التخطي إلى المحتوى

لا يوجد من لا يعرف من هو الإسكندر الاكبر الذي ترك بصمة واضحة في الوجدان الجمعي البشري طوال التاريخ, فهو ذلكالبطل الذي وحد بلاد اليونان جعل لهم اليد العليا علي الفرس وكذلك هو القائد العسكري الذي غزا العالم كله تقريباً وتوفي في ريعان شبابه تاركاً تلك الإمبراطورية لمن بعده يديرونها لمئات الأعوام, يعرف الإسكندر الآن بإسم الإسكندر الأكبر وهي ترجمة غير دقيقة للقبه Alexander the great الإسكندر العظيم.

فيليب وعرش مقدونيا

تولي فيليب الثاني – الأعور- عرش مقدونيا وهو في الواحدة والعشرين من عمره, وجاء خلفاً لشقيقه الملك “بيرديكاس” والذي قتل علي يد الايلريون في وسط اربعة آلاف جندي مقدوني, وقد كانت تلك الفترة حرجة للغاية في تاريخ مقدونيا التي عانت كثيراً من أعدائها الاليريين شمالا والثرايين شرقاً والبادينيين فيما بينهما, كما كانت الأوضاع ما بين الولايات الغريقية وبعضها البعض غاية في السوء وقد قضي فيليب أعوامص طوال يحارب الثيبيين وخسر إحدي عينيه وهو يقاتل الأثينيين.

رسم تخيلي لفيليب الاعور
رسم تخيلي لفيليب الاعور

وعلي صعيد آخر فقد  كانت الفرس – عظيمو البأس والسلطان في ذلك العصر- يستغلون تلك الخلافات بين الولايات الإغريقية قحكمت بعضها بالحرب وإشترت زعماء بعضها الآخر بالمال, ولكن جائت الفرصة سانحة في عصر فيليب عندما بدأت الإمبراطورية الفارسية في الإنهيار وضربها الفساد ضرباً حتي ثارت الدول التي كانت تحكمها, في تلك الظروف وتحت قيادة فيليب كانت مقدونيا لديها جيشاً من أفضل جيوش العالم القديم علي الإطلاق, عمل فيليب علي تطوير الجيش وتنظيمه, جعل فيليب ضباطه يسيرون علي الأقدام بجوار الجنود والذين كانوا في الماضي يركبون الخيول بينما يمشي جنودهم علي الأقدام, كذلك جعل لكل عشرة منهم خادماص واحداً وفرض عليهم الإستحمام بالماء البارد يومياً وقطع ما يقارب ثلاثون كيلومتراً.

في خلال عامين فقط إستطاع فيليب أن ينتصر علي اعدائه شمالاً وشرقاً وسيطر علي أغلب الدويلات الإغريقية وعاهد كلا منهم معاهدة منفصلو وأصبح فيليب قائداً لليونان كلها, وهنا بدأ يعد العدة للقضاء علي الإمبراطورية الفارسية

ميلاد الإسكندر والعلامات الثلاث

تزوج فيليب عندما تولي حكم مقدونيا من أميرة تدعي “اوليمبيا” Olympias , إبنة ملك إيبروت, وقد تقابلاً لأولا مرة منذ سنوات طويلة في ساموتراس عندما كانت اوليمبيا تقوم بالرقصات الطقسية في أثناء الإحتفال بالإله الإغريقي “ديونيسيوس”.

لوحة تخيلية لأوليمبيا أم الإسكندر
لوحة تخيلية لأوليمبيا أم الإسكندر

ولد الإسكندر في الصيف من عام 356 ق.م في بيلا, مقدونيا, وهو إبن الملك المقاتل “فيليب المقدوني”, في خضم العديد من الأخبر السعيدة ما بين إتمام “فيليب” إنتصاره علي الثراسيين في بوتيديا, وإنتصار قائدة بارمينيون علي الإلريين في الشمال وكذلك فوز حصانه الخاص بجائزة الألعاب الأوليمبية في شمال غربي اليونان جائه أيضاً خبر ولادة إبنه الإسكندر.

وقد لعب العرافون في ذلك العصر دوراً مهماً عندما هنأوا فيليب بهذا الإبن الذي تنبأوا بشانه أنه سيخلف عرش أبيه وستصحبه الإنتصارات أينما ذهب وذلك للأخبار الثلاث السعيدة الذين صاحبوا هذا المولد والذين إعتبرهم العرافون أنهم ثلاث علامات كبري.

الإسكندر وعقدة أوديب

كانت أوليمبيا أم الإسكندر معتادة علي الرقص مع الحيات في الإحتفالات الطقسية, وقد كانت إمرأة عنيدة جدا وقوية الشخصية غريبة الأطور, فمن مرويات القصر المقدوني وأساطيره أن أوليمبيا كانت تنام محتضنة حية كبيرة وقد إعتقد “فيليب” أن زوجته تخونه فتلصص عليها من ثقب الباب فلم يجد سوي الحية, وقد إستشار “فيليب” كهنة أبوللو وعرافة دلفي الذين نصحوه بتقديم قربان للآلهة وأن يضع فوق رحم زوجته قيداً حديداً علي شكل أسد كما أنبأوه أن زوجته ستلد إبناً في شجاعة الأسد وتحققت نبوئتهم مع ولادة الإسكندر.

كان فيليب دائم الخروج للحروب معظم أيام السنة بعيداً عن مقدونيا وعن أسرته, وقد كانت فيليب يتخذ عشيقة مختلفة كل مرة خرج فيها للحرب وعندما كان يعود إلى زوجته كان كبرياؤها يمنعها عنه فلجأ فيليب لأصدقائه وعشيقاته يلهو معهم  وقد وصل الوضع إلى أن فيليب قد تزوج سبعة مرات علي الأقل.

كل هذه الأوضاع جعلت رفيق أوليمبيا في الوحدة والحديث والشكوي هو إبنها الذي أحب أمه حباً جماً وصفه فرويد بانه ولد لدي الإسكندر عقدة أوديب, واضاف أن تلك العقدة أبعدته عن العلاقات الجسدية وجعلته يعجب بالنساء المتقدمات في السن, وقد ترك الإسكندر الزواج والعشيقات والجواري سنيناً طوال ولم يقربهن إلا قبيل وفاته باعوام قليلة.

طفولة الإسكندر

كان الإسكندر منذ الطفولة يتمتع بشخصية عنيدة طموحة جداً وقد كان والده “فيليب” متفهماً لنفسية إبنه فكان يناقشه ويستمع له دوماً, أحب الإسكندر الرياضة وكان مثقفاً عظيم الإطلاع وقد كان أحب الكتب إلى قلبه ” الإلياذه” فكان يقرأها كل يوم قبل أن ينام.

الإسكندر وفيليب
الإسكندر وفيليب

نشا الإسكندر في البلاط المقدوني الذي كان يضم أبناء الملوك والقادة والدبلوماسيين وحتي أبناء الملوك والحكام الخاضعين لمقدونيا وكان من بينهم هيفاستيون والأمير المقدوني هاربالوس وبطلميوس الذي قدم للبلاط من غرب مقدونيا – وهو الذي سيؤسس حكم البطالمة في مصر لاحقاً خلفاً للإسكندر- وكذلك نيارخوس من كريت وهو الذي إستكشف لاحقاً المحيط الهندس.

الإسكندر وأرسطو

مع تزايد تأثير أوليمبيا علي ولدها الإسكندر أراد فيليب  أن يفلت قبضتها عليه بعض الشيء فاختار له معلمين عنيدي الشخصية وكانا ليونايداس وآخرين, ومن ثم أرسل فيليب ولده إلى أرسطو ورافق الإسكندر في التعلم علي يد أرسطو “هيفاستيون”.

من الإسكندر إلى أرسطو:

تحياتي, لقد كان خطأ منك أن تعلن علي الملاً دروسك لي.

فهي التي كانت تميزني عن غيري وجعلتها أنت في متناول الناس جميعاً

لقد كنت أفضل أن اكون مميزاً بتلك المعرفة علي أن أكون متميزاص بالسلطان

وداعاً

من رسائل الإسكندر لأرسطو نقلاً عن بلوتارخ

كان الإسكندر علي علاقة طيبة بأرسطو فكان يناقشه في جميع فروع المعرفة وقد إعتبر أن الفترة التي تتلمذ فيها علي يد أرسطو هي أجمل فترات حياته وكان يكن الحب والإحترام لأرسطو, كان أرسطو جمهورياً ديموقراطياً مما جعله لا يحب الفرس, وقد غرس أرسطو في الإسكندر هواية الطب وقد حاول الإسكندر لاحقاً محاولة تشخيص أمراض أصدقائه وحتي أفراد جيشه.

الإسكندر وأرسطو
الإسكندر وأرسطو

والمدقق في الأمر سيجد أن أرسطو كان سبباً مباشراً في أن حملات الإسكندر وغزواته لاحقاً لم تكن عسكرية فقط وإنما حملات حضارية رافقها المهندسون والأطباء والعلماء الذين درسوا أحوال تلك البلاد وساهموا في نشر الثقافة الإغريقية بتلك البلاد ومن ذلك نشا رأياً – لا أتفق معه- أن الإسكندر حاول إنشاء حكومة عالمية موحدة.

حصان الإسكندر الذي سميت مدينه بأسمه في الهند

تحكي سيرة الإسكندر أن تاجراً للخيول يدعي “فيلونيكوس” قد أحضر حصاناً أسوداً شديد الجمال للملك فيليب وطلب فيه مبلغاً باهظاً ولكن فيليب رفض شراء ذلك الحصان لانه رآه وحشياً صعب الترويض.

وهنا تقدم الإسكندر ليعلن ان الجميع يرفض هذا الحصان لعجزهم عن السيطرة عليه, وهنا نشا تحدي بين فيليب وإبنه لترويض ذلك الحصان فإن لم يستطع الإسكندر ترويضه فسيدفع ثمنه البهظ من جيبه الخاص, وتمضي القصة ان الإسكندر إقترب من ذلك الحصان وأخذ يلاطفه ويربت عليه ويهمس في إذنه حتي تمكن منه فامتطي ظهره وقاده نحو الأفق ومن ثم عاد به يركض نحو الحشد.

يا بني, إبحث لنفسك عن مملكة أخري تليق بك, فإن مقدونيا أصغر من أن تتسع لك

من خطاب فيليب لإبنه الإسكندر الصغير

وهنا علا الهتاف للإسكندر وعانقه والده فرحاً به, ولاحقاً اطلق الإسكندر علي هذا الحصان بوكيفالاس وإعتلي ظهره في غزواته وحروبه وبعدها وفي عام 326 ق.م يتوفي الحصان ويسمي الإسكندر مدينة كاملة بإسمه قام بتشييدها في الهند – “بنجاب” حالياً- وأطلق عليها “الإسكندرية بوكيفالاس”.

توحيد بلاد اليونان

كان الإسكندر يرافق والده منذ صغره فخاض معه المعارك في سن صغيرة جداً, وكانت أولي إختبارات الإسكندر عندما كان عمره ستة عشر عاماً في عام 340 ق.م ووقتها خرج فيليب لقتال بيونتس الواقعة علي بحر مرمرة وخرج بالجيش تاركاً الإسكندر الشاب علي العرش ووقتها قامت ثورة في بلاد المادويين وهنا إتخذ الإسكندر قراره وخرج علي رأس الجيش لإخمادها بنفسه وتكلل مجهوده بالنجاح بل أنه قام بتشييد أول مدينة من مدنه والتي أطلق عليها “ألكسندروبولس” وكانت أول إسكندرية في تاريخ الإسكندر, وبينما الإسكندر يحتفل بنصره لم تنجح حملة أبوه فيليبحيث ساعد الأثينيين أعدائه فترك فيليب الساحة وتوجه شرقاً إلى تريبولي وهناك حقق الإنتصارات التي وصلت إلى الإسكندرية وسمع بها الإسكندر الذي كان يظن وقتها أن ابوه لن يترك له مجداً ليفعله فقد فعل هو كل شيء.

رسم تخيلي لفيليب الاعور
رسم تخيلي لفيليب الاعور

وفي سن الثامنة عشر شارك الإسكندر والده في معركة كيري وإنتصر هو ووالده علي الثيبيين ووقع معهم معاهدة مهينة بينما هادن الأثينيين وعاملهم بطريقة مختلفة, وفي نهاية المطاف دان الأمر لفيليب عندما قام بتكوين تحالف إغريقي للتصدي للفرس بزعامة “زيركسيس” وتم تسمية هذا الحلف بإسم حلف كورنثيا والذي أصبح بعده فيليب ملكاً علي الاغريق.

إغتيال فيليب الأعور

بعد عودة فيليب إلى مقدونيا أراد توطيد علاقته بقائده المدعو “اتالوس” عن طريق الزواج بإبنته كليوباترا وهنا ثارت ثورة أولمبيا زوجته علي تلك الزيجة وقررت مقاطعته أما الإسكندر فقد كان يري في هذه الزيجة خطراً علي حقه الوراثي في تولي العرش من بعد أبيه وذلك بعدما طلب أتالوس والد العروس شرب نخب الوريث القادم لفيليب – في إشارة إلى إبن سينجبه فيليب من إبنته – وهنا تحكي الروايات أن الإسكندر إشتبك مع والده في تلك ليلة العرس وإنتهي الأمر بهرب الإسكندجر مع أمه إلي إيبروس.

ولكن فيليب إستدرك الأمر وحاول لم شمل عائلته مرة أخري وإنتهت محاولاته بإعادة الإسكندر إلى مقدونيا بينما بقيت أوليمبيا في إيبروس تضمر في نفسها أن تنتقم من فيليب.

في محاولة سياسية أخري أراد فيليب أن يزوج أحد أبنائه من بنت الملك الإغريقي “بيكسودار”, وقد إختار فيليب أن يزوج إبنه “ارهاديوس” – إبن غير شرعي – لإبنة بيكسودار, وهنا قامت اوليمبيا بتحريض الإسكندر قائلة له أن ذلك الزواج يعني أن أبوه تخلي عنه, بينما في واقع الأمر أن فيليب لم ينو للحظة ان يجرد الإسكندر من ولاية العرش, ولكن الإسكندر في النهاية قام بخطوة متهورة وتقدم بالزواج لإبنة بيكسودار بنفسه والذي رحب بذلك العرض.

وعند تلك النقطة ثارت ثورة فيليب وطلب من الإسكندر عدم سماع كلام أمه, بل انه قام بنفي بعض المقربين من الإسكندر وقتها والمساهمين في صناعة قراره وكان من ضمنهم بطلميوس وهيفاستيون رفيق طفولة الإسكندر.

بعد ذلك أعلن “فيليب” السياسي المحنك أنه سيزوج إبنته الوحيدة من أوليمبيا والمسماة “كليوباترا” من عمها الإسكندر ملك إيبيروس علي أن يقام حفل الزفاف في مسرح آيجي, وبينما فيليب علي رأس موكب الزفاف المهيب يتقدم وحيداً فإذا برجل يقترب من الموكب حتي يصبح بجوار فيليب ويخرج خنجره ويغمده في جسد فيليب , وما ان ظهر وجده القاتل للحضور حتي أغرقهم الذهول فهتفوا بإسمه: “بوزانياس”.

من هو بوزانياس؟ ولم إغتال فيليب؟ وكيف أثر هذا علي الإسكندر؟

لهذا حديث آخر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *