديد من فصول العالم القديم بظهور قوة عظمي في ذلك الوقت. أتي ذلك القائد المقدوني الإغريقي الهوي والمنشأ الذي حقق النصر العظيم والنهائي علي الفرس, سيعرفه العالم ب “الإسكندر المقدوني” أو الإسكندر الأكبر الذي هزم الإمبراطور الفارسي دارا وأجبره علي العودة إلى بلاد فارس ليبزغ نجم إمبراطورية جديدة سيتحاكى بها الناس ويتذكرها التاريخ طويلا, إنها سيرة وبطولات الإسكندر الأكبر واحد من أعتي أباطرة العالم القديم والذي تحولت معه تلك القرية المصرية الساحلية الصغيرة “راقوده” إلى منارة العالم القديم.

الإسكندر في مصر

بعد سقوط آسيا الصغرى وبلاد الشام توجه الإسكندر بجيوشه إلى مصر حتى يصل إلى بيلوزيوم (بالوظة أو الفرما حالياً)ومنها إلى “منف” القديمة (ميت رهينة حالياً) لتصبح مصر في قبضته عندما سلمها إليه الوالي الفارسي “مازاكس”, وقد كان الإسكندر من الذكاء أنه لعب علي المشاعر الدينية للمصريين وكذلك استغل أوضاع المصريين الكارهة للفرس وقتها لتدين له مصر بأكملها ويتم تتويجه علي الطريقة المصرية القديمة في مدينة “منف” ويضيف لمعبد الأقصر, وتتوالي مغامرات الإسكندر في مصر فيخوض رحلته الشهيرة إلى “سيوة” ليتلقى الوحي من الإله آمون ومن ثم تبدأ القصة الحقيقية للإسكندر في مصر مع تأسيس مدينة الإسكندرية.

الإسكندرية قبل الإسكندر

يظن البعض أن الحيز الجغرافي المسمى الإسكندرية لم يكن موجوداً قبل الإسكندر الأكبر. وهي المعلومة الخاطئة جملة وتفصيلاً. فقد عرف المصريون القدماء تلك المنطقة منذ عصور مبكرة وأطلقوا عليها “رع-قدت” ومعناها “شيدها الإله رع والتي أصبحت بعد ذلك راقودة ثم راكوتيس , وكذلك عرف المصريون القدماء البحر المتوسط وأطلقوا عليه “واچ ور” ويعني الأخضر العظيم. وقد كانت تلك القرية صغيرة يشغلها أناس تحترف مهنة الصيد علي مر العصور, كما كان هناك ميناءا بالقرب من تلك القرية وهو الذي ذكرته النصوص باسم “كيبوتوس”.

تأسيس الإسكندرية

في طريقه علي ساحل المتوسط يستعرب انتباه الإسكندر بقعة صغيرة من اليابسة تفصل المتوسط عن بحيرة مريوط. وهي  قرية “رع-قدت” القديمة وقد رأي فيها مواصفات تسمح له بإنشاء مدينة تمثل حلماً كبيراً لطالما راوده. فهي ذات موقع متميز يمكن إيصال المياه العذبة له عبر الفرع الكانوبي بسهولة. كذلك يقابلها جزيرة صغيرة “فاروس” يمكن أن تشكل جبهة دفاعية عن المدينة في حالة الخطر كما أنها لها مزية عجيبة وهي ارتفاعها عن مستوي الدلتا فلا تغرق أثناء الفيضان. وقد أثبت الزمان النظرة المستقبلية للإسكندر مع بداية تأسيس تلك المدينة التي ستحمل اسمه : الإسكندرية.

تمثال الإسكندر الأكبر بسالونيك
تمثال الإسكندر الأكبر بسالونيك

مع بداية تنفيذ الفكرة علي أرض الواقع نجد الإسكندر يطلب من المهندس اليوناني الشهير “دينوقراطيس” Deinocrates أن يقوم بتخطيطها. وقد اختار دينوقراطيس نمطاً يسمي النمط الهيبودامي Hippodamos وهو تخطيط بسيط ولكنه عملي جدا شارعين رئيسيين متقاطعين بزاوية قائمة والشوارع الفرعية تتوازي مع هذين الشارعين ولم يكن هذا التخطيط بجديد فقد شاع في اليونان من القرن الخامس ق.م.

الإسكندر ودينوقراطيس
الإسكندر ودينوقراطيس

بعد تخطيط المدينة قام  دينوقراطيس بربط اليابسة بجزيرة “فاروس” عن طريق جسر بلغ طوله ما يقارب من 1300 م, وقد تم تشييد منارة الإسكندرية الشهيرة علي الطرف الشرقي منها, ومن ثم قام تم إنشاء ميناءين وهم الميناء الكبير portus magnus والآخر غربي يسمي العودة الطيبة Portus Eunostus وقد حاز الميناء الكبير شهرة لم تضاهيه فيها جميع مواني المتوسط في العصور اليونانية الرومانية.

سترابو يتحدث عن الإسكندرية

وفي لحظة تأسيس الإسكندرية وعند تخطيط دينوقراطيس لشوارعها استخدمت كميات كبيرة من الجير ولكنه نفد قبل إتمام تخطيط المدينة كلها فقام دينوقراطيس باستخدام القمح الخاص بإطعام الجنود لتخطيط بقية الشوارع.

كما تحدث سترابو عن الموقع الرائع لتلك المدينة وأخبرنا أن الإسكندر اتخذ من راقودة نواة لتأسيس المدينة فقام دينوقراطيس بالبناء إلى الشرق منها وقد كان كل توسع مستقبلي للمدينة من جهة الشرق.

تخطيط المدينة

بعد تخطيط الشوارع تم تقسيم المدينة إلى خمسة أحياء حملت الحروف الخمسة الأولي من اليونانية ألفا، بيتا، جاما، دلتا، ابسلون، أما الشارعان الرئيسيان فالعرضي من الشرق إلى الغرب كان “كانوب” وهو شارع فؤاد حالياً ويبدأ من بوابة كانوب شرقاً حتي باب سدرة. أما الآخر الطولى فهو على محور شمالي جنوبي شماله بوابة القمر وجنوبه بوابة الشمس وهو يقابل شارع النبي دانيال حالياً. وقد تم اكتشاف أسوار الإسكندرية القديمة في منطقة السلسلة تحت مستوي البحر حيث تم العثور على أساسات يبلغ عرضها خمسة أمتار.

أحياء الإسكندرية القديمة

كما ذكرنا سابقاً فإن أحياء الإسكندرية القديمة كانوا خمسة كما ذكر ستاربو وكذلك فيلون السكندري وقد كانت تلك الأحياء كما يلي:

ميدان السباق: ومن اسمه كان يضم الحي ميداناً للسباق وكان أوسع احيائها ولكنه كان أقلها سكاناً.

الحي الملكي “بروكيون”: وهو الحي الذي ضم القصور الملكية ومراسي السفن  والمسرح والمعابد وكذلك المكتبة والمقابر الملكية.

الموسيون: وهو أصغر الأحياء. وترجع تسميته للموسيون إلى العالم المصري “محمود الفلكي”  الذي قام بتسمية تلك الأحياء, وكذلك أطلق عليه “حي المتحف” نظرا لوقوع متحف الإسكندرية الشهير به.

السوما: ويشمل كوم الدكة حالياً. وقد كان يقع به ملعب الجيمانيزيوم.

راكوتيس: وهو الحي الوطني المصري ونواة مدينة الإسكندرية وكما ذكرنا آنفا فكان منفصلاً عن المدينة يربطه بها طريقاً صغيراً. وقد كان بذلك الحي معبد السرابيوم من جهة الشرق كذلك مسجد الألف عمود يقع شماله الغربي.

الإسكندرية بعد الإسكندر

وفي سن الثانية والثلاثون تقريباً يرحل الإسكندر عن دنياناً في حوالي عام 223ق.م , وقد تم تقسيم إمبراطوريته ما بين قادته وكانت مصر من نصيب القائد “بطلميوس بن لاجوس” والذي سيعرف بعدها باسم “بطلميوس الأول” والذي سيقوم بتأسيس سلالة حاكمة ودولة مستقلة في مصر ستسمي الأسرة البطلمية والتي ستصبح الإسكندرية عاصمتها لتتخذ مكانة لا مثيل لها في العالم القديم.

البطالمة والإسكندرية

بعد تولي بطلميوس لعرش مصر سعي لتأسيس أركان دولته وتوطيدها عن طريق تدعيم النظام السياسي ليفرض سيطرته علي مصر بشكل كامل وقد كان هدف البطالمة هو استمرار حكمهم لأطول فترة ممكنة ولم يكن من ضمن اهتماماتهم استرضاء المجتمع المصري أو حتى أغرقته.

بلطميوس الأول سوتير
بلطميوس الأول سوتير

منذ اللحظة الأولي سعي بطلميوس الأول أن يجعل دولته عنصر جذب للعناصر المقدونية والإغريقية فقام بفتح باب الهجرة لهم في مصر. وشجعهم على  البقاء بمنحهم قطع من الأراضي ومعهم وقد العديد من كبار رجالات بلاد اليونان وفلاسفتهم مثل ديمتريوس الفاليري الذي قام بتأسيس متحف الإسكندرية. كما قام بطلميوس بحركة ذكية عندما قام بإقامة وحدة دينية بين الديانة المصرية القديمة واليونانية عندما قام بتقديم الإله “سيرابيس” والذي كان الإله أوزير في هيئة العجل “حبو” أو “أبيس” وتم بناء معبد ضخم له في الإسكندرية أصبح فيما بعد مركز أساسي انتشرت منه عبادته سيرابيس عبر المتوسط وتم إكمال الثالوث بضم الإلهة ايزيس له وكذلك ابنها حورس, ومع ذلك فقد قام بطلميوس بتقديم ما سمي بعبادة الملوك والأباطرة وبدأ بتقديس الإسكندر الأكبر ومن ثم تم تقديس البطالمة من بعده.

بطلميوس الثاني ونهضة الإسكندرية

وهو بطلميوس فيلادلفيوس وتعني بطلميوس المحب لأخيه, وقد جني ثمار أعمال والده فكانت حياته غاية في البذخ والثراء وانعكس ذلك علي مدينة الإسكندرية التي تعود أغلب مبانيها إلى عصره. وقد أصبحت مكتبة الإسكندرية كبري مكتبا العالم القديم في عصره.

بطلميوس الثاني فيلادلفيوس
بطلميوس الثاني فيلادلفيوس

منارة الإسكندرية

وقد تم بناء تلك المنارة  في عصر الملك بطلميوس الثاني. والذي عهد بتنفيذها للمهندس الشهير “سوستراتوس” والذي عرفه التاريخ بلقب أبو المنارات. وقد تم تشييد تلك المنارة علي جزيرة فاروس Pharos , وقد بلغ سوستراتوس الإتقان في عمله لدرجة أن بطلميوس الثاني سمح له بنقش اسمه عليها مهدياً إياها إلى الآلهة المسافرون عبر البحر.

كذلك فإن تلك المنارة كان لها أثراً بالغاً في العالم القديم فقام الرومان بتقليدها فشيدوا منارتي قرطاج وأوستيا وقد أعجب يوليوس قيصر بتلك المنارة عندما استولي على الإسكندرية واصفاً إياها مرتفعة جداً أخاذة جداً.

فنارة أبو صير
فنارة أبو صير

وقد أصبحت تلك المنارة إحدى عجائب العالم القديم السبع وعلي الرغم من تهدمها بالكامل إلا أننا يمكن تصور شكلها من فنارة أبو صير Taposiris Magna والتي تسمي فاروس أبو صير والتي تعتبر صورة مصغرة أقل بهاء وثراء من منارة الإسكندرية , وعلي الأرجح فإن ذلك البناء العظيم كان يقع في المكان الذي توجد به قلعة قايتباي الآن.

من هو مؤسس مكتبة الإسكندرية القديمة؟

وهي أهم معلم حضاري في العالم القديم وأكبر مكتباته. عرفت في النصوص باسم “المكتبة الكبرى” إلا أن تاريخها يكتنفه الغموض نوعاً ما. فلا نعرف من هو المؤسس الحقيقي للمكتبة وإن كانت بعض الآراء تذهب إلى أن الإسكندر الأكبر هو الملك الذي تم تخطيطها في عهده , بينما فريق آخر يذهب إلى أن بطلميوس الثاني فيلادلفيوس هو من قام بتأسيسها, وفريق ثالث يقول بأن من قام بتأسيسها هو بطلميوس الأول ومن ثم قام بطلميوس الثاني بإكمالها وتوسعتها لتصل إلى مكانتها في العالم القديم.

وقد كان “دمتريوس الفاليري” هو من قام بتجميع نواة تلك المكتبة. وقد كان الفاليري يعمل مستشارا بطلميوس الأول. وقد وصل عدد مخطوطات وكتب المكتبة إلى ما يقارب من سبعمائة ألف مجلد.

وقد ضمت المكتبة بين جنباتها كتباً ضمت علوم العالم القديم. وكان من يدرس بها لزاماً عليه أن يضع نسخة من مؤلفاته بها. وفي ذلك الوقت تحرر علماء الإسكندرية من الجنس والدين والثقافة والسياسة ولم يتم التفرقة بين أي من الدارسين بالمكتبة علي هذا الأساس.

ولم تكن المكتبة الكبرى هي الوحيدة في مدينة الإسكندرية ولكان كان هناك مكتبتان أخرتان على الأقل وهما:

  1. مكتبة معبد السرابيوم.
  2. ومكتبة السيزاريون.

وقد تم تأسيس معبد السيرابيوم ومكتبته في عصر الملك بطلميوس الثالث الذي أكمل أعمال بطلميوس الثاني. وقد عرفت مكتبة السرابيوم باسم المكتبة الابنة.

حريق مكتبة الإسكندرية
حريق مكتبة الإسكندرية

 

مَن حرق مكتبة الإسكندرية القديمة ؟!

على أن حريق مكتبة الإسكندرية الشهير قد تضاربت فيه الأقوال بشكل كبير فلا نعرف بشكل قاطع من قام بحرقها. فعلى سبيل المثال تذهب بعض الروايات أن المسئول عن ذلك كان يوليوس قيصر عام 48ق.م عندما أحرق عدد من السفن على ساحل المتوسط بعد أن حوصرت من قبل بطلميوس الصغير شقيق كليوباترا.

ومن ثم امتدت تلك النيران إلى المكتبة فأحرقتها عن بكرة أبيها. وبخلاف ذلك ذهبت فرق أخرى بأن المسئول عن إحراق المكتبة كان الإمبراطور الروماني ثيوديسيوس الأول، وفريق ثالث يذهب أن المكتبة تم إحراقها على يد عمرو ابن العاص وعلى الرغم من اختلاف الآراء إلا أن المصادر متضاربة بهذا الشأن فكل فريق يملك نصوصاً لتدلل علي فرضية بعينها ويملك ما يدحض الروايات الأخرى لذلك لا يمكننا تأكيد فرضية بعينها علي حساب الأخرى.

وعلى أية حال فإن المكتبة قد اندثرت ولم يتبق منها شيء يذكر حتي الآن لتفقد البشرية كنزاً معرفياً هائلاً. وعلى الرغم من تلك المكانة الهائلة التي حازتها الإسكندرية منذ عصر الإسكندر الأكبر إلا أن مكانتها استمرت في الانحدار علي مر العصور ولهذا حديث آخر.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.