التخطي إلى المحتوى
اللحظات الأخيرة فى قصر توت عنخ آمون
توت عنخ آمون

الملك “توت” هو أشهر ملوك مصر القديمة في العصر الحديث على الإطلاق، لم يكن هذا بسبب إنجازاته أو أعماله أو حتى فترة حكمه وإنما كان بصدفة عجيبة خلدته للأبد في التاريخ وهى مقبرته التي تم اكتشافها عام 1922 على يد المستكشف البريطاني “هوارد كارتر”.

 

هوارد كارتر وإكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.
هوارد كارتر واكتشاف مقبرة توت عنخ آمون.

 

يعود الملك توت للظهور من جديد مع نقل محتويات مقبرته إلى المتحف المصري الكبير وعلى رأسها القناع الذهبي الذى سيزين قسم كنوز توت عنخ آمون بالمتحف المصري الكبير، الألغاز دوماً تحيط بحياة وممات هذا الملك الشاب سنستعرض بعض الفصول الغامضة من تلك الفترة في السطور القادمة

الملك الشاب يتولى العرش

ولد توت عنخ آمون فى واحدة من أصعب فترات تاريخ مصر، فوالده هو إخناتون الملك المهرطق الذى كانت نهاية فترة حكمه تشهد اضطرابات كثيرة ومشاكل داخلية كادت تعصف بالبلاد نفسها، فى هذه الظروف ولد توت عنخ آمون وكان اسمه وقتها “توت عنخ آتون” ويعنى: الصورة الحية للإله آتون، وهو إله أسرة العمارنة (أسرة إخناتون)، لا يعلم أحد على وجه التحديد هوية أم الملك “توت عنخ آمون” والتي لم تكن نفرتيتى، تولى عرش مصر في سن صغيرة، لم يتجاوز “توت” 9 سنوات عندما تولى سدة الحكم وقد تزوج من اخته غير الشقيقة “عنخ إس إتن” وهى ابنة “إخناتون ونفرتيتى” ، وقد كان البلاط الملكي وقتها ملئ بموظفين ذوى ثقل ممن يمكنهم تغيير الأمور وكان رأسهم “آى” ومعه قائد الجيش “حور محب”.

 

توت عنخ آمون وزوجته عنخ سن آمون.
توت عنخ آمون وزوجته عنخ سن آمون.

فكلاهما عاصر توت عنخ آمون وكلاهما دوما تتهمه كتب التاريخ بأن له دور في التخلص من الملك توت عنخ آمون وسنعود لهذا لاحقا، على أية حال فقد بدأ عصر الملك “توت عنخ آتون” بتغيير جذري كان أوله هو تغيير الملك لاسمه ليصبح “توت عنخ آمون” ويعني: الصورة الحية لآمون وكذلك زوجته التي أصبحت :عنخ إسن إن آمون ويعنى: حياتها من الإله آمون، مما يعنى بداية مرحلة جديدة سيعود فيها الإله آمون إلى سطوته ونفوذه وسلطانه ومعه عودة الفلسفة الدينية التقليدية التي كانت سائدة قبل إخناتون.

كما تم فى عهد الملك توت عنخ آمون العديد من مشاريع إصلاح وترميم بل وبناء الآثار التي تهدمت في عصر إخناتون وأصبحت خرائب، وأغلب الظن أن المرحع الرئيسي للأحداث في عصر الملك “توت” كان هو الموظف “آى” نفسه.

 

آى وصراع العروش

يعد آى هو واحد من أغرب شخصيات تلك الفترة، بل أنه واحد من أغرب شخصيات التاريخ المصري القديم على الإطلاق، فقد حمل ألقاب ومهام موظف يدعى “يويا” والذى كان من أعيان أخميم وكان والد الملكة “تى” زوجة الإمبراطور “امنحتب الثالث” وجدة الملك “توت عنخ آمون”، وقد رجح بعض العلماء أن آى كان إبنا ليويا وبالتالي فهو أخو الملكة تى وخال إخناتون وجد توت عنخ آمون!

من الغرائب المتعلقة بآى أنه عاصر فترة الملك إخناتون وكان أحد أفراد حكومته بل أنه له مقبرة في مدينة تل العمارنة مما يعنى أنه قد اختار أن يكون طريقه ملازماً لأخناتون في الحياة والممات وحتى عقائديا، ولكن وبكل غرابة نجد انه بعد وفاة إخناتون يظهر آى مرة أخرى على الساحة فى قصر توت عنخ آمون محتفظاً بألقابه ووظائفه بل أنه أصبح أقوى، على الرغم من أن كل من ينتمى لتلك الفترة قد ذهب أدراج الرياح بما فيهم إخناتون نفسه إلا أن آى بقى وبكامل قوته ليصبح أحد ألغاز تلك الفترة مع لقبه الغامض وهو “إيت نتر” ويعنى: أبو الإله.

 

آى يتولى ذهب الشرف من الملك إخناتون.
آى يتولى ذهب الشرف من الملك إخناتون.

 

إذا وضعنا في الاعتبار وجود مستفيدين للتخلص من الملك توت عنخ آمون فآى سيكون أول المستفيدين وذلك لأن توت هو آخر أفراد تلك الأسرة وليس له وريث، ولكن مهلاً هناك معلومة أخرى تفيد بأن آى لربما يكون جد توت عنخ آمون وبالتالي يصبح آى نفسه أحد أفراد الأسرة، بل وهناك سؤال في غاية الأهمية لم يتكبد آى كل هذا العناء ويسمح بتتويج توت عنخ آمون من الأساس؟ ستكون الأمور أسهل إن تولى هو الحكم مباشرة بدون تتويج توت عنخ آمون، ما حدث وأنه بعد وفاة توت تولى بالفعل آى الحكم واتخذ من أرملة الملك الشاب سيدة أولى.

آى من على جدران مقبرة الملك توت عنخ آمون.
آى من على جدران مقبرة الملك توت عنخ آمون.

اضطرابات في القصر

وقد تزامن ذلك مع حدث أكثر غرابة وهو زعم إمبراطورية الحيثيين وقتها انهم وصلتهم رسالة من مصر مفادها أن الملكة الشابة أرسلت لملك الحيثيين تطلب منه أن يرسل لها أحد أبناؤه ليتزوجها ويصبح ملك مصر، زعموا انها ترفض الزواج بأي من حاشيتها وترغب في الزواج بأمير حيثي، يذكر الجانب الحيثي تشككه في الأمر ومن ثم يحسم ملكهم شبيلوليوما موقفه ويرسل ابنا له اسمه “زانانزا” وبعدها تتصاعد الأحداث فنجد ملك الحيثيين يبكى وفاة ابنه زانانزا ويتهم المصريين بتدبير قتله بل أنه يثور ويعاجم مستعمرات مصرية في آسيا ويأخذ أسرى مصريين من الموظفين هناك إلا أن هؤلاء الأسرى سيجلبون الطاعون لبلاده ومن ثم سيتوفى سبيلوليوما نفسه جراء هذا الطاعون، كانت مصادر تلك القصة بالكامل من الجانب الحيثي بينما السجلات المصرية صامتة تماما إزاء هذه الواقعة ولكنها تشير لحقيقة غاية في الأهمية وهى الإضرابات الداخلية المصرية التي عصفت حتى بالقصر الملكي.

حور محب

حور محب وهو لا يزال قائداً للجيش.
حور محب وهو لا يزال قائداً للجيش.

مع تصاعد الاحداث نجد أن آى قد اختفى من الأحداث ومعه عنخ سن آمون لتظهر شخصية محورية أخرى وهى قائد الجيش المصري “حور محب” والذى كان له شأن عظيم في قصر الملك توت عنخ آمون كقائد جيوشه وينحدر حور محب من مدينة أهناسيا، بنى سويف حالياً، تحكى لنا تلك الفترة محاولاته المستميتة للحفاظ على تأمين الوضع الخارجي مع تغير خريطة الأحداث في العالم القديم خاصة في الجزء الأسيوي الذى أصبح أكثر جرأة وعدائية في تعامله مع مصر، وكذلك جنوباً في النوبة القديمة وشمال السودان واجه حور محب نفس المشاكل.

يحلو للبعض إتهام حور محب بانه كان وراء التخلص من الملك توت عنخ آمون إن صحت فرضي اغتياله وهو ما يبدو منافياً حتى للمنطق، فقد عاصر حور محب توت عنخ آمون ومن بعده آى وبعدها تولى هو حكم مصر، فكيف يكون حور محب هو الشخصية المحورية للأحداث وعليه أن ينتظر كل هذا للانقضاض على العرش، المسألة أعقد من ذلك فعلى سبيل المثال نجد أن زوجة حور محب والمدعوة موت نجمت يرجح أنها كانت ابنة لآى نفسه أي أن آى كان حمو حور محب.

مع اختفاء آى من على مسرح الأحداث سيتولى حور محب عرش مصر وعمل على إصلاح كل ما تم إفساده في فترة الإضرابات الإخناتونية فيسن القوانين ويشرف على تطبيقها بنفسه فى دورات تفتيشية، يعمل جاهداً لاستكمال ترميم وإصلاح ما تضرر من المعابد، بل أنه سيؤثر مصلحة بلاده على مصلحته الشخصية حيث أنه عندما تقدم فى السن ومع عدم وجود وريث له أيقن أن ما حدث قبله لربما يتكرر وأسوأ فقام بتعيين سلاحه وقائد جيوشه المدعو “رمسيس” كأمير وراثى وهو ما يعنى أن رمسيس سيصبح ملك مصر القادم وهو ما حدث بالفعل وتصدق رؤية حور محب فمع رمسيس سيبدأ عصر الرعامسة وإعادة بناء الإمبراطورية المصرية.

حور محب ملكاً.
حور محب ملكاً.

بقى فقط أن نذكر أن القوائم الملكية في العصور اللاحقة لتوت عنخ آمون قد أسقطت كل الملوك بداية من إخناتون وحتى آى وبدأت القوائم بالترتيب الآتى: أمنحتب الثالث ثم حور محب ،  عمل المصريين لاحقاً على محو أى تواجد لتلك الأسرة التي رأوا أن توليها عرش البلاد كان كابوساً لا بد ألا يتكرر مرة أخرى.