التخطي إلى المحتوى

لطالما كانت الحضارة المصرية القديمة مدر إلهام للعالم أجمع بدئاً من ملوكاً قدامي مثل الإسكندر الأكبر وأباطرة من العالم الحديث مثل نابليون, لرحالة وشعراء وفلاسفة مثل هيرودوت وأفلاطون وغيرهم، ولكن معرفتنا عن الحضارة المصرية القديمة حالياً يرجع الفضل فيها إلى الطرق العلمية التي إستطاعت إنتشال الحضارة المصرية القديمة من تحت اطنان من رمال الصحراء وقد كانت نقطة التحول في معرفتنا بالحضارة المصرية القديمة هي فك رموز حجر رشيد وبداية التعرف علي اللغة المصرية القديمة من جديد ليخبرنا المصري القديم بنفسه عن حياته واحواله.

وحتي عند تلك النقطية فيختلف الكثيرون في تفسير ما حدث, فالأوساط العلمية تذهب بالفضل إلي جهود الحملة الفرنسية التي غزت مصر وتكلل جهودها باعمال شامبليون في فك رموز حجر رشيد بينما يدعي البعض ان تلك المعرفة كانت موجودة مسبقاً لدي المسلمين فيمتمثلة في شخص يدعي إبن وحشية بينما يذهب البعض بدافع مصري مسيحي إلي نسب كشف شامبليون لقس مصري يدعي “يوحنا الشفتشي”, فما حقيقة الأمر وكيف تم فك هذا اللغز؟

 

كيف إندثرت اللغة المصرية القديمة؟

مما نعلمه الآن أن اللغة المصرية القديمة لم تندثر وإنما تطورت عبر الزمن فنفس اللغة التي كان يتحدث بها المصريون القدماء هي نفسها الآن ما يسمي اللغة القبطية ولكنها مكتوبة بطريقة مختلفة, فالمصريون القدماء كتبوا لغتهم بخطوط مختلفة وهي الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية بالإضافة إلى طريقة كتابة رابعة لنفس اللغة باستخدام الحروف اليونانية ومعها بعض العلامات من الخط الديموطيقي وهي التي عرفت باللغة القبطية لاحقاً, وقد كان ذلك التغير ناتجاً عن عاملين الأول هو توقف العمل بالخطوط القديمة مع عداء الإمبراطورية الرومانية في المرحلة المسيحية للمعتقدات الدينية الأخري وتسميتها بالوثنية ومحاربتها, والآخر هو إنتشار الخط القبطي.

اللغة المصرية القديمة
اللغة المصرية القديمة

وبمرور الزمن ودخول العرب المسلمين إلي مصر ليخلفوا البيزنطيين جاء تغيير جديد بدخول اللغة العربية إلي مصر المقترنة بالدين الإسلامي ومن هنا إنزوت اللغة المصرية القديمة بخطها القبطي إلي كنائس مصر ليصبح في مصر لغتان لازلتا متداولتان حتي الآن.

 

الحملة الفرنسية

مع مجىء نابليون إلي مصر غازياً كان طموحة شبيه بالإسكندر الأكبر الذي كانت مصر من أكبر آماله, أتي نابليون ومعه لجنة علمية في وقت كانت مصر لا تعرف فيه شيئاً تقريباً عن العلوم وبمرور الزمن قد نست كل شيء تقريباً عن ماضيها القديم, وقد شكل مجيء نابليون بونبارت إلي مصر أول محاولة علمية حقيقية لدراسة الحضارة المصرية.

قامت تلك اللجنة العلمية المصاحبة للحملة الفرنسية بعمل توثيقي ضخم وهو موسوعة وصف مصر وكما دونوا ووثقوا فقد نهبوا من الآثار ما طالته أيديهم أيضاً, وقد كان من أهم القطع التي عثر عليها في تلك الفترة هو ما سمي لاحقاً بحجر رشيد, والذي تم العثور عليه في قلعة الأشرف قايتباي في مدينة رشيد المصرية, وقد كان ذلك الحجر في الأساس عبارة عن مرسوم ملكي من العصر البطلمي وقد تم إعادة إستخدامه لاحقاً في أساسات القلعة, وهي ممارسة معروفة منذ عصور سابقة بإعادة إستخدام أحجار الآثار القديمة لأسباب مختلفة أهمها سهولة إستخدامها بدلاً من جلب الأحجار من المحاجر.

حجر رشيد

كان المميز في حجر رشيد هو انه يحتوي علي ثلاثة أقسام مختلفة, القسمان بالأعلي مكتوبان باللغة المصرية القديمة لم يستطع أحد قرائتهما بينما بالأسفل يوجد نص مكتوب بالونانية إستطاع الجميع قرائته وقتها, وقد كان ذلك النص عبارة مرسوم ملكي صدر في مدينة منف نيابة عن الملك “بطلميوس الخامس”, وظل الجزء العلوي باكمله مجهول للجميع.

حجر رشيد ونصوصه الثلاث
حجر رشيد ونصوصه الثلاث

وهنا ظهرت فكرة منطقية وهي أن الحجر عبارة عن تكرار للمرسوم ولكنه بلغات مختلفة, وهو ما اثبت صحته لاحقاً حيث أن الجزء العلوي كان يحتوي عل نفس النص مكتوباً بالخط الهيروغليفي متبوعاً بنفس النص مكتوب بالخط الديموطيقي , أى ان حجر رشيد كان يحتوي علي لغتان ” المصرية القديمة واليونانية” , ثلاثة طرق كتابة: إثنان للغة المصرية القديمة وهم الهيروغليفية والديموطيقية ,وثالثة وهي اليونانية.

وقد كانت هناك معارف متراكمة من محاولات سابقة غير ناجحة سبقت شامبليون ولكنها ساعدت في عملية البحث علي أية حال, بينما في عصر شامبليون كانت هناك منافسة شرسة بينه وبين طبيب بريطاني يدعي “توماس يونج” وكان كلاهما يحرزان تقدماً مذهلاً بمرور الوقت.

فك اللغز

كانت طريقة فك رموز حجر رشيد بسيطة للغاية, فالنص يحتوي علي إسمان : كليوباترا وبطلميوس والقاعدة اللغوية تقول بان الأعلام لا تترجم فمما لا شك فيه أن طريقة وحروف كتابة تلك الأسماء ثابتة في كل اللغات , ومنها نستطيع إستخراج تلك الأسماء من النصوص واستخلاص حروفها وطريقة كتابتها من اللغة المصرية القديمة, وقد ساعد في ذلك أن تلك الأسماء هي أسماء ملكية كانت توضع بداخل دائرى بيضاوية تسمي “خرطوش” يوضع به أسماء الملوك والملكات.

ومن هنا بدأ الإقتراب من حل اللغز بفك رموز تلك الأسماء وترجمتها بشكل صحيح وقد حاز شامبليون علي سبق الكشف عن حل اللغز في النهاية في ابريل من 1823, وقد سبق شامبليون الجميع في الإعلان وعلي ما يبدو أنه لو كان تأخر قليلاً لأعيد كتابة التاريخ بإسم توماس يونج وقتها.

وقد ساعد شامبليون درايته باللغة العربية وكذلك القبطية (المصرية القديمة) وعدة لغات أخري, وقد قام شامبليون أيضاً بالربط الصحيح بين منطوق اللغة المصرية القديمة وبين منطوق القبطية وإستطاع إستخلاص أقرب نطق ممكن للكلمات القديمة التي تغيرت بمرور الزمن وإختلاف اللهجات التي طرأت علي اللغة المصرية القديمة.

وهنا طويت صفحة مهمة بدأ فيها المصري القديم في الحديث عن نفسه عوضاً عن خرافات وأساطير العالم القديم وتراث الشعوب وخرافاتها عن حضارة مصر.

المحاولات قبل شامبليون

علي الرغم من ان شامبليون كان صاحب الكشف بالفعل وهو الذي تكللت جهوده بالنجاح في النهاية إلا أن ذلك لا يعني أنه كان أول من حاول ذلك, ففي الألفية التي سبقت شامبليون حدثت العديد من المحاولات التي سبقته والتي لم يكلل أى منها بالنجاح لأسباب مختلفة فنحن نعلم علي سبيل المثال من بعض المخطوطات التاريخية مزاعم تقول  بمحاولات علي يد جابر إبن حيان, ذو النون المصري, إبن وحشية النبطي وكذلك أبو القاسم العراقي, وقد كان هناك حاجزاً بين هؤلاء الباحثين وبين طريقة القراءة الصحيحة سنعلم عنه لاحقاً في هذا المقال.

سلفستر دي ساسي
سلفستر دي ساسي

بداية من القرن الرابع عشر بدأت محاولات أخري في أوروبا  في عصر النهضة مثل نيكولو دي نيكولي , بوجيو بارتشويليني وكذلك فرانشيسكو كولونا, أما أول أوربي إستطاع الربط بين اللغة القبطية والمصرية القديمة هو القس أثاناثيوس كيرشر , وقد تطور الأمر في القرن الثامن عشر لمحاولات جدية علي يد عالم اللغويات الفرنسي سلفستر دى ساسي الذي إستطاع فك رموز البهلوية في عام 1787, ومن ثم وجه جهوده للغة المصرية القديمة وإستطاع قراءة أسماء مثل الإسكندر وبطلميوس وأرسينوي ولكن كانت محاولاته متركزة علي الخط الديموطيقي, أكربالد ودى ساسي ومن ثم شامبليون وتوماس يونج في نهاية المطاف ليحصل شامبليون علي السبق.

 

لماذا يدعي البعض ان شامبليون لم يفك رموز حجر رشيد؟

هناك ظاهرة متكررة الحدوث في المجتمعات المعاصرة وهي باختصار تنتظر أن يتم الكشف أو الإعلان عن كشف ما ومن ثم يظهر هؤلاء بفرضيات تقول بأن هناك من بين ظهرانيهم من إستطاع تحقيق ذلك الإنجاز في عصور سابقة, ولم يكن فك رموز حجر رشيد باستثناء فظهرت بعض الأـصوات تقول بانه هناك من سبق شامبليون لذلك الكشف.

وحقيقة الأمر ان ذلك لن يغير من الأمر في شيء , فمن إجتهد ونجح يستحق أن ينسب له الفضل وهذا لا يختلف عليه أحد ولا يستطيع أحد ان يحرم باحثاً من ثمار نجاحه, ولكن ما يحدث أن تلك المزاعم تظهر دوماص بعد الكشف ومن ثم تضع بعض المعطيات الواهية وأحيانا ً المضحكة لتثبت وجود سبق وهمي في الماضي لاناس يعتبرونهم منتمين إليهم بشكل ما، ودوماً تظهر تلك الأقاويل بعد الكشف, أما قبله فهم وباحثوهم صامتون تماماً لا وثائق ولا كشوف, ولا يوجد أبلغ علي ذلك من إثنان من المزاعم التي تنسب ذلك الكشف لشخصيتان مختلفتان من ايدولوجتين مختلفتين.

إبن وحشية النبطي

وهو أبو بكر أحمد بن علي بن قيس بن المختار بن عبد الكريم بن حرثيا بن بدنيا ابن بوراطيا الكزداني المعروف أيضا بابن وحشية النبطي الذي عاش في عصر الدولة السابعة حوالى القرن التاسع الميلادي والذي كانت له العديد من المؤلفات التي لم ينجو معظمها كان أهمها كتاب الفلاحة النبطية, وكان لإبن وحشية إهتمامات خاصة بالألسنة القديمة للازمنة الغابرة, كما كان لإبن وحشية إهتمام خاص بالسحر والشعوذة مما جعل إبن النديم يصنفه مع المشعوذين والمعزمين والسحرة وذلك يظهر في أسماء بعض مؤلفاته التي نجت بالإسم فقط مثل السحر الصغير والسحر الكبير وطرد الشياطين, وفي عام 1806 نشر الباحث النمساوي “جون فون هومر” نصاً لإبن وحشية من ضمن كتابه شوق المستهام في معرفة رموز الأقلام وهو مخطوطة ضمن كتاب كان إبن وحشية يبحث فيه في لغات وألسن قديمة ومنها المصرية.

محاولة إبن وحشية
محاولة إبن وحشية

وقد تضمنت تلك المخطوطات رسوم لترجمة اللغة المصرية القديمة, وكانت تلك المخطوطات هي سبب ظهور أصوات تنسب فك رموز اللغة المصرية القديمة إلى إبن وحشية ومن ثم تنزع الكشف من شامبليون وتنسبه لإبن وحشية تحت مسمي “عالم عربي مسلم”, وعلي الرغم من ذلك الإدعاء فلم نجد أحداً من عصر إبن وحشية أو بعده قد إستطاع قراءة اللغة المصرية القديمة بل أن المخطوطة نفسها لا تحتوي علي قراءة للغة المصرية القديمة من الأساس.

البحث في تلك المخطوطة نفسها يدحض تلك الاكاذيب وينسفها نسفاً ويثبت إعتمادها فقط علي العناوين البراقة, فما فعله إبن وحشية هو مجرد محاولة غير ناجحة لفك رموز اللغة المصرية القديمة وقفت ثقافته أمام ذلك عائقاً, فقد قام إبن وحشبة بتبني الفرضية المشهورة في ذلك العصر وهو أن اللغة المصرية القديمة عبارة عن رموز وطلاسم سحرية تقود لكنوز وهمية وقد قام بكتباة مخطوطته عن طريق وضع قوائم بأسماء ملوك مصر الخرافيين كما عرفهم العرب ووضع قائمة لرموز وشفرات كنوز تلك الملوك, أى أنه قام بجداول من الأبجدية كل جدول منها خاص بملك خرافي بعينه نسبه لمصر, فلم تكن تلك المحاولة مستندة علي أي اسس علمية ولا أى إستدلالات منطقية وهو ما كان طبيعياً نظرا للمعرفة المتاحة وقتها, ولكن ما حدث أنه في العصر الحالي يجري محاولات لتضخيم ذلك الأمر فقط لإعلاء نعرات عرقية تزعم بتفوق وضعوا عنوان “عربي مسلم له”.

 

يوحنا الشفتشي

علي جانب آخر وكما ذكرنا لإغن هناك إسماً آخر يظهر في ذلك الصراع وهو “يوحنا الشفتشي” وخلاصة تلك الأصوات تقول بأن شامبليون قد تعلم القبطية علي يد قس مصري سافر لفرنسا يدعي “يوحنا الشفتشي” وأن “يوحنا” هو من علم شامبليون فك رموز حجر رشيد وأن شامبليون نقل ذلك منه فقط، وتزعم نفس الأصوات أن “يوحنا” قد سافر لفرنسا بعد جهوده في مساعدة الحملة الفرنسية علي مصر, إذن فما يقوله هؤلاء أن القس “يوحنا” قد ساعد الفرنسيين في مصر ولكنه لم يقرأ الهيروغليفية لهم ولكنه فعل ذلك لاحقاً بعدها بسنوات مع شامبليون!

وحقيقة الأمر أن ما حدث أيضاً يتشابه مه ما تم إثارته بشان إبن وحشية ولكن هذه المرة تحت مسمي “مصري مسيحي” في واقعة تكاد تتطابق مع إختلاف الأيديولوجيات.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *