الى نابخوروريا (إخناتون) الملك العظيم ، ملك مصر
، أخي ، هكذا يقول آشور ابالط ، ملك بلاد آشور ،
الملك العظيم ، أخوك ، أتمنى الصحة الجيدة لشخصكم واهلك وبلادك ،
أنا رأيت سفرائك ، أنا فرحت بهم كثيرا .
لقد أرسلت عربة [ ممتازة ] مع عد خيولها ، و زوج من الخيول
البيضاء ومعهم عربة بدون عدتها وختم واحد من حجر الالزورد
قد أرسلتها هدية للملك العظيم ، الذهب في بلادك مثل التراب ،
بسهولة الشخص يجمعه ، لماذا أنت مقتصد به هكذا ؟ أنا مرتبط حاليا ببناء
قصر جديد ، أرسل لي ذهبا أكثر ألني احتاجه لتزين القصر .
عندما أبي( آشور- نادين- آخي )  كتب إلى مصر ، أرسل له 20 طالنت من الذهب
عندما كتب ملك خانيكلبات  إلى أبيك في مصر،, هو أرسل له 20 طالنت من الذهب
لكن أنت أرسلت لي ….. من الذهب، وهي ليست كمية كافية لدفع أجور رسلي في سفرهم ذهابا وإيابا .إذا كان غرضكم الصداقة والعطف ، أرسل لي ذهبا أكثر.

من رسائل العمارنة

“الذهب في بلادك مثل التراب” كانت تلك الجملة أبرز كلمات رسالة ملك آشور إلى ملك مصر إخناتون وقتها, ففي تلك الفترة – ذروة الأسرة الثامنة عشر- كان الذهب مثل التراب في مصر بالفعل وكانت تغدق منه علي حلفائها حتي وصلت الإمبراطورية لأقصي إتساع لها.

كيف إستخرجت مصر الذهب وحصلت عليه بهذه الكميات المهولة؟ في هذا المقال سنحاول تتبع تلك الرحلة الذهبية

أين الذهب؟

مع كل كشف أثري علي أرض مصر تتراوح التعليقات ما بين مندهش ومبهور ومهنيء ولكن علي وجه الأخص تظهر بعض التعليقات والتي تسأل عن وجود الذهب والمقتنيات الذهبية, وهو تساؤل لا بأس به ولكنه يعكس أمراً في غاية الأهمية وهو أنه هناك الكثيرون يظنون أن علم الآثار أقصي طموحات العاملين به هو العثور علي مقتنيات ذهبية, وعلي الرغم من ذلك فإن بعض المقتنيات البسيطة قد تثري معلوماتنا عن التاريخ المصري أكثر من مجموعة كنوز كاملة , وحقيقة الأمر ان هذا ما اعتقده المصريون في العصور الوسطي وليس هم فحسب بل الغالبية العظمي من المنبهرين بمصر.

فقد بهرتهم الكشوف الثمينة والمباني العظيمة فظنوا علي سبيل المثال أن ابو الهول وغيره من التماثلي العملاقة هي فقط مجموعة من الحراس للكنوز التي خبأها السحرة, وفي تلك الفترة أيضاً نجد أن المصريين قد منعوا السائحين وقتها أن يأخذوا حتي الأحجار المنقوشة لاعتقادهم ان هؤلاء الأجانب يمكنهم إستخلاص الذهب من الأحجار, وعلي الرغم من ذلك فإن أخبار العثور علي أى كشف “ذهبي” تطير وبسرعة البرق إلى جميع أنحاء العالم, ألا تري معي أن قيمة الذهب النقدية قد شوهت الآراء؟

أهمية الذهب في مصر القديمة

تصف النصوص المصرية الآلهة المصرية بأنهم مخلوقون من الأحجار الكريمة والمواد النفيسة, فلحومهم من ذهب وظامهم من فضة, تفوح منهم رائحة البخور الذي كان يستعمله الكهنة في الطقوس وشعورهم من اللازورد.

كان الذهب في مصر القديمة من أثمن المواد, إلا أن قيمته العظيمة لم تم لأعتبارات إقتصادية أو عملية, وذلك لأنه مادة الشمس ولحم الآلهة وهو الذي أنبثقت منه الآلهة كلها, وقد كسيت تماثيل الآلهة في مصر القديمة بالذهب, إن لم تصنع من الذهب, وقد استخدم المصري القديم رقائق الذهب في تغطية قمم المسلات والمعابد وكذلك في الطقوس الدينية والنقوش ذات الصور المقدسة.

وقد كان المصري القديم يعتقد أن الإلهة “حتحور” هي تجسيد الذهب, وهو ما لا يزال متوارثاً في المجتمع المصري حتي الآن, فشهور هاتور ماهو إلا إسم الإلهة حتحور التي لا يزال يربطها المصريون بالذهب حتي الآن عندما يقولوا: “هاتور أبو الذهب منثور”.

الإلهة حتحور تجسيد الذهب
الإلهة حتحور تجسيد الذهب

أحد الألقاب الملكية المصرية هو “حر نوب” ويعني “حورس الذهبي”, وقد أطلق المصريون القدماء إسم “بيوت الذهب” علي أماكن صناعة تماثيل “الكا” أو القرين , وكذلك اماكن التحنيط وغرف التوابيت بالمقابر الملكية, إلا أن الذهب في مصر القديمة لم يكن مرتبطاً فقط بالحياة الأخري  فنجد أنهم صنعوا منه الحلي والمصاغ وكذلك كانت قلادة الذبابة الذهبية من أشهر قلادات وأوسمة الجنود في مصر القديمة.

 

كيف إستخرج المصريون القدماء الذهب؟

إستخرج المصريون القدماء الذهب منذ أقدم العصور وتظهر آثار ذلك منذ عصر ما قبل الأسرات, وإستمر التعدين في أنجاء الصحراء الشرقية لآلاف الأعوام حتي عصر الدولة الحديثة والذي إمتدت فيه مناجم الذهب في مصر إلى النوبة القديمة أيضاً, وقد ترك المصريون حوالي 120 محطة ومنجم ومكان لإستخرج الذهب في الصحراء الشرقية, وقد كان المصريون يعتمدون علي التعدين الغريني بداخل مصر , وخارجها في النوبة إتبع المصريون تعدين الوريد, كان الكوارتز المحمل بالذهب في قلب الجبال الشرقية والجنوبية في مصر والنوبة, وكان المصريون يكسرون الصخر ويغسلوه ومن ثم يتم جمع الذهب منه تراباً ويوضع في أكياس جلدية, وبعد ذلك يتم صهره وتحويله إلى قوالب مستطيلة أو حلقات, أما عن تصنيع الذهب فقد شكله المصريون بعدة طرق أولها كان الطرق والتشكيل باستخدام المطرقة والسندان ومن ثم تم إستخدام النار لصهر الذهب ووضعه في قوالب, ومن المثير للإهتمام أن تشكيل الذهب وصناعته كانت تعتمد في وقت ما علي الأقزام في مصر القديمة لاستطاعتهم تشكيل الذهب باناملهم الصغيرة وبكل سهولة.

صناعة الذهب في مصر القديمة
صناعة الذهب في مصر القديمة

وفي 6 ق.م نجد المؤرخ ديدور الصقلي يقول أن أحد اساليب التعدين في مصر كانت الصدمة الحرارية التي تعتمد علي اشعال النار بالصخور لتضعيفها وسهولة كسرها, ومنذ الدولة القديمة ومصر كانت أكبر منتجي الذهب في العالم وفي الدولة الحديثة تطور الأمر لتصبح مصر القديمة أكبر مصدر للذهب في العالم.

وفي ذروة الدولة الحديثة كانت مصر تفرض ضرائب من الذهب علي رعاياها الأجانب للوصول للإحتكار الكامل من قبل الحكومة لذلك المعدن النفيس , وكذلك تم جلب الذهب من بلاد بونت بالسفن, بالإضافاة إلى الهدايا السنوية التي تأتي إلى القصر الملكي من الإمارات التابعة لمصر في افريقيا (النوبة القديمة).

ومن المثير للإهتمام أن أقصي إتساع وصلت له الإمبراطورية المصرية لم يكن بالعمليات العسكرية فحسب, ولكن بالذهب, ففي عصر الملك امنحتب الثالث أصبحت الهدايا الدبلوماسية – من الذهب- هي طرق مد جسور الصداقة وضمان إذعان رعايا الإمبراطورية المصرية.

أما الحاجة لتكديس كميات من الذهب في مصر القديمة كان له سبب مباشر ولم يكن لإهتمام المصريين بالكنوز, ولكنهم راوا طمع جيرانهم وإقبالهم علي الذهب بشكل ملحوظ فأصبحت مناجم الذهب مقياساً للقوة في ذلك العصر, وقد أخبرتنا رسائل العمارنة (وهي مجموعة مراسلات بين مصر وحلفائها ورعاياها في عصر أمنحتب الثالث حتي عصر توت عنخ آمون, وكان معظمها في عصر أمنحتب الثالث والرابع) بأن طلبات هؤلاء الآسيويين كانت بالغة القيمة.

موظفي إخناتون يغشون الذهب

ومن المثير للإهتمام معلومة أخبرتنا بها أحد رسائل العمارنة وهي عملية غش الذهب,. وهي رسالة من ملك بابل في عصر الملك أمنحتب الرابع “إخناتون” يقول فيها: يجب ألا بعهد أخي إلى موظف بالذهب الذي يرسله لي, بل يجب أن براه أخي بعينه معبئاً ومختوماً قبل السفر, لأن الذهب الذي أرسله لي أخي, والذي عبأه وختمه موظف لديه كان من نوع رديء.

قام موظفي إخناتون بغش الذهب, إلا ان هذه كانت جريمة أقل من لصوص المقابر الذين أغاروا علي مقابر وادي الملوك في آواخر عصر الرعامسة (الاسرة العشرون) ونهبوا كل مقابرها وذهبها, علي أن صدي إمتلاك مصر لتلك الثروة الهائلة قد إمتد للعصور اليونانية والرومانية فنجد بعض الإغريق المتمصرون يذكرون أن جميع الأسري بمصر مقيدين بسلاسل من ذهب.

تأمين المناجم

في عصر رمسيس الثاني نجد تقليداً مهماً قام به رمسيس كما قام به أبوه سيتي الأول من قبل, وهو تأمين إستمرار الآبار المرتبطة بالمناجم في الطرق الصحراوية من كوبان وإدفو إلى مواضع الكوارتز المحمل بالذهب, وذلك لأن عدم وجود تلك الآبار يعني إنقطاع عمال المناجم وبالتالي توقف عملية التعدين, ومن أشهر تلك الوقائع هي ما دونه رمسيس الثاني علي لوحة كوبان والتي تعود للعام السادس تقريباً من حكمه والتي قام فيها بنفسه بافتتاح ومباركة ذلك البئر.

حياة العمال في المناجم

إختلفت حياة العمال في مصر باختلاف العصور, ففي العصور المصرية القديمة , ومثال عليها عصر ملك مثل رمسيس الثاني نجد انه قد أغدق بالغالي والنفيس علي عماله وأعطاهم ما يزيد عن حاجتهم وكانت تلك قاعدة ثابتة علي كل العمال والحرفيين والفنانين وليس طائفة بعينها.

أما في العصور اليونانية الرومانية والتي فقدت فيها مصر الحكم الوطني فنجد الكاتب الاغريقي “أجارثار خيديس” يصف الظروف الشاقة للعمل في المناجم, فالجنود والضباط مسئولين عن العمليات لصالح الدولة بشكل حصري, أما عن ظروف عمال المناجم الذين كان منهم قطاعاً كبيراً من المحكوم عليهم والمدانين فكانت مفزعة وقاسية في المناجم البلطمية في وادي الحمامات ويسترسل قائلاً “توجد ممرات قديمة بالغة الضيق حتي ان الطفل الصغير أو الأشخاص الذين أصبحوا هياكل عظمية هم من يستطيعون الزحف خلال تلك الأنفاق بخلاف رحلتي الذهاب والإياب خلال الصحراء قاتلة”.

أقدم خريطة جيولوجية في العالم

في متحف تورين للآثار المصرية بإيطاليا تقبع خريطة مصرية قديمة تحمل إسم “بردية تورين التعدينية”, وهي أقدم خريطية جيولوجية ذات أهمية طبوغرافية في العالم القديم, وقد حصل عليها لصالح متحف تورين الدبلوماسي الإيطالي “برناردينو دروفيتي” أحد أشهر لصوص الآثار في عصر محمد علي هو ومواطنه “جيوفاني بلزوني” واللذان تناوبا علي نهب الآثار المصرية بوحشية مفرطة.

لربما يعود مكان إكتشاف تلك البردية لقرية دير المدينة الشهيرة التي كانت مسكن للعمال بناة مقابر وادي الملوك, وقصة تلك البردية تعود لعصر الملك “رمسيس الرابع” عندما أرسل بعثة تعدينية إلى وادي الحمامت في الصحراء الشرقية للحصول علي أحجار لإستخدامها في صناعة تماثيل الملك.

خريطة آمون نخت
خريطة آمون نخت

وقد عرفنا من قام بتدوين تلك البردية وهو كاتب وموظف مصري يدعي “آمون نخت” ومن المثير للإعجاب أنه قام بشرح تلك الخرطية كما يفعل البعض اليوم, فكان يضع ملحوظات قصيرة تقول:” تلال وجد فيها الذهب”, “تلال الذهب والفضة”, وعلي ما يبدو فإن آمون نخت كان له نظرة جغرافية تخطيطية كما تشير لوثيقة أخري قام هو بكتابتها وهي عبارة عن رسم بياني كامل لمقبرة الملك “رمسيس الرابع” في وادي الملوك.

أشهر الكنوز الذهبية

كنوز تانيس
كنوز تانيس

كذلك كنز الملكة “حتب حرس” أم الملك خوفو, كنوز زوجات تحتمس الثالث وبنات الملك سنوسرت الثاني وكذلك كنوز تانيس وعلي رأسها اقنعة تانيس الذهبيةوأشهرها قناع الملك بسوسنس الأول.