التخطي إلى المحتوى

الملك “توت عنخ آمون” واحد من أشهر ملوك مصر القديمة إن لم يكن أشهرهم علي الإطلاق, لم يخض توت معارك حاسمة ولم يبني آثاراً ضخمة مثل ملوك عديدين ولكنه حاز علي تلك الشهرة عندما كان أول ملك مصري قديم يتم إكتشاف مقبرته كاملة لم يمسها اللصوص والتي عرفنا منها مدي الثراء الفاحش الذي كانت عليه مصر وملوكها في تلك الفترة.

لم تكن كنوز الملك توت هي كل شيء بشأنه, فهناك العديد من الألغاز التي طرحها إكتشاف المقبرة والعديد من الأسألة التي لم يتم الإجابة عليها بخصوص أبوي الملك توت وعائلته وكيف لاقو نهايتهم وإنتهي حكم تلك الفترة المثيرة للجدل.

أجداد الملك توت عنخ آمون

يرجح علماء الآثار الآن أن الملك “توت عنخ آمون” كان إبنا للملك “أمنحتب الرابع” أو “إخناتون”, وقد أثير ذلك السؤال منذ فترة طويلة وتشكك الكثير من علماء الآثار وقتها في ذلك النسب, ولكن تغير المعطيات أحدث تغير في آراء العلماء بخصوص هذا الأمر.

كان الملك “إخناتون” إبنا للملك “أمنحتب الثالث” والملكة “تي” والتي كانت فتاة من خارج القصر الملكي, أى أنها من طبقة العامة بالنسبة للملوك علي الرغم من أن أبيها والذي كان إسمه “يويا” يشغل منصباً هاماً في القصر الملكي وكذلك أمها “ثويا” والتي كانت منشدة وحملت ألقاب متعلقة بالخدمة لدي الآلهة “مين” و”آمون”.

يويا وثويا أجداد الملك إخناتون
يويا وثويا أجداد الملك إخناتون

وقد كانت عائلة الملكة “تي” من نبلاء مدينة أخميم بأسيوط حالياً, وعلي الرغم من كونها من خارج القصر الملكي إلا أن الملك “أمنحتب الثالث” تزوجها ولم يكتف بذلك فحسب, فقد جعل “أمنحتب” من “تي” الزوجة الملكية العظمي وهذا يعني بالتبعية أنها ستكون أم ولي عد الإمبراطورية المصرية.

أمنحتب الثالث وتي
أمنحتب الثالث وتي

كانت الأمور مستقرة في فترة حكم الملك “امنحتب الثالث” حيث كان ولي العهد معروفاً وهو الأمير “تحتمس” الذي ما لم يلبث أن توفي في حياة والديه, وقرب نهاية حكم الملك “امنحتب الثالث” نجد تولي أمير آخر يدعي أمنحتب لولاية العهد, وهو الذي بالفعل سيخلف أباه علي عرش مصر وستطلق عليه كتب التاريخ إسم “أمنحتب الرابع”.

مع توليه للسلطة بدأ أمنحتب الرابع فترة حكمه بشكل تقليدي وأخذ في تشييد الآثار كعادة من سبقوه من الملوك, ولكنه مع عامه الخامس علي العرش أحدث تغييراً جذرياً حيث قام بنقل عاصمته إلى مدينة أطلق عليها “آخت إتن” وتعني أفق آتون وهي مدينة تل العمارنة حالياً.

أبناء العمارنة

مع هذا التغيير الجذري الذي أحدثه أمنحتب الرابع ونقله للعاصمة لمدينة تل العمارنة أو آخت إتن , نجد أن كتب التاريخ وصفت تلك الفترة بإسم: فترة العمارنة وهي واحدة من أكثر الفترات المعقدة في تاريخ مصر والتي كان الملك “توت” نتاجاً مباشراً لها.

نجد أن أمنحتب الرابع فور نقله للعاصمة قام بتغيير إسمه إلى :آخ إن إتن أو إخناتون ويعني النافع للإله آتون, وهو الإله الذي قام إخناتون بترقيته ليصبح الإله الرسمي للدولة المصرية مع معاداته للكهنوت المصري للآلهة المختلفة وعلي رأسهم كهنوت الإله آمون في طيبة.

كانت زوجة الملك إخناتون هي واحدة من اجمل نساء العالم القديم وإسمها “نفرتيتي” وهو لفظ مصري قديم يعني الجميلة أتت ومن المؤكد أن “نفرتيتي” لم تكن من أصول ملكية كحماتها “تي”, وأن إخناتون وعلي الرغم من أنه تجاهل تقاليد آبائه وأجداده في كل شيء إلا أنه  قد حذا حذو أبيه في تلك النقطة فقط وتزوج من فتاة من خارج القصر الملكي وهي “نفرتيتي”.

ظهرت “نفرتيتي” بجوار “إخناتون” في معظم مناظره, ولم يكتف بذلك بل ظهرت معهم بناتهن والتي أخبرتنا آثار العمارنة بعددهن وكانوا ستة, أنجب “إخناتون” من نفرتيتي ست بنات دفعة واحدة, ولم يظهر أى ذكر ملكي في مناظر الملك إخناتون مما دفع علماء الآثار للتشكيك في نسب الملك توت عنخ آمون -والذي سيتولي العرش لاحقاً- لأسرة إخناتون.

نهاية العمارنة

بعد سبعة عشر عاماً في الحكم يختفي إخناتون من التاريخ المصري القديم وعلي الارجح فإنه قد توفي في تلك الفترة بشكل طبيعي, ومن ثم حلت فترة من الفوضي حكم فيها عدة ملوك مجهولين لفترة قصيرة وكانوا “سمنخ كا رع” والذي يعتقد أن كان إبناً أو أخاً لإخناتون إلا أنه لا يوجد أى ادلة تكمننا من حسم ذلك الأمر, ومن ثم “نفرنفرو إتن” والتي يمكن أن تكون “نفرتيتي” نفسها أو كبري بناتها من إخناتون والتي كان إسمها “ميريت إتن”.

أمير من العمارنة والذي حمل لقب سمنخ كا رع
أمير من العمارنة والذي حمل لقب سمنخ كا رع

علي أنه لا يمكننا حتي تحديد من حكم قبل الآخر “سمنخ كا رع” أم “نفر نفرو إتن”, وعلي أية حال فقد إنتهت تلك الفترة المقدرة بأربعة سنوات لهؤلاء الملكين أو هؤلاء الملك والملكة ومن ثم حكم بعدهما الملك توت عنخ آمون.

توت عنخ إتن: الصورة الحية لآتون

ولد الملك “توت عنخ آمون” بإسم “توت عنخ إتن” ومعناه الصورة الحية للإله آتون, ومن ثم وبعد سقوط أسرة العمارنة غير إسمه إلى “توت عنخ آمون” ومعناه الصورة الحية للإله آمون معلناً بدأ عصر جديد ستعود فيه الأمور لسابق عهدها, ومن الأدلة التي رأي منها بعض العلماء أن الملك “توت عنخ آمون” هو إبن لملك هو النقش الذي أخذ فيه الملك توت لقب إبن الملك من صلبه, وكذلك كان أحد الادلة الحاسمة علي تغييره لإسمه من “توت عنخ إتن” ل “توت عنخ آمون” هو كرسي العرش الخاص بالملك والذي كان من ضمن مقتنيات مقبرته, فعلي ظهر ذلك الكرسي كتب إسم الملك بداخل خرطوش: “توت عنخ إتن”.

أسم الملك توت عنخ إتن علي ظهر كرسي العرش
أسم الملك توت عنخ إتن علي ظهر كرسي العرش

مما يعني أن ذلك الكرسي نفسه هو الذي تم تتيوج الملك “توت” عليه ومن ثم غير إسمه بعدها, كما أن تتويج الملك “توت” يعني وبلا شك أنه كان واحداً من أسرة العمارنة ومن نسل ملكي.

لغز المقبرة 55

ومنذ إكتشاف آثار تخص الملك توت عنخ آمون بدأ لغز تلك الفترة يزداد تعقيداً فالكثير من الآثار في غير مواضعها, فعلي سبيل المثال فالملك إخناتون بدأ مشروع مقبرة ملكية له في وادي الملوك في فترة حكمه المبكرة عندما كان إسمه “امنحتب” وكانت تلك المقبرة – علي الأرجح- هي المقبرة رقم 55 بوادي الملوك, ومن ثم ومع تركه للعاصمة طيب نجد أنه شيد قبراً آخر له بالعمارنة ولكنه لم يدفن فيه في النهاية.

ومن ثم عثر علماء الآثار في المقبرة رقم 55 علي عدة متعلقات خاصة بفترة العمارنة, كان منها مقتنيات تخص الملكة تي, وكذلك أواني كانوبية لزوجة ملكية للملك إخناتون -بخلاف نفرتيتي- تدعي كيا.

التابوت مكشوط الملامح والإسم بالمقبرة رقم 55
التابوت مكشوط الملامح والإسم بالمقبرة رقم 55

أما اللغز الأكبر فكان تابوت مصنوع من الخشب المطلب بالذهب والمطعم بالعديد من الاحجار, وبداخل التابوت كانت هناك رفات آدمية أثارت دهشة العلماء, ومن الأشياء التي زادت الأمور تعقيداً أن وجه ذلك التابوت قد تم كشطه وكذلك الإسم المكتوب عليه, أى أن تلك الدفنة تم طمس ملامح صاحبها عمداً وهذا يشير وبشدة إلى “إخناتون” نفسه أو علي أقل تقدير لفرد من أسرة العمارنة.

لغز المقبرة 35

بعد ذلك تم الكشف عن خبيئة لمومياوات في غرفة جانبية بالمقبرة رقم 35 والتي تخص الملك “امنحتب الثاني” ومن ضمن تلك الخبيئة تم العثور علي مومياوتين لسيدتان أطلق علي واحدة منهن السيدة الأكبر سناً والثانية الأصغر سناً ولم يستطيعوا تحديد هوية تلك المرأتين, بالإضافة إلى العثور علي مومياء لطفل بداخل تلك الخبيئة ربط العلماء بينه وبين إبن توفي صغيراً للملك أمنحتب الثاني ويدعي “وبن سنو”, ولكن ظلت هوية تلك السيدتين مجهولة تماماً.

وقد ربط العلماء ما بين تلك المومياوات وبين فترة العمارنة حيث كان الملك امنحتب الثاني هو الجد المباشر التلك الأسرة, فولده هو تحتمس الرابع وحفيده هو أمنحتب الثالث والد إخناتون.

اللغز المستحيل لعائلة الملك توت عنخ آمون

مع ظهور تقنية فحوصات الحمض النووي كانت المومياوات المجهولة من مصر القديمة هي محور الإهتمام, فقد إشتمل ذك المشروع علي فحوصات لمومياوات ملوك الأسرة الثامنة عشر – الأسرة الت ينتمي إليها الملك توت عنخ آمون- وتم التركيز عليها فخضع الملك توت عنخ آمون لذلك الفحص, وكذلك خضعت رفات الملك “امنحتب الثالث” للفحص بدورها وبدأ العلماء من تكوين خريطة جينية عن طريق تلك الفحوصات مضاف عليها بقية أفراد الأسرة المعروفين مسبقاً.

عندما جاء دور المومياوات المجهولة وجد العلماء العديد من المفاجئات بإنتظارهم, فعندما تم فحص مومياء السيدة الأكبر سناص ومطابقتها بمومياوات “يويا” و”ثويا” تم تأكيد أن تلك المومياء تخص الملكة “تي” ام الملك إخناتون وبدأت بعض جوانب لغز تلك الأسرة ينكشف رويداً رويداً.

مومياء السيدة الأكبر سناً - الملكة تي
مومياء السيدة الأكبر سناً – الملكة تي

إلا أنه مع الفحص التالي كانت المفاجأة مدوية تلك المرة, فالسيدة الأصغر سناً هي أم الملك “توت عنخ آمون”, وفي نفس الوقت هي إبنة للملك “امنحتب الثالث” والملكة “تي” اى أنها أخت الملك “إخناتون”!

تلك النتيجة كانت تعني شيئاً مهماً وهو ان تلك السيدة ليست “نفرتيتي” بشكل شبه حاسم لانه لا يوجد ولا إشارة واحدة أو دليل واحد ينسب “نفرتيتي” للبيت الحاكم.

وكانت تلك النتيجة تحدي كبير أما العلماء, فلم توجد إبنة للملك “أمنحتب الثالث” والملكة “تي” بتلك المواصفات وإزداد اللغز  تعقيداً وكانت النتيجة النهائية هو تحديد هوية مومياء ام الملك توت عنخ آمون ولسخرية القدر لم يستدلوا لها علي إسم أو عائلة حتي هذه اللحظة.

مومياء السيدة الأصغر سناً
مومياء السيدة الأصغر سناً

اما آخر المفاجئات فكانت نتيجة فحص الرفات الآدمية التي تم العثور عليها بداخل التابوت مكشوط الإسم والملامح في المقبرة رقم 55, وجائت نتيجة الفحوصات إلى وجود صلة قرابة – أب وإبن- بين تلك الرفات وبين الملك توت عنخ آمون, مما يعني أن تلك الرفات تخص الملك إخناتون نفسه.

وعلي الرغم من تلك النتائج والمعطيات المذهلة إلا أنها لم تؤدي إلى مزيد من التعقيد مع بصيص من الأمل مع كشفها لبعض الغموض المحيط بتلك الفترة.

لفتة وفاء أخيرة

ويمكننا أن نلخص تلك المعطيات في القصة التالية والتي هي من بنات إستنتاجات الكاتب:

علي مايبدو أن الملك إخناتون بالفعل قد نوي أن يدفن في مدينة تل العمارنة, ولكن مع تغير الاحداث بعد وفاته نجد أن بعض المخلصين لتلك الأسرة ولربما الملك “توت” نفسه يخطط لنقل مومياء والده إلى مقبرته الأصلية في وادي الملوك, بل أن الأمر إمتد للعناية برفات ومقتنيات أسرته ومنها أمه وجدته وليس أبيه فقط, فنجد أن مقتنيات تلك الأسرة تم جمعها في خبيئتين وهم المقبرة رقم 35 وكذلك 55 والتي كانت المثوي الأخيرة لتلك الأسرة.

من هي أم الملك توت؟

في السطور السابقة تحدثنا عن حسم هوية مومياء أم الملك توت ونسب بنوته إليها, ولكن من هي تلك المرأة إن لم تكن “نفرتيتي”؟

احد أغطية الأواني الكانوبية الخاصة بكيا
احد أغطية الأواني الكانوبية الخاصة بكيا

كما ذكرنا سابقاً فإن أحد مقتنيات المقبرة رقم 55 كانت عبارة عن اواني كانوبية – اواني أحشاء- تخص سيدة تدعي “كيا” وهي زوجة ثانوية للملك إخناتون, والتي لا يوجد غيرها لتكون المشرح الأول لان تكون أم الملك “توت” ولكن المشكلة الأكبر أن “كيا” هذه لم يعرف عنها أنها إبنة للملك “امنحتب الثالث” والملكة “تي”, أى أن ترشيح “كيا” ليس موفقاً, ولكن رغم كل شيء طرح بعض العلماء سؤالاً وجيها, هل غيرت إحدي بنات الملك أمنحتب الثالث إسمها وأطلقت علي نفسها كيا في فترة العمارنة؟ وعلي الرغم من ذلك فلا يوجد ما يؤكد هذا الإحتمال.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *