التخطي إلى المحتوى

في أكتوب من العام 1830 تبحر سفينة الشحن الشراعية “بياتريس” من ميناء الإسكندرية متجهة لميناء ليفربول في بريطانيا, وبعد أيام تصل إلى ميناء مالطة في وقفة تعبوية وتتحرك مرة أخري لوجهتها النهائية ولم يلبث البحر أن انقلب وهاج وماج في عاصفة عاتية أغرقت السفينة ومن وما عليها لتستقر في قاع البحر حتي يومنا هذا.

لربما كان هذا الخبر معتاداً في تلك الفترة من الزمن ولكن تلك السفينة كانت تحمل شحنة ثمينة للغاية, مائتي صندوق من المقتنيات والآثار المصرية والأهم من هذا كله  تابوت الملك “من كاوو رع” مشيد الهرم الأصغر بالجيزة, لنعرف تفاصيل تلك القصة سنعود بالزمن للوراء حوالي 185 سنة لنفهم كيف ضاع ذلك الكنز الثمين

محمد علي باشا والعصر الذهبي لسرقة الآثار

مع إرساء الوالي العثماني “محمد علي باشا” لدعائم حكمه في مصر كان من ضمن سياساته إستقطاب الأوربيين لمصر للإستفادة من خبراتهم وكذلك خلق علاقات طيبة مع الدول الكبري وقتها مثل بريطانيا وفرنسيا وغيرهم, وكانت وسيلة محمد علي وقتها في إستقطابهم هى الآثار المصرية.

محمد علي باشا
محمد علي باشا

بدأت تلك الدول في إنشاء قنصليات لها داخل مصر, وكان أول القناصلة الأوربيين في مصر مقاولين وتجار آثار وعلي رأسهم القنصل الإنجليزي “هنري سولت” الذي قام بتوظيف أعتي الجناة ورعاع أوروبا في سرقة ونهب الآثار المصرية لصالح المتحف البريطاني, لم يكن هناك قانون لتنظيم البحث والتنقيب عن الآثار المصرية وقتها ولذلك كان السائد هو الحفر بدون أى خطط مسبقة أو اساليب علمية, وكان الهدف هو الحصول علي أكبر عدد من الآثار المصرية في أقصر وقت في صراع محموم بين الدول الأوروبية للحصول علي كنوز مصر.

في ذلك الوقت أيضاً كانت الآثار المصرية هدايا ثمينة من الباشا لملوك أوروبا, فالمسلة المصرية الموجودة بميدان “كونكورد” في باريس والتي أهداها محمد علي لفرنسا في عام 1830 وأخذ مقابلها ساعة ميكانيكة في عام 1840 موجودة بقلعة محمد علي الآن, وكان أيضاً من نصيب تشارلز العاشر الخاتم الذهبي الذي يعتقد أنه للمك “رمسيس الثاني” والذي أهداه له أيضاً محمد علي في عام 1827 من ضمن أثنان وأربعين قطعة فريدة من المجوهرات.

تحالف السيد ديناميت مع السيد حفار

في عام 1837 يظهر علي الساحة إسمان شهيران للغاية في مجال نهب الآثار المصرية وهم المهندس البريطاني “جون شاي بيررنج” والذي كان مهتماً للغاية بالتنقيب في مناطق الأهرامات المصرية, كذلك الضابط البريطاني “ريتشارد ويليام هوارد فايس”.

فايس وبيررنج وتابوت من كاورع
فايس وبيررنج وتابوت من كاورع

كان منهج “بيررنج” في التنقيب بسيطاً للغاية, الحصول علي أفضل النتائج في أسرع وقت , لذلك إشتهر “بيررنج” باستعماله للبارود والتفجيرات في أعماله ليصبح “السيد بارود”, وقد إستخدمها مراراً وتكرارً في الأهرامات المصرية وخاصة في الجيزة, أما “فايز” فلم يختلف كثيراً عن “بيررنج” في الأساليب الإجرامية للحفر والتنقيب فكان أشهر ما فعله هو محاولة عمل ثقب بجسم تمثال أبو الهول , وبعدما وصل لحوالى ثمانية أمتر في عمق التمثال توقف المثقاب عن العمل وعلق بجسد التمثال فتركه “فايس” كما هو.

تحالف المدمران: العثور علي الملك من كاورع

تحالف “بيررنج” مع “فايس” في عام 1837 وكان هدفهما هذه المرة هو سرقة هرم الملك “من كاو رع” ( الهرم الأصغر بالجيزة), وبعد عمل مضني ينجح الإثنان في الوصول لتابوت الملك والذي كان مصنوع من حجر الجرايوكة Greywacke, لم تكن هناك كتابات علي التابوت ولكنه كان منقوشاً بالتصميم الشهير لتلك الفترة وهو واجهة القصر الملكي.

شكل تخيلي لتابوت من كاورع الحجري
شكل تخيلي لتابوت من كاورع الحجري

وبداخل التابوت الحجري يعثر الإثنان علي تابوت خشبي بداخله رفات آدمية, وكان ذلك التابوت الخشبس عليه نقوش بالهيروغليفية تحمل إسم الملك “من كاورع” لذلك إعتقد الإثنان أنهما عثرا علي مومياء الملك.

وفي تقريره لاحقاً نجد “فايس” يكتب أنه قرر ان ينقل تلك الآثار ( التابوتان والرفات) للمتجف البريطاني وذلك للحفاظ عليها علي حد تعبيره, كان منطق “فايس” بسيطاً فطبقاً لما كان يراه أنه حصل علي الإذن من “محمد علي باشا” بنفسه للتنقيب في الجيزة, وبما أن الهضبة بمحتوياتها من أملاك محمد علي فمن حق “فايس” بناء علي إذن الباشا أن يتصرف كيفما يشاء فيما يعثر عليه.

وبالفعل يقوم “فايس” بشحن التابوت الحجري علي متن المركب “بياتريس” والتي إنطلقت من ميناء الإسكندرية ومن ثم غرقت في البحر ليضيع تابوت الملك “من كاوو رع” حتي يومنا هذا.

من كاو رع في المتحف البريطاني

لحسن الحظ فقد تم شحن التابوت الخشبي والرفات الآدمية علي مركب مختلف , وقد وصلوا بالفعل للمتحف البريطاني وحمل رقم EA6647 ولا يزال معروض بالمتحف البريطاني حتي يومنا هذا, ومع دراسة وفحص ذلك التابوت الذي كان علي شكل آدمي وجد العلماء أنه مصنوع من أنواع مختلفة من الأخشاب مثل الجميز وغيره,

أيها الأوزير , ملك مصر العليا والسفلي “من كاورع” فليحيا للأبد

مولود السماء , نسل الإلهة “نوت” (إلهة السماء) وريث عرش “جب” (إله الأرض)

أمك “نوت” تمتد فوقك بإسمها غموض السماء

لقد جعلتك إلها لا أعداء له

ملك مصر العليا والسفلي “من كاورع” فليحيا للأبد

كانت تلك النقوش هي التي تزين ذلك التابوت والذي إعتقدوا في البداية أنه يخص الملك “من كاورع” إلا أن الفحوصات الدقيقة تشير لان ذلك التابوت قد تم صنعه في عصر النهضة المصرية القديمة وهو ما يعرف بالعصر الصاوي نسبة إلى مدينة صا الحجر عاصمة الأسرة 26 المصرية, وهو العصر الذي شهد إحياء التراث المصري القديم وذكري الملوك العظماء مثل بناة الأهرام ومنهم “من كاورع”.

أما الرفات بداخل التابوت فقد تمت عليه فحوصات بالكاربون المشع لتشير إلى أنه لربما يعود للقرن الأول الميلادي , أى أن التابوت والرفات لا يخصان الملك وإنما هم تراكم لترميمات العصر الصاوي ومن ثم إعادة دفن مرة أخري في عصر لاحق.

من هو الملك “من كاورع”؟

وهو رابع ملوك الأسرة الرابعة المصرية وإسمه هو “من كاوو-رع” والذي يعني “الدائمة هي كاوات الإله رع” ( الكا هي قوي الحياة) , وهو إبن الملك “خفرع” وحفيد الملك “خوفو” مشيد الهرم الأكبر في الجيزة.

شيد الملك “من كاورع” الهرم الثالث في الجيزة والذي كان طوله في الأصل 65.5م  تقريباً وهو أصغر الأهرامات الكبيرة في الجيزة , وقد جاء حجم ذلك الهرم ليعكس الحالة الإقتصادية لعصر الملك “من كاورع”  ووالتي لربما لم تكن في أفضل حالاتها وذلك علي الأرجح يرجع للمصاريف الهائلة التي كلفت خزينة الدولة المصرية لتشييد الهرم الأكبر والأوسط بالجيزة, او علي جانب آخر أن ذلك كان مقرراً من البداية من قبل الملك, وعلي أية حال فإن ذلك الهرم جاء مختلفاً عن سابقيه فهو مشيد من الحجر الجيري والممرات الدخلية من الجرانيت بينما كسوة الهرم مصنوعة من الجرانيت والحجر الجيري معاً علي عكس الأهرامات السابقة التي كانت كسوتها من الحجر الجيري الأبيض,وكذلك ملحق بهرم الملك ثلاثة أهرامات صغيرة ينسب علماء المصريات علي الأقل واحد منها لزوجة “من كاورع” المدعوة “خع مر نبتي الثانية” والآخران لأغراض طقسية او للكا الملكية لمن كاورع.

وفي مصر القديمة كان الأهرامات جزء من مخطط أكبر يسمي المجموعة الهرمية والتي كانت عناصرها الأساسية هي المعبد الجنائزي, الطريق الصاعد, معبد الوادي وقد شيد معبد الوادي للملك “من كاورع” من الطوب اللبن مما يوحي بوفاة الملك قبل إكتمال المجموعة الهرمية وقد أتم المجموعة الهرمية للملك ملوك الأسرتين الخامسة والسادسة في لفتة وفاء لواحد من ملوك مصر العظماء.

وعلي الرغم من ذلك فإن واحد من أعظم الإكتشافات الأثرية قد كان العثور علي معبد الوادي للملك “من كاورع” علي يد بعثة جامعة هارفارد بالتعاون مع متحف بوسطن وتم العثور علي مجموعة تماثيل فريدة للملك بلغ عددها ثمانية تم توزيعها مناصفة بين المتحف المصري بالتحرير ومتحف بوسطن.

اكتشاف معبد الوادي للملك من كاورع
اكتشاف معبد الوادي للملك من كاورع

وقد مر هرم الملك “من كاورع” بالعديد من محاولات التدمير المتعمد والتي كان أشهرها تلك التي قام بها العزيز عثمان خليفة صلاح الدين الأيوبي في حوالي عام 1196م , فقد قرر ولسبب مجهول أن يقوم بتدمير الأهرامات وبدأ بهرم “من كاورع” , وبعد ثمانية أشهر من العمل المضني ترك العمال الموقع بعدما أحدثوا ثقب قبيح الشكل بواجهة الهرم وفشلوا في هدمه بالكامل.

 

إين غرقت السفينة بياتريس؟

مع غرق بياتريس بدأت عمليات البحث المحموم عنها, ولكن كانت المشكلة أن الأخبار كانت متضاربة بشان مكان غرقها, فالمعلومات الرئيسية عن بياتريس كانت من تقرير فايس نفسه الذي رجح أنها غرقت بالقرب من سواحل كارتاخينا جنوب غرب اسبانيا, وعلي الرغم من ذلك إختلف الكثيرون في مكان غرقها فحرج البعض بافتراض أنه غرقت بين أسبانيا ومالطة , وآخرون ذهبوا إلى غرقها بالقرب من توسكاني في إيطاليا بل أن بعض الباحثين عن الشهرة أعلنوا في مناسبات عديدة العثور علي “بياتريس” ولكن بقي الأمر معضلة تتحدي الزمن والبشر لفترة طويلة جدا.

التابوت المفقود

في عام 2004 يعلن “زاهي حواس” رئيس المجلس الأعلي المصري للآثار أنه يعتقد أن بياتريس غرقت بالقرب من سواحل “كارتاخينا” طبقاً لتقرير “فايس” وأنه يبحث عن سبل تعاون مع الحكومة الأسبانية للتنسيق لعملية إستكشاف تحت الماء لإنتشال التابوت ومن ثم إعادته إلى مصر, وقد واجه ذلك التعاون العديد من المشاكل كان علي رأسها التكلفة  المادية المرتفعة لتلك العملية  بالإضافة إلى أن الحطام غارق في أرض اسبانية وبالتالي هناك إحتمال لا بأس به أن تطالب الحكومة الأسبانية بشحنة السفينة بياتريس, بينما البريطانيون علي الخط بدورهم لانهم – وبعد سرقة فايس للتابوت- اعطوه رقماً بالمتحف البريطاني.

وقد أعلن في وقت سابق “إيفان نيجويريولا” من متحف أسبانيا القومي للآثار البحرية أن التابوت يقع في مكان ما بين “كابو دي بالوس” و “مازارون”, وأنه من يأمل في وجود السفينة بقاع البحر في تلك المنطقة ويتمني مفاجأ تتمثيل في العثور علي مائتي صندوق من الآثار كانت عل متن السفينة بالإضافة إلى تابوت “من كاورع”, ويامل “نيجويريولا” في إستعادة تلك القطع لعرضها في المتحف بأسبانيا.

وعلي الرغم من تلك التصريحات من جميع الأطراف إلا أن بياتريس لا تزال في قاع البحر تنتظر عملية إنقاذ نأمل أن تكون نهايتها بإستعادة مصر للتابوت الذي خرج من مصر غدرا بعملية تدمير وسرقة ممنهجة ليعود التابوت في مكانه الذي بقي فيه لآلاف السنين وهو داخل هرم الملك “من كاورع”.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *