التخطي إلى المحتوى

عند ذكر كلمة النوبة داخل مصر يتبادر لذهن الإنسان العادي المنطقة الجغرافية الواقعة بمحافظة أسوان وعلي الرغم من ذلك فإن ذلك المصطلح أبعد بكثير مما هو متداول وله تاريخ طويل يجعل من عدم الإنصاف قولبة النوبة في مجرد محافظة أسوان, في هذا المقال نحاول أن نلقي الضوء علي النوبة في التاريخ المصري.

منذ أقدم العصور المصرية كان عموم جنوب مصر يسمى بالنوبة إصطلاحا وهى الأرض الجنوبية التى كان يبدء من محافظة أسوان حاليا وحتى الشلال الثانى وكانت تسمى النوبة السفلي”واوات” وهى الإقليم الرئيسي ومن ثم إقليم فرعى وقتها يسمى “كوش” وهو الذى يمتد بالقرب من مدينة “الخرطوم” حاليا وكان يسمى النوبة العليا , وهو على عكس المتعارف عليه حاليا حيث كلمة “النوبة” تشير لحيز جغرافى واحد وهو أقصى جنوب مصر فقط وهو ما يختلف عن مسميات العالم القديم كما أوضحنا.

وادي النيل

قسم نهر النيل أرض مصر إلى ضفتين الشرقية والغربية, وحمل فيضانه الطمي والغرين الذي كان أساس أرض مصر الزراعية الخصبة وهو السبب الرئيسي الذي جعل المصريون القدماء يطلقون علي بلادهم إسم” كمت” ومعناه الأرض السوداء ( في إشارة إلي أرض الطمي الخصبة).

ومع المضي عكس إتجاه نهر النيل جنوباً وبداية من محافظة أسوان حالياً نجد أن الطبيعة الجغرافية للوادي مختلفة, ففي الجنوب نجد صعوبات بيئية في خلص بيئة خصبلة للزراعة, فبدئاً من أسوان نجد أن المشهد الطبيعي يطغي عليه الجبال وجلاميد الصخر والجرانيت, وما نسميه إصطلاحاً بشلالات النيل وهو ما يعكس طبيعة وعرة قاسية للأرض كلما إتجهنا جنوباً علي عكس وادي النيل في مصر الذي كان بيئة غاية في الخصوبة وهو ما ساعد المصريون وبشكل كبير علي الإستقرار وتأسيس الحضارة.

الجندل الأول للنيل
الجندل الأول للنيل

أصل كلمة نوبة

كلمة “نوبة” لها أصل مصري قديم وهو كلمة “نبو” وتعني “ذهب” وتلك الكلمة تم تبنيها في اللغة العربية لاحقاً حتي تحولت إلى “نوبة”, وقد إقترن لفظ “نوبة” بالذهب في اللغة المصرية القديمة وذلك بسبب إستخراج المصريون لكميات كبيرة من الذهب من تلك المناطق في عصور الدولة الحديثة والتي كانت بمثابة أحد فقرات العمود الفقري لاقتصاد للإمبراطورية المصرية وقتها.

كذلك نجد عالم الأنثروبولجي ( علم الإنسان) ريتشارد لوبان يصف أصل كلمة “نوبة” لشعب “نوبا” مؤسس مملكة “نباتا” والذين حلوا محل مملكة “مروي” النوبية التي ظهرت حوالى 540 ق.م, وهو التفسير الذي يدعم الأصل المصري لتلك التسميات حيث أنه تتبع فقط التسمية الحديثة بدون تأصيل تاريخي أقدم لها وهو المصري.

أين تقع أرض النوبة القديمة؟

كانت النوبة في العصور القديمة تبدأ من جنوب محافظة أسوان حالياً وحتي النيل الأزق شمال الخرطوم, وما بين الشلال الأول والثاني أطلق المصريون القدماء منذ أقدم العصور علي تلك المنطقة  “تا سيتي” (تعني أرض القوس) وهي من أقدم تسميات للنوبة في مصر القديمة  وتسمي بالنوبة السفلي, كما صنف المصريون القدماء سكان تلك المناطق إلى أجناس مختلفة وذلك لوجود أجناس من البدو الرحل والذين فرق بينهم المصري القديم وأعطي لكل واحد منهم إسم, وبعدها ظهر مسمي أحدث مشهور وهو “كوش” والذي أسس أصحابه مملكة كوش في شمال السودان وتسمي بالنوبة العليا, أى أن مصطلح وجنس كوش أحدث تاريخيا من أرض واوات وتا سيتي.

تاريخ النوبة القديم

مثل مصر نجد أن إستيطان النوبة القديمة قد مر بمراحل متعددة كان أولها عصور ما قبل التاريخ فنجد مناظر علي الصخور وكذلك إستنئناس الحيوان مثل الماعز والإغنام وقطعان الماشية.

وفي الفترة التي إزدهرت في مصر (ثقافات) حضارات مثل الفيوم, مرمدة بني سلامة, المعادي وغيرها نجد أن هناك ثقافات ظهرت في النوبة بدورها وتلك الفترة يصنفها علماء الآثار في النوبة بفترة ما قبل “كرمة” ويطلقون عليها ثقافة المجموعة أ A-Group والتي تركزت فيما يعرف بالنوبة السفلي  والتي أطلق عليها المصريون “تا-سيتي”

فخار المجموعة أ, متحف اللوفر
فخار المجموعة أ, متحف اللوفر

وقد تزامنت تلك الثقافة مع تأسيس الدولة المصرية علي يد “نعرمر” موحد القطرين حوالي 3100-3200 ق.م وأظهرت آثار تلك الفترة وجود تبادل ثقافي وتجاري بين مصر وتلك المنطقة, وقد تزامنت تلك الفترة مع حضارات نقادة في مصر و والتي إنتهت بتوحيد “نعرمر” للقطرين, وقد أثبتت المكتشفات الأثرية إختلاف حضارات نقادة مع المجموعة أ وتطورهم بشكل مستقل ومختلف.

ومنذ العصور المبكرة نجد أن المصريون سعو لفرض سيطرتهم علي الجنوب لتأمين حدودهم ومن ثم تأمين طرق التجارة باعتبار أن تلك المناطق هي مدخلهم لقارة أفريقيا, وقد رسمت مصر حدودها مع الملك “نعرمر” موحد القطرين وتعد أقدم الحدود المصرية المعروفة عند نهاية الشلال الأول من شلالات النيل, ولم يستغرق المصريون وقتاً طويلاً قبل المضي قدماً نحو الجنوب  الملك “جر” من الأسرة الأولي أيضاً يصل بقواته إلى الشلال الثاني.

ومع ظهور الأسرة الأولي المصرية نجد أنه لا توجد أدلة علي استيطان النوبة السفلي لمدة تقارب حوالي 600 عام في اعقاب تاسيس الدولة المصرية, ودل ذلك علي سيطرة المصريون علي تلك المناطق بل وغزوهم للنوبة العليا مما دفع بسكانها إلى المضي نحو الجنوب أكثر فأكثر.

من أقدم الوثائق التاريخية تحت أيدينا هو ما يسمي “حجر باليرمو” والذي يسجل حملات الملك “سنفرو” أول ملوك الأسرة الرابعة علي النوبة وليبيا وعودته ب11000 ألف اسير و 13000 ألف من رؤؤس الماشية ولربما كانت حملة “سنفرو” علي النوبة السفلي سبباً مباشراً في إنهاء ثقافة المجموعة أ.

الملك سنفرو
الملك سنفرو

بعد ذلك يستمر النوبيين القدامي في الإنصهار والتغيير فظهرت الممجموعة ج C-Group والتي أعادت إستيطان النوبة السفلي وإنقسمت إلى عدة ممالك وقبائل مختلفة وممن ثمم إنضم لهم بدو الصحاري الإفريقية الذين عرفوا في النصوص المصرية بعد ذلك بالمدجاي وتم إستجلابهم للعممل في قوات الأمن المصرية, وبشكل عام فإن مصطلح أرض القوس الذي أطلق علي النوبيين القدامي كان يعكس مهارتهم في رمي السهام وإستخدام القوس وقد إستجلبهم المصري القديم كمرتزقة في الجيش المصري.

إستكشاف أفريقيا: القائد وني وحرخوف

بعد إعادة إستيطان النوبة السفلي التي هجرت لأكثر من 600 عام بدأت مصر فصلاً جديداً في التعاملم مع النوبة وقد بدأت تلك السياسة في التبلور بعد حملة سنفرو الشهيرة , وفي عصر الملك “مرنرع الأول” رابع ملوك الأسرة السادسة حدثت طفرة بقيادة القائد العسكري “وني” الذي كان فائق النشاط في الحملات العسكرية الحدودية ومن ثم وجه أنظاره إلى الجنوب فقام بحملات منظمة وكان بعيد النظر فقام بحفر خمس قنوات موازية لمجري النيل لتسهيل طرق التجارة ما بين مصر وجيرانها.

وقد أرسلني جلالته لحفر خمس ترع في الجنوب، ولأصنع ثلاث ناقلات وأربعة مراكب  تجر بالحبال من خشب السنط من بلاد “واوات” وكان زعماء أراضي “إرثت” و”وواوت” و”يام” و”مجا” يقدمون الأخشاب, وقد أتممت الأعمال كلها في سنة, ومنها الإستكشاف وتحميل الجرانيت بكمية لبناء هرم “مرنرع” المسمي” خع نفر مرنرع”, ولقد أنجزت في الوقت بفضل الترع الخمسة معاً, كل هذا بسبب أهميتي وصفاتي الحميدة والإحترام الذي أكنه لسلطان ملك الوجه القبلي والبحري “مرنرع” فليحيا إلى الأبد أكثر من كل الآلهة, لأن كل شيء قد تم وفقاً للأوامر التي أصدرها لي الملك.

إنني محبوب أبيه والممدوح من أمه وزينة أخوته, أنا الامير حاكم الصعيد , المبجل من الإله “اوزير” : “وني”.

ذلك النص من السيرة الذاتية للقائد وني المدونة التي دونها علي جدران مقبرته في ابيدوس لم نعرف منها فقط إنجازات ذلك القائد العسكري والموظف النشيط ولكننا عرفنا منها أيضاً مصطلحات إستخدمها المصريون لوصف سكان النوبة القديمة فورد في النص أسماء: واوات, إرثت, يام, مجا وغيرها من المسميات, والتي أوضحت لنا أن سكان تلك المناطق قد كونوا ممالك (مجموعات) صغيرة منفصلة عرفها المصري القديم علي حدة.

حرخوف
حرخوف

بعد النجاح الساحق الذي حققه القائد في جملاته حتي أصبح رائد المستكشفين المصريين في افريقيا فتبعه في المنصب موظف آخر نشيط وهو “حرخوف”, والذي كان أحد مواطنى “إلفنتين” نفسها وقد خدم فى عصر الأسرة السادسة عصر الملك “مرى-ن-رع الأول” ويحكى عن حملاته  التى قام بها للنوبة ويحكى عن الرحلة التى كان جزء منها عن طريق النهر ولصعوبة الإبحار عبر الشلالات كما ذكرنا فإن جزء من الرحلة تم على ظهور الحمير , وأعطتنا الرحلة فكرة عن طبيعة المنتجات التى جلبها “حرخوف” مثل البخور , العاج , الأبنوس, الزيوت وجلود الفهود, وتذكر سيرة حرخوف الذاتية بدورها أنه عاد بما هو أثمن من هذا كله وهو قزم إفريقي أقنعه حرخوف بالقدوم معه إلى مصر وقد أثار ذلك القزم إهتمام وشغف الملك “ببي الثاني” والذي كان طفلاً وقتها, فنجده يراسل حرخوف طالبا منه ترك كل ما يصنعه والعودة لمصر فوراً بذلك القزم ورعايته والعناية به عناية فائقة.

حادثة إغتيال

وقد شغل كل هؤلاء الموظفين منصب حاكم إلفنتين ومصر العليا وهو اللقب الذي كان يؤهل صاحبه لان نطلق عليها “نائب الملك لشئون إفريقيا” بمفهوم اليوم الحالي , ومن بعد حرخوف إستكمل المصريون إستكشاف والسيطرة علي تلك المناطق وعلي رأسهم الموظف الشهير “ببي نخت حقا إب” الذي تم إرساله لإحضار جثة عنخ نني الموظف المصري الذي إغتاله البدو علي سواحل البحر الأحمر , ومن حملات تأديبية لإنهاء الفوضي في تلك البلاد.

ولقد أرسلني جلالته لأدمر بلاد “إرثت” فقمت بما مدحني عليه مولاي, ولقد ذبجت منهم عدداً عظيماً من بينهم أولاد الزعماء والضباط المحاربين, أحضرت مع عدداً من الأسري الأحياء للبلاط لأني كنت بطلاً علي رأس جيش عظيم من الجنود الأقوياء

وقد إنتهي ذلك الفصل ما بين مصر والنوبة مع إنهيار الدولة القديمة والتي حدثت مع نهاية الأسرة السادسة بحدوث ثورة شعبية قضت علي الأخضر واليابس وأطاحت بالنظام الملكي المصري  وبعدها دخلت مصر نفقاً مظلماً توقفت مع حملات مصر جنوباً.

سياسة مصر في النوبة في الدولة القديمة

علي الرغم من وجود ذكر لحملات عسكرية قامت بها مصر علي الجنوب, بالإضافة إلى الحملات الحدودية لتأمين الحدود من أى خطر خارجي إلا أن علاقة مصر بجيرانها لم تكن عدائية طوال الوقت, فلا يجب أن نغفل أننا نتحدث عن فترات زمنية طويلة, فعلي سبيل المثال إستمرت الدولة القديمة ( من الأسرات 3 ل 6) ما يزيد علي خمسة قرون كاملة يضاف إليها  العصر العتيق (الأسرتان الأولي والثانية) والذي إستمر ما يقرب من 470 عام, فنجد أن ما تحدثنا عنه في المقال ما يقارب الألف عام من العلاقات ما بين مصر والنوبة بل وجيرانها في شتي البقاع فلا يمكن إختزال تلك العلاقة في الحملات العسكرية وحدها وإنما كانت علاقات منفعة متبادلة بل وتجارة في أغلب الأحيان, وقد جند المصري القديم سكان “تا سيتي” كمرتزقة في الجيش المصري نظراً لمهارتهم في إستخدام القوس والسهم وكانت تلك المزية عنصراً هاماً طوال العصور المصرية لتوطيد العلاقات مع النوبيين  وهو ما سيتضح مع إستكمال الحديث عن الدولة والوسطي ومن ثم الإمبراطورية المصرية والتي تطورت فيها الأمور بشكل كبير جدا .. وللحديث بقية.

 

 

 

 

 

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *