التخطي إلى المحتوى

الجميع يسمع ألفاظ عن تاريخ مصر القديمة مثل عصر الأسرات، الأسرة الأولى، الأسرة العاشرة وهكذا، وأيضا هناك تكرار لأسماء الملوك فنجد تحتمس الأول وتحتمس الثاني والثالث وغيرهم، هذه الأمور وغيرها تظهر التاريخ المصري معقدا لدى البعض وفى أحيان أخرى صعب الاستذكار والحفظ، ولكن هل كان هذا التقسيم من فعل القدماء المصريين أنفسهم؟ وإن كانت الإجابة لا فكيف حدث ذلك؟

تقسيم التاريخ المصري القديم

يقسم علم المصريات تاريخ مصر للأقسام التالية: عصور ما قبل التاريخ والتي تشمل حياة الإنسان بشكل عام من ظهوره وحتى استقراره في وأدى النيل وتنتهي تلك المرحلة بفترة تسمى (ما قبل الأسرات).

نارمر\ مينا ، أول ملوك الأسرة الأولى.
نارمر\ مينا ، أول ملوك الأسرة الأولى.

عصر الأسرات وهو العصور التي تبدأ من الأسرة 1 وأول ملوكها هو الملك مينا موحد القطرين وقد حددت تلك العصور بناء على ما فعله مينا من توحيد للقطر المصري بأكمله تحت حكومة موحدة وينتهي بالأسرة الثلاثين (واحد وثلاثين في بعض المصادر) وهذا التقسيم الفرعي له تقسيمات فرعية أخرى سنستعرضها في هذا المقال.

العصور اليونانية الرومانية، وتبدأ بدخول الإسكندر الأكبر لمصر ومن ثم تأسيس دولة البطالمة يليها عصور الاحتلال الروماني والبيزنطي ثم أخيرا دخول العرب إلى مصر.

عصور ما قبل التاريخ

وهي العصور التي سبقت ظهور مصر كدولة بل وسبقت ظهور ثقافات وتجمعات حضارية على أرض مصر وتنقسم إلى العصر الحجري القديم، العصر الحجري القديم الثاني، العصر الحجري الحديث، وأخيراً عصر المعادن.

وقد بدأت تلك العصور ككل عصور نشأة الإنسان في جميع انحاء العالم حيث كان يسكن الإنسان على الجبال والهضاب تكيفاً مع البيئة. وليس تطويعاً لها كما حدث بعد ذلك.

اعتمد الإنسان على التنقل من مكان لآخر بحثاً عن الغذاء والمسكن. واعتمد في بقائه على الصيد وجمع الثمار وغيرها. في تلك العصور عرف الإنسان النار واستخدمها كما أنه اخترع الأدوات الحضرية مثل النصال والسكاكين والفؤوس.

وقد كان إكتشاف النار والتحكم فيها هو العلامة الفارقة التى كانت أحد أسباب نمو دماغ الإنسان ليكتسب مهارات وإمكانيات جديدة وفكر مستقل إبداعى، وترجع بدايات ذلك العصر فى مصر لأكثر من مائة ألف عام ق.م.

أما العصور التالية مثل العصر الحجرى القديم الثانى فقد كان تطوراً لما قبله، فزادت مهارة وصنعة الإنسان القديم وإستمر تكيفه مع بيئته مع التصحر وقلة المطر حتى كانت نهاية تلك العصر بحوالى 9\10 آلاف ق.م

كان الجزء الأكبر أهمية من تلك الفترة التاريخية هو العصر الحجري الحديث الذى نزل فيه الإنسان من المرتفعات وسكن الوادي (وادى النيل) وتحولت حياته من الترحال إلى الاستقرار، ومن الاعتماد على الصيد والجمع إلى الاعتماد بشكل أكبر على الزراعة واستئناس الحيوان.

وقد بدأت تلك العصور حوالي 6 آلاف ق.م، وتلاه عصر المعادن الذي مكن الإنسان من التطويع الكامل للبيئة من حوله والاعتماد على الأدوات المعدنية مما فتح له باباً للصناعة فبنى البيوت ونسج الأقمشة وهذا العصر بدأ ما يعرف ب ( الاستقرار النفسي) الذي كان بوابة المصري القديم للإبداع وتأمل ما حوله وهو العصر الذي بدأ فيه الفكر المصري القديم وجوانبه المختلفة بما فيها الفكر الديني وظهور المقدسات الدينية.

عصور ما قبل الأسرات

وهي الفترة التاريخية التي تسبق عصور الأسرات مباشرة وقد شهدت تجمعات سكنية وحضارية اصطلح علم الآثار على تسميتها (ثقافات).

وقد إنتشرت تلك التجمعات الحضارية فى جميع أنحاء مصر شمالاً وجنوباً، ومن أشهر تلك الثقافات: الفيوم، دير تاسا، حلوان، المعادى، البدارى، مرمدة بنى سلامة، أما أهمهم على الإطلاق فكان نقادة والتى إنسمت إلى ثلاث مراحل حضارية وحدها وهى نقادة 1 و 2 و 3.

مع وجود تقسيم فعلى للتاريخ المصرى وما يسمى بعصر الأسرات وجد علماء المصريات أنفسهم أمام معضلة حقيقية تتمثل فى الآتى، وهو أن هناك فترات تسبق الأسرات ينطبق عليها مقومات الحضارة من حدود واضحة للإقليم، معرفة الكتابة، وجود علاقات خارجية وصلت حتى لآسيا وهو ما حدث فى عصور نقادة مما جعل علماء الآثار يضعون تقسيماً جديداً فيه أسرتان جديدتان وهما الأسرة صفر، والأسرة صفرين.

ومن أهم مكتشفات تلك الفترة هو معرفة المصريين للكتابة فى تلك الفترة المبكرة من التاريخ ( الأسرة صفر) وكذلك طريقة دفن الموتى، حيث كان الموتى يدفنون فى الصحراء (غرباً) فى الوضع الجنينى ومعهم بعض المقتنيات البسيطة، ومن أشهر تلك المومياوات (مومياوات جبلين-   نجع الغريرىة قنا حالياً)، كان علماء الآثار يظنون فى البداية أن تلك المومياوات قد تم حفظها بشكل طبيعى بسبب المناخ الجاف لمكان الدفن إلا أن الفحوصات الحديثة أثبتت وجود مواد كيماوية بتلك الأجساد تم إستخدامها لمعالجتها وضمان حفظ الجسد لأطول فترة ممكنة.

وقد إزدهرت تلك المكتشفات تحديداً فى فترة حضارة نقادة الثانية والثالثة مما جعل تغيير مفهومنا عن تاريخ مصر قبل مينا محتماً نظراً لتلك المكتشفات التى تؤرخ معرفة متقدمة ومعقدة لدى الإنسان المصرى فى تلك الفترة المبكرة جداً من التاريخ.

صلاية (الكلاب الأربعة)، عصر نقادة 3.
صلاية (الكلاب الأربعة)، عصر نقادة 3.

ومن أشهر ملوك تلك الفترة: عقرب الأول والثانى، إرى حور، وكان آخرهم هو الملك مينا.

عصور الأسرات

أول الأسألة بخصوص تلك الفترة هو لماذا تسمى بالأسرات؟ وهل هى أسرات فعلية؟

الحقيقة أن هذا التقسيم قد تم وضعه لاحقاً فى تاريخ مصر، وتحديداً تم الإشارة لإستخدام هذا التقسيم فيما نقل عن كاهن ومؤرخ مصرى يدعى “مانيتون السمنودى” ( نسبة إلى سمنود بمحافظة الغربية)، فيما عرف بإسم كتاب الإيجبتياكا أو (تاريخ مانيتون) وهذا الكتاب حالياً غير موجود وما نعرفه عنه هو نقلاً عن مؤرخين لاحقين لمانيتون أشهرهم المؤرخ اليهودى “يوسفيوس فلافيوس” الذى كان معتاد التدليس لصالح بنو قومه.

تم إستخدام مصطلح Dynasty لوصف هذا التقسيم وهو لفظ يعنى (سلالة) وتم تعريبه لكمة أسرات لاحقاً، ولكن حتى هذا التقسيم لا يعنى انها سلالات أو حتى أسرات واحدة فهناك ملوكاً لا تربطهم روابط أسرية أو خط دم ثابت، كما أن هناك ملوكاً أجانب فى عصور الإحتلال كانوا من ضمن هذا التقسيم، فى العصر الحديث يتم إستخدامه للتبسيط وتسهيل الدراسة، وتم إستخدامه لاحقاً لتقسيم تاريخ حضارات أخرى حول العالم وليس مصر فحسب.

كيف فرق المصريون بين ملوكهم متشابهى الإسم؟

كذلك إستخدام مصطلحات مثل: الملك تحتمس الأول، الملك تحتمس الثانى، الملك تحتمس الثالث وهكذا، تم إستخدام هذه الأرقام لتوضيح الفارق بين هؤلاء الملوك الذين حملوا هذا الإسم، وهنا نشا تساؤل مهم. كيف فرق المصرى القديم بين هؤلاء الملوك دون أن يفعل مثلما نفعل الآن؟

الأمر بسيط جدا، كان الملوك فى مصر القديمة لهم من الأسماء والألقاب خمسة يهمنا منهم إثنان: الأول :إسم الميلاد والثانى التتويج، فعلى سبيل المثال الملك رمسيس الأول ولد بإسم ” رعمسو” ( رمسيس) وكان لقب تتويجه هو (من بحتى رع ويعنى: دائم القوة هو الإله رع)، أما رمسيس الثانى فولد أيضا بإسم “رعمسو” ولكن كان لقب تتويجه هو “وسر ماعت رع ستب إن رع” ويعنى: القوى بماعت الإله رع، الملك المختار من الإله رع، ورمسيس الثالث كان رعمسو أيضا ولكن لقب تتويجه كان: وسر ماعت رع مرى إمن ويعنى: القوى بماعت الإله رع المحبوب من الإله آمون.

الألقاب (الأسماء)الملكية الخمسة للملك رمسيس الثانى.
الألقاب (الأسماء)الملكية الخمسة للملك رمسيس الثانى.

أى أن المصرى القديم كان يميز بين الملوك المتشابهي الإسم بألقاب تتويجهم، على عكس ما نفعل الآن ونضع أرقامأ مع أسماء الميلاد.

تقسيم عصور الأسرات وما بعدها

تبدأ عصور الأسرات بالملك مينا موحد القطرين، أول ملوك الأسرة الأولى وتنتمى تلك الفترة إلى ما يسمى بالعصر العتيق ويمتد من الأسرات 1 إلى 2.

عصر الدولة القديمة ويمتد من الأسرات 3 ل:6 ويسمى أيضاً بعصر بناة الأهرام لأن معظم ملوك تلك الفترة قد دفنوا فى أهرامات خاصة بهم.

يلى تلك الفترة ما يسمى بعصر الإنتقال الأول وهو عصر فوضى بسبب ثورة شعبية قضت على الأخضر واليابس فى مصر كما أنها شملت عمليات نهب وسلب على نطاق مهول لآثار مصر ومتتلكاتها.

إنتهى عصر الإنتقال الأول مع تأسيس مايسمى الدولة الوسطى التى بدأت بالأسرة 11 وكانت نهاية الفوضى على يد الملك منتوحتب الثانى الذى أعاد توحيد القطرين وأنهى الفوضى بالبلاد

إنتهت الدولة الوسطى بعصر الإنتقال الثانى (عصر إحتلال الهكسوس) الذى إنتهى مع بداية الأسرة 18 وكان أول ملوكها هو الملك أحمس قاهر الهكسوس وبداية فترة أخرى تسمى الدولة الحديثة.

إنتهت الدولة الحديثة مع نهاية الأسرة 20 وبدايةى عصر الإنتقال الثالث الذى إمتد للأسرة 25، ومن ثم آخر مراحل الحضارة المصرية مع العصر المتأخر الذى إنتهى بالإحتلال الفارسى الثانى والذى يصطلح العلماء على تسميته فى بعض الأحيان الاسرة 31.

من أبرز الملوك الذين إعتبرهم المصريون القدماء أعظم ملوكهم على الإطلاق : مينا أو نعرمر المؤسس، ثم منتوحتب الثانى الموحد الثانى للقطرين، ثم الملك أحمس قاهر الهكسوس وقد ذكرت النصوص أسماؤهم بالمداد الاحمر تقديراً لدورهم فى تاريخ بلادنا، كما صورهم الملك رمسيس الثانى جنبأ إلى جنب على جدران معبد الرامسيوم، ولا نغفل بالتأكيد  على سبيل المثال وليس الحصر ملوكاً مثل سنفرو وخوفو وسنوسرت الثالث وحور محب ورمسيس الثانى وسيتى الأول وتحتمس الثالث وبسماتيك الأول وغيرهم من ملوك مصريين صنعوا تاريخاً.

كان آخر ملك مصرى وطنى يحكم مصر هو الملك “نختنبو الثانى” آخر ملوك الأسرة الثلاثين، وهناك إشارات لملك آخر يدعى خباباش قام بالتمرد على الفرس قبل دخول الإسكندر الأكبر مباشرة.

مع وفاة الإسكندر الأكبر دخلت مصر العصور اليونانية الرومانية والتى حكم فيها الإغريق والرومان مصر، كان أول الحكام بعد الإسكندر هو الأسرة البطلمية حيث أن إمبراطورية الإسكندر تم تقسيمها بين قادته بعد وفاته فكانت مصر من نصيب بطلميوس الذى أصبح بطلميوس الأول وبدأت معه دولة البطالمة فى مصر وإنتهت بمصرع كليوباترا السابعة وبطلميوس الثالث عشر فى خضم القصة الشهيرة التى كانت فيها كليوباترا عشيقة للجنرال الرومانى انطونيوس الذى كان متزوجاً من أخت جنرال آخر يدعى أوكتافيوس، كانت كليوباترا أخر الملوك البطالبمة على عرش مصر ووصية على عرش قيصرون (بطلميوس الثالث عشر)، وقد واجه أنطونيوس نظيره أوكتافيوس فى موقعة أكتيوم البحرية التى إنتهت بهزيمة أنطونيوس ومصرعه ، إنتحار كليوباترا وتتويج أوكتافيوس على عرش الإمبراطورية الرومانية تحت إسم “أغسطس” ودخلت مصر بعدها فى كنف الإمبراطورية الرومانية والبيزنطية ثم الساسنية حتى دخول العرب المسلمون إلى مصر وتحول مصر إلى ولاية عربية.