التخطي إلى المحتوى
هل دفن ملوك مصر الخدم معهم وهم على قيد الحياة؟
هل دفن ملوك مصر الخدم معهم وهم على قيد الحياة؟

فكرة مرعبة وهى أن يدفن احدهم وهو حي لمجرد أنه خادم ولمجرد أن سيده قد مات! نضيف عليها فكرة التضحيات  والقرابين البشرية، وهو فعل وحشى بالفعل وإن مارسته بعض الحضارات القديمة وتمتلئ  كتب التاريخ بهذا بل تم تصوير ذلك في مناسبات عدة بأفلام هوليوود، ولكن هل حدث ذلك في مصر القديمة؟

 

الملوك والموت في مصر القديمة

صلاية نارمر أول ملوك الأسرات، المتحف المصرى.
صلاية نارمر أول ملوك الأسرات، المتحف المصرى.

 

تمتع ملوك مصر القديمة بامتيازات ومكانة فريدة بين تاريخ الأمم، فالملك المصري القديم حاز على سلطات مطلقة في مقابل العناية بشعبه وضمان مستقبله، بل ان ضمان فيضان غزير مبشر بالخير كان احد مهام الملك ووظائفه، وعلى المستوى الديني فقد حمل الملك مكانة كبيرة تتلخص في كونه حلقة الوصل بين عالم البشر وعالم الآلهة، بين السماء والأرض، ففور توليه عرش مصر ترتقى قدراته ومكانته لإنسان خارق لا بد ان يكون العدل منهاجه والفضيلة طريقه والعلم الذى يؤهله للملك، إذن يمكننا أن نتفق ضمنياً أن قرارات الملك ومكانته الدينية مقدسة بشكل ما.

 

الأسرار العتيقة لمصر القديمة

في الدفنات الملكية للعصور المبكرة إعتاد علماء الآثار على كشوفات أثرية فريدة من نوعها لربما لم تتكرر طوال حضارة المصرية القديمة، ونذكر بشكل خاص الأسرة الأولى التي تم تأسيسها عقب توحيد القطرين الشمالي والجنوبي وتأسيس دولة مصر الموحدة بحدودها التي لم تتغير حتى يومان هذا تقريباًَ.

يتفق علماء الآثار أن أول ملوك الأسرة الأولى كان الملك نارمر او مينا، موحد القطرين، وعلى الرغم من غموض تلك الفترة إلا اننا نملك معلومات معقولة عنها برغم كل شيء.

من الكشوفات الفريدة التي عثر عليها علماء الآثار والتي تعود لفترة الأسرة الأولى هي دفنات لحيوانات فريدة من نوعها مثل ال الحمير الوحشية وفرس النهر والزراف والأسود وغيرها من الحيوانات وقد تم تأريخ هذا الكشف الذى تم على يد عالمة الآثار الأمريكية “رينيه فراديمان” باعتباره أول حديقة حيوان في التاريخ.

 

من ضمن ما عثر عليه علماء الآثار هو دفنات بشرية بأعداد توحى بشيء استثنائي، وهنا اعتقد علماء الآثار أن تلك الدفنات لربما كانت تمثل أناسا قتلوا عن عمد وتم دفنهم بجوار مليكهم ليخدموه في العالم الآخر، ونظرا لتشعب وتعقيد العقيدة المصرية القديمة فإن خدمة الأتباع لملك مصر في العالم الآخر هى شرف ما بعده شرف يمكن ان يتقبله المرء بسهولة بالغة مع المبرر الديني.

 

مقبرة الملك دن فى أبيبدوس وحولها 136 دفنة مجاورة.
مقبرة الملك دن فى أبيبدوس وحولها 136 دفنة مجاورة.

إلا أن مع قلة الأدلة على ثبوت تلك الممارسة نظرا للحالة السيئة التي تعرضت لها مقابر تلك العصور المبكرة وكذلك عمليات السلب والنهب الممنهجة التي تمت على مدار آلاف الأعوام لتلك الأماكن جعل من المستحيل تأكيد مثل هذه المعلومة، وهنا ظهر العديد من علماء الآثار – ولهم وزنهم- ينفون تلك الفرضية ويفترضوا أن الدفن تم بعد الموت بشكل طبيعي وليس متعمد، وعلى أية حال لا يوجد مؤكدات قاطعة بهذا الشأن للرأيين وتظل تلك الدفنات مثار جدل حتى يومنا هذا وإثبات أي من وجهات النظر لن يقلل من الحضارة المصرية في شيء في جميع الأحوال.

اقرأ أيضًا هنا:  هل كان الملك إخناتون نبياً من أنبياء الله؟

البعث والخلود في خدمة الملك

ترك المصريون القدماء تراثاً هائلاً متعلق بالبعث والخلود، ومن مئات المقابر تكرر كثيرا مفهوم الخدم في العالم الآخر، فنجد في عصر الدولة القديمة وبناة الأهرام أن تماثيل الخدم كانت توضع بداخل مقبرة الملك أو حتى النبيل وتمثل أناسا يقومون بالصناعات المختلفة مثل صناعة الخبز والبيرة وحتى الجزارة والمشويات بل أن هناك تماثيل تقريباً لكل صناعة بمصر في ذلك الوقت، وكان الغرض من تلك التماثيل هي أنها بتعاويذ سحرية ستبعث للحياة ليقوم أصحابها في العالم الآخر بنفس الاعمال التي قاموا بها في الحياة.

 

تماثيل الخدم من الدولة القديمة، المتحف المصرى.
تماثيل الخدم من الدولة القديمة، المتحف المصرى.

 

ومع تطور العقيدة المصرية ظهرت نفس الفكرة بطريقة أخرى، فاختفت تماثيل الخدم وحل محلها ما يعرف باسم تماثيل ( أوشابتى أو وشب تى) وهو تعبير مصري قديم يعنى المجيب، وكانت تلك التماثيل تمثل المتوفى نفسه ومدون على كل منها كتابة توضح انه يقوم بعمل معين لسيده، وقد بلغ عدد هذه التماثيل إلى 365 وهى عدد أيام السنة التي عرفها المصري القديم، فيقوم كل خادم بتلبية النداء في يوم من أيام السنة على أغلب الظن.

 

نماذج لتماثيل الأوشابتى
نماذج لتماثيل الأوشابتى

وهنا يمكننا ان نستخلص أن الحضارة المصرية القديمة قامت على أسس سلمية وتأمل فلسفي يعتمد على السلم وليس العنف وهو ما ظهر بوضوح في فلسفة تماثيل الخدم والأوشابتى، حتى العصور المبكرة نشأت حضارة مصر عظيمة مسالمة في وقت كان العالم بأسره يجاهد للتخلص من البربرية وحياة الكهوف من أجل اللحاق بركب الحضارة.