التخطي إلى المحتوى
كيف انتهت حضارة مصر القديمة؟
كيف انتهت حضارة مصر القديمة؟

من الموضوعات الشائعة والمترددة بقوة هي نهاية الحضارة المصرية القديمة، كيف انتهت؟ وأين ذهبت علوم المصريين القدماء؟ بل وكيف أصبح مجتمع مصر الحالي مختلفاً عن أسلافه القدماء؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه باختصار غير مخل في هذا المقال.

أحفاد المصريين القدماء

من الموضوعات الشائكة محاولات الربط بين المصريين القدماء والمصريين الحاليين، فالبعض يظن أنه لا يوجد رابط بينهما وأن الحضارة توقفت عند نقطة ما وانتهت من الوجود وحل محلها أقوام آخرون هم المصريون الحاليين، بقدر ما يحمله هذا الاعتقاد من مغالطات إلا أنه يبدو ذو منطق متماسك ظاهرياً مما يكسبه أرضية واسعة سواء في القبول أو الانتشار أو حتى ترديد الناس له حتى أصبح بمثابة حقيقة راسخة.

في واقع الأمر فإن لذلك أصل في التراث العربي من مرويات وفولكلور شعبي كان يتردد في شبه الجزيرة وانعكست أصداؤه في ربوع مصر بأكملها – على سبيل المثال- ولمن لا يعلم، فالمرويات العربية هي التراث المدون لدى العرب عن حضارة مصر القديمة، قدموا تفسيراً لكل شيء بدئا مما قبل الطوفان وحتى نهاية الحضارة المصرية التي وضعوا جدها النهائي عند فرعون موسى، كيف حدث ذلك يا ترى؟

التاريخ الخرافي لمصر

تزعم المصادر العربية وروايات الإخباريين الخرافية من الفولكلور الخيالي العربي أن حضارة مصر انتهت نسبيا بغرق فرعون وجنوده، حيث أن جميع الرجال قد غرقوا معه في اليم وتبقى النساء والعبيد والأجراء, وتمضى الروايات إلى أن الناس (لم يصبرن على الرجال) فأعتقن عبيدهن واجرائهن وتزوجنهن، حتى تكون مجتمع تامر فيه الرجال النساء، وكان ذلك تحت حكم شخصية خيالية تدعى “دلوكة” بمساعدة ساحرة تدعى “تدورة” بنت لها البرابى (المعابد) بالسحر وخلفها على العرش البعض من نسلهم حتى ظهرت فارس والروم وتصارعا على حكم مصر وكانت الغلبة للروم حتى ظهر العرب ودخلوا مصر.

هذه الخرافات وغيرها كانت المسيطرة والسائدة لمئات السنين قبل تأسيس علم المصريات وكان هذا ما كتبه حتى بعض المصريين عن بلادهم وهو ما خلق تصوراً ذهنيا ينفصل فيه المصري الحالي عن المصري القديم ( الذى تم تصنيفه من أتباع فرعون موسى)، ومن هنا نشأ تحقير تلك الاجناس للتاريخ المصري القديم ومن ثم تحقير المصري نفسه لتاريخه فيما بعد وانفصاله عنه بل ورفضه له.

اللغة المصرية القديمة

أهم العوامل التي ساعدت المصري القديم على حفظ حضارته كانت الكتابة ومن ثم التدوينـ تدوين كل شيء تقريبا لدرجة اننا نجد آثاراً تحوى احداثا غير مهمة مثل احتفال شخص بختانه، او حتى امرأة تتحدث عن أخرى فتقول “ان من كانت ترى وجهها في الماء أصبحت من مالكي المراياً”، لم يترك المصري القديم شيئا إلا ودونه.

اللغة المصرية القديمة
اللغة المصرية القديمة

كان للقدماء لغة أطلقوا عليها :كلام الإله، وكذلك أسموها: لسان مصر وتلك اللغة كان يتم كتابتها بخطوط كتابية مختلفة وكانت: الهيروغليفية، الهيراطيقية، الديموطيقية ثلاث خطوط كتابية للغة المسماة  كلام الإله او لسان أهل مصر، والتي نطلق عليها حديثاً اللغة المصرية القديمة.

وهى لغة مستقلة تعتمد في كتابتها على علامات يتم رسمها، فينطق بعضها بصوت واحد مثل البومة والتي تشكل الصوت “م”، او العقاب والذى يشكل الصوت “آ”، وعلامات أخرى ثنائية الصوت مثل “عا” وتعنى عظيم، وعلامات أخرى ثلاثية الصوت مثل “عنخ” وتعني حياة.

كتبت تلك اللغة بشكل مفصل بعلامات كاملة في الخط الهيروغليفي لأنه كان الخط الذى تدون به جداريات المعابد والمقابر، اما الخطين الهيراطيقيى والديموطيقى فكانت نفس العلامات ولكن بشكل مختصر لتسهيل الحياة اليومية، فمن غير المعقول أن يكون هناك مشرفاً على شونة غلال مثلا سيمضى وقته فى تدوين عمله بالخط الهيروغليفي، لا بد من التبسيط حتما.

الخلاصة مرة أخرى: لغة واحدة وثلاث خطوط كتابية لتلك اللغة.

الإسكندر وخلفاؤه

مع دخول الإسكندر الأكبر إلى مصر كان انبهاره بالحضارة المصرية واضحاً وتمكن ببراعة سياسته من استمالة المصريين ناحيته بعد تخليصهم من الفرس  وإعلانه اعتناق الديانة المصرية القديمة، بل أنه زعم أن ابن للإله آمون سيد آلهة مصر القديمة، تمكن الإسكندر أخيراً من الوصول إلى عرش مصر وهنا حدثت نقطة فارقة لم تتكرر في تاريخ مصر وهى جلوس أجنبي على عرش مصر بموافقة شعبها.

كانت توابع فترة حكم الإسكندر هو دخول الثقافة اليونانية الرومانية إلى مصر، ولم يحدث امتزاج ثقافي فحسب وإنما امتزاج ديني فامتزجت الآلهة المصرية القديمة بنظيرتها الإغريقية وأصبحت ديانة مصر أوسع مما كانت في الماضي، بل أن المدن المصرية القديمة تم إطلاق أسماء إغريقية عليها فعلى سبيل المثال فتحول اسم مدينة أون إلى هليوبوليس (عين شمس حالياً)، وأصبحت واست ديوسوبليس او طيبة ( الأقصر حالياً)، تحول اسم مصر من كمت إلى أيجوبتس (مسمى إغريقى) وأصبح المواطن الكمتى (نسبة إلى كمت وهى مصر قديما) المواطن الإيجوبتى نسبة إلى (أيجوبتس).

بعد وفاة الإسكندر الأكبر كانت مصر من نصيب واحد من جنرالاته وهو بطلميوس الأول، الذى أسس ما يعرف بحكم البطالمة في مصر والذى انتهى بالملكة كليوباترا السابعة، شهدت تلك الفترة تغيراً أكبر وهو محاولة الإغريق فرض لغتهم اليونانية على مصر، وعلى إثر ذلك حدثت ظاهرة غريبة نوعا ما.

الاسكندر الأكبر وخلفاءه
الاسكندر الأكبر وخلفاءه

قام المصريون بابتكار خط كتابي جديد، وهو عبارة عن الحروف اليونانية مضافة إليها سبعة علامات من الخط الديموطيقى وتم إطلاق اسم: الخط الإيجوبتى على تلك الطريقة الكتابية وهو ما عرف لاحقاً باسم الخط القبطي.

خلاصة القول أن تلك الفترة كانت مصر لا تزال تتحدث لغتها القديمة ولكنها تكتبها الآن بأربعة خطوط مختلفة: هيروغليفي، هيراطيقي، ديموطيقي، قبطي.

الرومان والعرب وسطور النهاية

انتهى حكم البطالمة بمصرع كليوباترا وهزيمة القائد أنطونيوس على يد أوكتافيوس الروماني الذى نصب نفسه إمبراطورا تحت اسم “أغسطس”، لتصبح مصر ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية، ومع هذا التحول الدرامي للشعب المصري أصبحت مصر في سلسلة من المحن، فكان نتيجة تلك الفترة هي تزايد نسبة الأمية بين عموم الشعب المصري.

نسيان الخطوط الكتابية القديمة (هيروغليفى، هيراطيقى، ديموطيقي) مع شيوع الخط القبطي واستخدامه بكثرة في معظم المعاملات، أما دينيا فلم يتخلف الوضع فكانت الإمبراطورية الرومانية تضهد المسيحيين في البداية الذين وجد الكثيرون منهم ملاذا في مصر فهربوا إليها.

ومع تحول الإمبراطورية الرومانية نفسها إلى المسيحية أصبحت تخوض حرباً دينيا على كل ما هو غير مسيحي، فأصبحت تطارد معتنقي الديانة المصرية القديمة وتصفهم بعبدة الشياطين والأرواح الشريرة، حتى كانت سطور النهاية بالمرسوم الإمبراطوري الذى أغلق معبد فيلة ( أسوان) وأعتقل كهنته وأخذت التماثيل إلى روما، كان هذا المرسوم هو الفصل الحاسم في حرب روما ضد ما أسمته بالوثنية وهو التعبير الذى استخدموه لوصف المخالفين لعقيدتهم.

الرومان والعرب وسطور النهاية
الرومان والعرب وسطور النهاية

مع ظهور نجم العرب المسلمون وظهورهم كقوى على الساحة قاموا بدخول مصر بقيادة عمر ابن العاص في عهد الخليفة عمر ابن الخطاب، ولم يختلف الوضع ثقافيا كثيراً عما كان عليه في عصر الرومان فلا تزال الديانة المصرية القديمة من المحرمات والخط القبطي أصبح هو الطاغي على استخدامات المصريون وتعاملاتهم اليومية بينما اللغة لا تزال متداولة ومنطوقة، حتى كان تعريب الدواوين لاحقاً والذى فرض اللغة العربية في التعاملات اليومية للمصريين مما قلل من استخدام الخط القبطي واللغة نفسها فأصبحت شائعة في مناطق محدودة وكذلك في كنائس مصر، ومع تحول الكثير من المصريون إلى الإسلام أصبحت لغة المصريين وثقافتهم هي العربية، وورثوا معها ما ذكرناه سابقاً من الأساطير الشعبية وخرافات شبه الجزيرة عن تاريخ مصر.

ساهم في ذلك انعدام قراءة الخط الهيروغليفي والهيراطيقى والديموطيقي وهى الخطوط الأصلية للحضارة المصرية القديمة والتي تمكن قراءتها من معرفة كل شيء دونه المصريون القدماء.

مع فك رموز حجر رشيد، استطاع العالم الفرنسي شمبليون إعادة قراءة الخط الهيروغليفي كبداية واعتمد على منطوق اللغة الذى لا يزال متداولا كما ذكرنا سابقا، ومع تطور علم المصريات والأبحاث المكثفة استطعنا التوصل لأقرب نطق للغة المصرية القديمة بلهجاتها القديمة.