التخطي إلى المحتوى

في هذا المقال نستكمل فصول ملحمة إيزيس واوزوريس وعودة إيزيس لمصر بجثمان زوجها المحبوب المقتول غدراً.

من هي الإلهة إيزيس؟

كما ذكرنا سابقاً فإن إيزيس من نسل “جب” و”نوت” أرباب الأرض والسماء ولكنها لم تكن فقط زوجة لأوزير ولم يكن دورها سليباً في فصل تلك الملحمة, بل أن المدقق في الأسطورة يجد أنها العضو الفاعل والمؤثر في فصول القصة, فهي من وجدت تابوت زوجها في البداية ومن ثم جمعت أشلائه للمرة الثانية بعد غدر أخوهما ست به, وكانت إيزيس تمثل في هيئات مختلفة أما إمرأة يعلو رأسها علامة العرش وتقرأ في اللغة المصرية القديمة آست – وهو إسم الإلهة نفسها- أو علي هيئة إمرأة يعلو رأسها قرني البقرة,  أو في هيئة الحدأة, ويمكن التعرف علي إيزيس في جميع هيئاتها عن طريق النص المصاحب للمنظر كعادة كل الآلهة المصرية القديمة.

كذلك فإن إنجابها لحورس رعايتها الفائقة له جعلتها حامية للأطفال في مصر القديمة كما أن قدراتها السحرية جعلتها من الآلهة المعالجة في مصر القديمة, وكانت لها تعاويذ خاصة للشفاء من الأمراض وكتبت تلك التعاويذ علي أوراق البردي وكان المعالجون في مصر القديمة يعودون إلى البردية التي تحتوي علي التعويذة المناسبة والتي يقرأها المعالج علي العلاج الذي سيستخدمه المريض.

ونظرا لأمومتها لحورس فقد حملت إيزيس لقب “آست ورت موت نتر” “إيزيس العظيمة أم الإله, وكذلك لقدراتها السحرية “آست ورت حكاوو” إيزيس عظيمة السحر, كما أنها هي وأختها “نبت-حت” (إسمها يعني سيدة الدار) لعبتا دور النائحات (الندابات) لأنهن كانتا من بكي علي أوزير بعد وفاته وأطلق عليهما باللغة المصرية القديمة لقب:چرتي أى النائحات, وظهرتا في المناظر الجنائزية إما بصورتهما البشرية أو في هيئة الحدأة, وكانتا الإلهتان مرتبطتان ببعضهما البعض خاصة في المناظر والطقوس الجنائزية الخاصة بتشييع الجنازة في مصر القديمة بل أن مهنة النائحات في مصر القديمة ماهي إلا إعادة إستنتساخ لوظيفة إيزيس وأختها نفتيس.

وقد بلغت شهرة إيزيس مبلغاً كبيراً ليس في مصر القديمة فحسب بل أنها عبرت المتوسط وكان لها شعبية طاغية في العالم القديم أجمع وقد كانت إيزيس نموذج دينيى للامل والخلاص فهي الزوجة التي جعلت بعث زوجها حقيقة وإرتبط إسمها بالخلود فإنتشرت عبادتها في جميع أرجاء الإمبراطورية الرومانية.

إيزيس وأوزوريس, المتحف البريطاني
إيزيس وأوزوريس, المتحف البريطاني

أما نفتيس أختها فكانت هي الأخري واحدة من التاسوع الإلهي لمدينة عين شمس وكانت أحد أشهر آلهة الامومة في مصر القديمة, وطبقاً لنسخة بلوتارخ من قصة إيزيس وأوزوريس فإن نفتيس تزوجت من أخاها ست وأنجبت له إبنا وهو الإلهة “إنب” أو كما نعرفه اليوم “أنوبيس” وعلي الرغم من ذلك فإن المصادر المصرية المبكرة لم تذكر زواجهما وإنما كانت إضافة لاحقة علي القصة وهو أمر منطقي لانه كما ذكرنا فإن القصة تطورت عبر العصور المصرية القدمية وتشعبت تفاصيلها, بل أن هناك إضافة علي القصة ذكرت أن أنوبيس ليس إبنا لست ولكنه إبن غير شرعي لأوزير.

ومما نفهمه من العقيدة المصرية القديمة فإن المصريون القدماء كانوا بالفعل يروا أن نفتيس زوجة لست إلا أن هذا الزواج كان مع أحد جوانب الإله ست الطيبة فقد أصبح الإله ست في نهاية المطاف هو حامي قارب الإله رع في رحلته من الليل إلى النهار ومما يدعم ذلك أن تلك هي الصورة التي عبد فيها الإله ست في منطقة الواحات البحرية في العصور الرومانية.

فلسفة صراع أوزير وست

وعلي أية حال فإن الصراع بين أوزير وست لربما يشير إي الصراع بين وادي النيل والأرض الخصبة الزراعية وما بين الصحراء – كان أوزير إلها للخصب وست إلها للصحراء- أو أنه صراع ما بين الفيضان المحمل بالخير والعاصفة المدمرة.

ست وزوجته نفتيس, متحف اللوفر
ست وزوجته نفتيس, متحف اللوفر

كذلك فإن القصة وإن كانت تمثل صراعاً  بين أخوين علي ما تركه أبوهما – عرش الأرض- فإن ذلك يشير وبلا شك إلى صراع صراع ملوك الشمال والجنوب قبل توحيد القطرين علي يد الملك “نارمر” بل أنه بعد توحيد القطرين إستمر ذلك الصراع حوالي اربعمائة عام حتي إستطاع الملك “خع سخموي” آخر ملوك الأسرة الثانية من إقرار الأمور بشكل نهائى.

بالنسبة للملوك فالملك هو حورس الذي يصارع قوي الشر في حياته وعندما يتوفي فسيصبح متحداً مع أوزير الخالد وإلي الأبد وقد إمتد ذلك المفهوم ليشمل كل مصري وليس الملك فقط مما كان أحد الجوانب التي دعمت العقيدة الأوزيرية, كذلك فإن قيامة أوزير من الموتي وإعادة بعثه مرة أخري والظلم الذي تعرض له جعل منه النجم المتوج هو وعائلته في قلوب المصريين لربما حتي اللحظة الأخيرة من تاريخ الديانة المصرية القديمة.

العودة إلي مصر

بعد إسترجاع جثمان أوزير من جبيل إتجهت إيزيس إلى مصر وكان علي عاتقها إخفاء الجثمان بعيداً عن الأعين وبعيداً عن اخوهما الشرير – ملك مصر الجديد-  “ست”, وفي مكان خفي بعيداً عن الناس قامت بإستخدام بعض الأدوات المعدنية وفتحت التابوت لتلقي نظرة علي جثمان زوجها والذي ما أن رأته حتي عانقته بدأت في نحيب ونشيج تتمزق له نياط القلوب وظلت تحمي التابوت والجثمان لفترة من الزمن في مكانه الخفي.

نفتيس تنضم للصراع

تخبرنا الأسطورة أن ست كان ملكاً قاسياً حكم المصريين بالقسوة ولم يكن هناك ليناً في قلبه, وذات ليلة وبينما كان ست يصطاد الطيور في أحراش الدلتا تعثرت قدماه في التابوت الذي أخفته إيزيس, أدرك ست فوراً أن هذا تابوت أخاه وتلفت حوله ليجد إيزيس نائمة بالقرب من التابوت.

الربة نفتيس
الربة نفتيس

قام ست بفتح التابوت بهدوء وقرر هذه المرة أن يتخلص من أخاه إلى الأبد, فأخذ التابوت بعيدا ومزق الجسد إلى قطع وأمر أعوانه بإخفاء هذه القطع في أماكن متفرقة من أرض مصر ليقطع أى فرصة علي إيزيس أن تجد جثمان زوجها مرة أخري.

وهنا تنضم لجانب إيزيس أختها “نبت- حت” نفتيس, والتي تعاطفت مع إيزيس وأوزوريس وأحبتهما أكثر من زوجها الشرير “ست”, ساعادت “نفتيس” أختها في البحث عن أجزاء الجسد المفقود وبعد سنوات عدة إستطاعا أن يجمعا أشلاء الجسد الذي كان ينقصه القضيب والذى أكلته سمكة أطلق عليها المصريون القدماء “مچد” – لربما أحد أنواع سمكة القط- والتي كرهها المصريون القدماء لتلك الفعلة وكان أكلها مكروهاً, علي أية حال قامت إيزيس بإستعمال سحرها بإقامة أوزير من بين الأموات ليجمعهما الحب الذي لم يفرقه الموت وتحمل إيزيس في إبنهما “حورس”.

إحضر توا يا سيدى .. يا من ذهبت بعيدا
لقد أخذت قلبى بعيدا عنى آلاف الأميال
معك أنت فقط .. أرغب فى فعل ما أحب
إذا كت قد ذهبت الى أرض الخلود , فلسوف اصحبك
فأنا أخشى ان يقتلنى زوجى (ست)
لقد أتيت الى هنا , من أجل حبى لك
فلتحرر جسدى من حبك
( من مرثية نفتيس لأخيها أوزير بردية برلين – رقم 3008)
إيزيس ونفتيس في هيئة آدمية وهيئة الحدأة.
إيزيس ونفتيس في هيئة آدمية وهيئة الحدأة.

وبعد إنقضاء تلك الليلة يغادر أوزير الأرض إلي الأبد وينصبه الإله “رع” سيداً للعالم السفلي وقاضياً للموتي, ومع هذا الحدث آمن المصريون بالعدالة بعد الموت ولم يعد احد يخاف منه لأنهم يعلمون أن أرواحهم سوف تحاكم أمام أوزير قاضي الموتي الذي ذاق الظلم والموت فلن يظلم أمامه أحد.

الهرب إلى الدلتا

بعد مقتل أوزير نسجت إيزيس كفناً له لتلف فيه مومياؤه ليجهز للدفن, وبينما هى مشغولة بالنسج وبجوارها وليدها “حورس” جائها الإله تحوت – إله الحكمة والمعرفة ورب القلم في مصر القديمة- وطلب منها توخي الحذر لأن من الواضح أن نية ست هي قتلها هي ورضيعها حور، كانت إيزيس شديدة الخوف ولم تعرف أين تذهب فأشار عليها تحوت بالإختباء في منظقة مستنقعات لا يعرفها ست تقع شمالاً في الدلتا طلب منها الذهاب هناك للإختباء وشجعها لتربي إبنها الذي ما أن يبلغ أشده حتي يستطيع أن يثأر لأبيه ويسترد العرش.

الإله تحوت رب القلم والمعرفة
الإله تحوت رب القلم والمعرفة

قبل أن يترك الإله تحوت إيزيس ترك معها سبعة عقارب ضخمة – لكل منها إسم- لحمايتها هي وحورس في رحلتهما, ثلاثة منها كانا يحرسان مقدمة عربة الإلهة إيزيس, إثنتان تحت العربة وأخريان في مؤخرة الموكب الذي مضى قدماً إلى أحراش الدلتا.

 

أسطورة العقارب السبعة

وأخيراً يقترب الموكب من أحراش الدلتا ومستنقعاتها إلى المكان الذي أشار إليه الإله تحوت ولكن إيزيس الباسلة المثابرة كانت أمضت وقتاً طويلاً بلا طعام أو راحة, فعندما وصلوا إلى قرية توجهت إيزيس إلى بيت ضخم بالغ الفخامة طلباً للضيافة وما أن إقتربت إيزيس من مدخل البيت فرأتها صاحبته والتي يبدو عليها الثراء, وما أن رأت العقارب حتي فزعت وأغلقت الباب في وجهها ورفضت مساعدتها.

حلت خيبة أمل كبيرة بإيزيس ولم تدري ماذا تفعل فإستمرت في المسير نحو المستنقعات حتي قابلت إبنة صياد رق قلبها لحال إيزيس ولم تكترث كثيرا بالعقارب بل أنها طلبت منها أن تصحبها إلى بيتها – كوخ متواضع- وهناك أعطتها أغلب من تملك من طعام علي الرغم من فقرها الواضح.

في ذلك الوقت كانت العقارب الحامية غاضبة مما فعلته المرأة الغنية وأردن أن يلقنوها درساً لما فعلته فتسسلت واحدة منها إلى منزل تلك السيدة ولدغت طفلها ولاذت بالفرار,  وعلي الفر بدأ مفعول السم يسري في جسد الطفل المسكين الذي تورم جسده فخرجت به أمه طلباً للعون فإذا بأهل البلدة يغلقون أبوابهم في وجهها فيحدث معها هي وإبنها مقلما فعلت مع إيزيس وإبنها, في نهاية المطاف يأست المرأة وإنهارت علي الأرض تبكي محتضنة جسد إبنها.

 

أم تساعد أم

إيزيس والعقارب السبعة
إيزيس والعقارب السبعة

ما أن بلغ الخبر إيزيس حتي توجهت فوراً لإنقاذ ذلك الطفل البريء الذي لا ذنب له, ما أن وصلت حتي طلبت من أم الطفل أن تعطيها إياه معلنة عن شخصيتها وأنها هي الإلهة إيزيس, أخذت إيزيس الطفل وبدأت تتلو تعاويذ متعددة لتسيطر فيها علي سم العقرب,كانت إيزيس تسيطر علي سم العقارب بإستخدام قوة الكلمة والذي كانت أحد أقوي مهاراتها.

إحتبست جميع أنفاس أهل القرية وهم يشاهدون ما سيحدث وما أن إنتهت إيزيس من تلاة تعاويذها حتي بدأ جسم الصبي يسترد لونه الطبيعي ببطء وإنتظم تنفسه وبدا وكأنه عاد للحياة من جديد وما أن فتح عيناه حتي رأي أمه فناداها وهنا سلمت إيزيس الطفل لامه.

أرادت تلك المرأة أن تشكر إيزيس فجائتها فكرة ستسعد الإلهة بلا شك, قامت المرأة الغنية بإعطاء الفتاة الفقيرة إبنة الصياد التي أكرمت إيزيس جزء من ذهبها وثروتها , وفي نهاية المطاف تحقق للجميع السعادة فإيزيس ستكمل المسير إلى الدلتا والمراة الغنية تعلمت التعاطف مع الآخرين بينما الفتاة الفقيرة نالت جزاء معروفها.

تمضى إيزيس في طريقها للمجهول, هي ستحميها أحراش الدلتا ؟ هل ستسطيع أن تحمي إبنها وتربيه حتي يشتد عوده؟ هل سينتقم لأبيه؟ الكثير من الأسألة والتساؤلات والتي سنجيب عنها في مقال قادم