التخطي إلى المحتوى

كان طرد الهكسوس من مصر وإنهاء إحتلالهم هو علامة فارقة في تاريخ مصر بأكمله, فإحتلال الهكسوس لمصر كان أيضاً علامة فارقة لم يصيح ما بعدها مثل ما قبلها أبداً, فبعد تحرير مصر علي يد الملك أحمس كان إحتمالية تكرار ذلك الإحتلال بمثابة كابوساً مقيماً لمصر وملوكها فنتج عن ذلك سياسة جديدة إنتهجها ملوك مصر الذين أصبحوا من المحاربين الأشداء الذين يبادرون بالهجوم وتأمين الحدود حتي أبعدها لضمان حماية الحدود وحفظ مصر من أى محاولات مستقبلية للعدوان ودرأ أى طامع فيها, وقد خلف عالملك أحمس علي عرش البلاد إبنه أمنحتب الأول الذي سار علي نفس النهج من بعده الملك “تحتمس الأول” الذي سنتحدث عنه في هذا المقال.

النشأة

كما تخبرنا المصادر التاريخية أن الملك “أمنحتب الأول” كان إبناً للملك “أحمس” من زوجته “أحمس نفرتاري” واللذان كان كلاهما أبناء الملك “سقنن رع” والملكة “إيعح حتب”, أى أنه كان سليل مباشر للعائلة الطيبية من أبطال حروب التحرير ، إلا أننا نجد أنفسنا أمام معضلة عندما نبحث وراء نسب الملك “تحتمس الأول”, بعض العلماء يعتقدون أن “تحتمس” إبناً للملك “أمنحتب الأول” ولكن المصادر التاريخية لا تؤكد ذلك بشكل حاسم, فما نعلمه من خلال الأدلة المتاحة أن “تحتمس الأول” كانت أمه تدعي “سنسنب” وهي سيدة من الواضح أنها لم تكن من العائلة المالكة أو من بنات القصر الملكي ولربما كانت زوجة ثانوية للملك “امنحتب الأول”, كما نعلم أيضاً أن زوجة “تحتمس الأول” كانت الملكة “أحمس” والتي تشير الأدلة انها  كانت إبنة للملك “أحمس” قاهر الهكسوس وأختاً للملك “أمنحتب الأول” ومن هنا إستمد تحتمس الأول شرعيته في الحكم، إلا أن هناك إحتمالية لان تكون أحمس أختاً لتحتمس – كما ذكر هو في نصوص عهده-  وأنها إبنة قرابة لامنحتب الأول  وهو ما يعود بنا للمربع صفر بخصوص نسب تحتمس الأول وأنه إبن لأمنحتب الأول, وذهب البعض في إتجاه آخر ونسبه للأمير “أحمس سا با إير” والذي كان إبنا للملك “سقنن رع” أو إبنا للملك “أحمس”.

الملك تحتمس الأول وأمه الملكة سن سنب
الملك تحتمس الأول وأمه الملكة سن سنب

لذلك تضاربت الآراء والمصادر بشأن تلك النقطة ولا يوجد ما يحسمها حتي الآن، إلا أن تلك الفترة قد شهدت من الإستقرار قوة النظام والحكومة المصرية التي يمكن أن نستنتج منها أن تحتمس بشكل ما منتمى للعائلة الملكية وأميل شخصياً إلى أنه كان إبناً للملك “امنحتب الأول” وإن إنتقال العرش الذي تم بسلاسة بين الإثنين يشير لذلك , حيث أن تتويجه قد تم بعد وفاة أمنحتب الأول مباشرة, وحتي “تحتمس نفسه” نجد أنه يشير لنفسه  في نصوص عهده بأنه ملك وإبن ملك  وأن الده إبن ملك.

 

تحتمس المحارب

كان تحتمس ينتمي للجيل الذي ترسخت في نفسه الروح الجديدة لمصر بعد التخلص من إحتلال الهكسوس فقد كات نشاته بلا شك في عصر أمنحتب الأل التي شهدت إستقرار نسبي بسبب الإنتصارات العسكرية المتتالية ولكن مع تولي “تحتمس” للعرش بدأت بعض المناوشات في جبهة غير متوقعة وهي الجنوب, فقد كان تحتمس يتطلع شوقاً لإستكمال أعمال أسلافه العسكرية بالشمال والتوجه للحدود الشمال الشرقية ومنها لسوريا, إلا أن أولي معاركه كانت في الجنوب بعد ظهور بعض التمرد والمناوشات من الأمراء المحليين بالنوبة (السودان حالياً)

وهو الذي قد طرح أرضًا رجال بلاد النوبة، ولم يفلت من قبضته السود إلا بمشقة، وقد ضمَّ إليه الحدود التي على كلا الجانبين (للنيل)، ولم يفلت واحد من أهالي الذين أتوا، فلم يَبْقَ منهم واحد، أما بدو النوبة فقد سقطوا على وجوههم من الفزع، وخروا على جنوبهم في بلادهم، وانتشرت رائحة جثثهم في وديانهم، ولطخت أفواههم بالدماء كأنها صوب المطر، أما الذين قتلوا … فحملوا إلى مكان آخَر

لوحة تومبس
لوحة تومبس

وقد عرفنا أخبار تلك الحملة من لوحة بجزيرة “تومبس” تؤرخ بالسنة الثانية من حكم “تحتمس”, وكذلك من السيرة الذاتية وأخبار القادة العسكريين “أحمس إبن إبانا” و”أحمس إبن نخبت” اللذان حاربا مع الملك “أحمس” في حروب التحرير من الهكسس وكانا لا يزالا علي قيد الحياة في عصر “تحتمس”.

 

الوصول للفرات

وهو الذي فتح الوديان التي كان يجهلها الأولون، والتي لم يرها حاملو التاجين، وحدود بلاده الجنوبية وصلت إلى بداية هذه الأراضي (بلاد النوبة)، ومن الشمال إلى تلك المياه التي تسير من الشمال إلى الجنوب (يعني نهر الفرات؛ لأن مياهه تسير عكس مياه النيل الذي يجري من الجنوب إلى الشمال)، ولم يحدث لملك آخَر شيء مماثل لهذا، وقد وصل اسمه إلى دائرة السماء.

وعلي نفس اللوحة نجد أخبار لحملة الملك “تحتمس الأول” علي ما بين النهرين, ومن المثير للإعجاب أن ذلك النص كان ينم عن معرفة بجغرافية تلك المنطقة ووصف دقيق لها, فلربما كانت تلك المنطقة قد وصل إليها الجيش المصري في عصر “أمنحتب الأول” إلا أن توثيق تلك اللوحة لربما يشير إلي أن أول من وصل إلى هناك كان تحتسم نفسه, وهو الأمر المثير للإعجاب فتلك اللوحة كما ذكرنا تؤرخ بالعام الثاني وهو ما يعني أن الملك فور إعتلاؤه للعرش قام بتلك الحملة الصعبة, ومن الأمور الطريفة التي أخبرتنا بها تلك اللوحة وصف المصريين للفرات بأنه الماء المقلوب وذلك لانهم إعتادوا علي نهر النيل الذي يجري من الجنوب للشمال فظنوا أن أنهار العالم تجري بهذا الشكل لذلك أصابتهم الدهشة عند رؤية الفرات فلم يكونوا يعلموا أن النيل هو الإسثناء وليس القاعدة.

وقد إستمرت سنوات تحتمس الأولي في مناوشات تركزت في السودان حتي إستطاع إقرار الأمور بشكل تام, وهنا قام بتركيز جهوده علي الجبهة في آسيا للإلتفات إلى أذيال الهكسوس وما تبقي منهم لإستكمال المشروع العظيم الذي بدأه سلفه أحمس قاهر الهكسوس.

 

الهكسوس مرة أخري

تحتمس الأول
تحتمس الأول

وجه تحتمس الأول جهوده إلى آسيا هذه المرة, فكان يعلم علم اليقين أن الهكسوس بعد طردهم من مصر قد عادوا أدراجهم إلي سوريا مرة أخري وعقدا أواصر الهدنة مع بقية سكان سوريا وقتها، إلا أن تحتمس كان لديه خطط اخري فهو أراد هذه المرة تأسيس إمبراطورية مصرية يمتد نفوذها لتلك المناطق, ومن الطريق أن أخبار حروب تحتمس في آسيا قد عرفناها بشكل غير مباشر عن طريق أخبار القائدان “أحمس إبن إبانا” وأحمس إبن نخبت, وكذلك من حوليات حفيد تحتمس الأول الإمبراطور تحتمس الثالث, فما فعله تحتمس الثالث من مد النفوذ المصري ونصر عسكري علي نطاق واسع قد غطي علي آثار من سبقوه من ملوك ولكننا نجده يذكر وبوضوح أنه وجد لوحة لجده تحتمس الأول وأقام هو نفسه لوحة علي الجانب الأيمن لنهر الفرات, وتلك اللوحة المقصودة هي التى تركها تحتمس الأول بالقرب من قرقميش القديمة (جرابلس حالياً) وقد دون عليها تحتمس الأول مقولته الشهيرة ” هنا تبدأ حدود مصر”, وعلي أية حال فإننا نعلم أن الحدود التي وصل إليها “تحتمس الأول” إمتدت حتي المنحني العظيم للفرات, ومما يثير الإعجاب أنه لم تحدث مناوشات في سوريا في عصر الملوك الذين خلفوه “تحتمس الثاني” و”حتشبسوت” كما لم ترد أخبار أى تمرد في سوريا في تلك الأوقات مما يعني نجاح مهمة “تحتمس الأول” ومدي عظم قدرها.

 

تحتمس وحتشبسوت

مومياء حتشبسوت
مومياء حتشبسوت

من المثير للإعجاب في سيرة الملك “تحتمس الأول” هو علاقته بعائلته وخاصة إبنته “حتشبسوت”,  كان للملك “تحتمس الأول” زوجتان وهن الملكة “أحمس” والتي كانت الزوجة الرئيسية, والملكة “موت نفرت” والتي كانت زوجة ثانوية, وقد أنجبت الملكة أحمس إثنتان من البنات وهن “حتشبسوت” و”نفروبيتي” أما زوجته الثانوية فقد أنجبت له ثلاثة من الأبناء وهم “تحتمس”, “آمون مس”, “واج مس”, ولعائلة تحتمس الكثير من الأسرار التي لا زالت مستعصية حتي الآن, فعلي سبيل المثال نجد أن زوجته الرئيسية أحمس لم تنجب له أبناءاً لذلك ذكرنا زوجته الأخري “موت نفرت”, والتي كان أبناؤها من الذكور وفي النهاية تولي احد ابنائها العرش وهو “تحتمس” والذي سيعرف بإسم “تحتمس الثاني” لاحقاً.

كما أن هناك سر آخر يتعلق بإبن آخر لها وهو “واج مس” والذي وضع إسمه في خرطوش وهو أمير, فما نعلمه عن الخراطيش في مصر القديمة أنها كانت حصرية علي أسماء الملوك والملكات, وهي شكل بيضاوي يمثل الأبدية يحيط فقط بأسماء الملوك والملكات, فوضع إسم ذلك الأمير في خرطوش هو أحد ألغاز فترة تحتمس حيث أنه فعل بالغ الندرة, إلا أن تفسير ذلك الأمر غاية في الصعبة لان أكبر أولاد الملك “تحتمس الأول” كان الأمير آمون مس والذي بالتالي كان هو المقرر له أن يكون ملكاً خلفاً لوالده ولكن ما حدث أنه توفي في فترة حكم “تحتمس” ولكنه لم يوضع إسمه بداخل خرطوش بينما حدث ذلك لاخية “واج مس”, علي أية حال فإن أبناء تحتمس إنتهي بهم الحال بوفاة الأولاد جميعاً عدا تحتمس, أما البنات فلم يتبق منهن سوى حتشبسوت بينما توفت الأمير “نفرو بيتي” وهي لا تزال رضيعة.

عودة إلى “تحتمس الثاني” الذي تولي العرش خلفاً لأبيه “تحتمس الأول”, فاننا نجد أن “حتشبسوت” كانت هي أبرز أبناء “تحتمس” لانها التي تولت العرش في النهاية بعد “تحتمس الثاني” ونجد أنها ذكرت في نصوص عصرها أن من قام بتوليتها العرش مناصفة مع “تحتمس الثاني” هو أباهم “تحتمس الأول” نفسه, وهو علي رغم من وضوح أغراض الدعاية في نص مثل هذا إلا أن تعامل حتشبسوت مع أباها وذكراه لاحقاً يشير بوضوح إلى علاقة خاصة بين الملك وإبنته التي رأت فيه مثلاً أعلي ومثالاً يحتذي به, فما نعلمه من مصادر ونصوص عصر حتشبسوت تبجيلها المبالغ فيه لأبيها وذكرها له في العديد من المواضع.

كان المثوي الأخير للملك “تحتمس الأول” هو المقبرة رقم 20 بوادي الملوك والتي هي علي الأرجح كان أولي مقابر وادي الملوك علي الإطلاق والتي شيدها المهندس المصري “أنيني”, ونجد أن حتشبسوت قامت بتوسعة تلك المقبرة في عصرها لتدفن بجوار أبيها في مقبرة مزدجة في سابقة فريدة من نوعها مما يشير لمدي تعلق حتشبسوت بابيها.

إلا أنه في نهاية المطاف لم تسر الأمور بذلك الشكل فنجد أن تحتمس تم نقل جسده في عصر حفيده “تحتمس الثالث” وأعيد دفنه في مقبرته هو رقم 38, بينما الملكة حتشبسوت عثر علي موميائها في المقبرة رقم 60, إلا ان القدر جمع تحتمس الأب بإبنته حتشبسوت أخيراً ليرقدا في نفس المكان بالمتحف القومي للحضارة المصرية بقاعة المومياوات الملكية.

 

 

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *