التخطي إلى المحتوى

قامت الحضارة المصرية علي ضفتي النيل وبين جنبات واديه, وكانت من أول حضارات العالم التي قامت علي العلم والتخطيط المنظم, فلم يصنع شيء في مصر القديمة بشكل عشوائي ولم يتركوا شيئاً للصدفة أو المجازفة ولا أبلغ علي ذلك من النبيان الشاهق والمعابد والمقابر والبرديات التي تركها القدماء ليخبرونا فيهم عن حضارتهم.

ومع هذا الكم المعرفي الهائل الذي وصل لنا من مصر القديمة فلا بد للمرء أن يتساءل: كيف كانت عملية تداول المعرفة تتم في مصر القديمة؟ وهل عرف القدماء المدارس؟ ومن كان له حق التعليم؟

آلهة العلم والحكمة  والكتبة في مصر القديمة

ربط المصري القديم بين معتقده الديني وبين متطلباته الدنيوية بشكل كبير, فلم تنفصل حياة القدماء عن دينهم وكانت منظومة متكاملة تعمل في تناغم, ومن أشهر الآلهة المرتبطة بالعلم والحكمة كان الإله: جحوتي او تحوت وهو إله المعرفة ورب القلم في مصر القديمة وقد كان المصريون القدماء يعتبرون أن الإله تحوت هو الذي إخترع اللغة وكانت أولها اللغة المصرية القديمة التي نشا منها ألسنة كل الخلائق والأمم, كذلك نري الإلهة سشات والمرتبطة الكتابة والتدوين والإحصاء والتي ظهرت في العديد من المناظر مقترنة بالإله تحوت تدون بجواره ومن أشهر مناظرها تدوين سنوات حكم الملوك علي سعف النخيل, ومن منظور حديث لا يمكننا ان نميز بين لفظة علم وخوارقيات في مصر القديمة, فكل فعل يتجاوز إدراك البشر كان يعتبر ضرباً من ضروب العلم وعلي رأس الآلهة التي تميزت بتلك المعرفة هي الإلهة إيزيس والتي أعطاها المصريون القديماء لقب “ورت حكاوو” عظيمة السحر.

تحوت وسشات
تحوت وسشات

أما تعليم القراءة والكتابة فكان البوابة الواسعة التي يستطيع أى إنسان في مصر القديمة من خلالها التدرج في المناصب والوصول لأفضلها, وقد إصطلح العلماء إطلاق لفظة كاتب scribe  علي تلك الطائفة من المتعلمين في مصر القديمة, إلا ان ذلك اللفظ يتعدي معرفة حامله بالقراءة والكتابة, فالكتبة في مصر القديمة كانوا أهل العلم بالبلاد وهم من تخرج منهم طوائف الكهنة والنبلاء وحتي الوزراء في مصر القديمة.

وقد كانت لوظيفة الكاتب اهمية كبري في مصر القديمة وذلك لتعلق الحضارة المصرية القديمة بالمؤسسات المنظمة وكذلك التدوين فكان الكاتب هو عماد تلك المنظومة, وقد رأينا العديد من الملوك الذين تولوا عرش مصر ولم تكون أصولهم ملكية قد صوروا أنفسهم في هيئة الكاتب مثل الملك “رمسيس الأول” وكذلك “حور محب”, وهو ما يعني أن السلك القيادي حتي في مؤسسات الجيش كانت يتطلب الوصول لتلك المرحلة من التعليم, ونجد في النصوي المصرية القديمة ما يحث علي السعي وراء التعليم والعمل بمهنة الكاتب فهي مهنة مريحة تدر علي صاحبها المكانة وحتي اليسر المادي, فنجد النصوص والنصائح تطلب من المتلقي أن يتجنب المهن المتعبة مثل الجندية والعمل بالحرف وإختيار مهنة الكتابة عليها, ولم يكن الكتبة في مصر القديمة علي مستوي واحد فهي طبقة لها درجات مثل أى طبقة في المجتمع المصري فيها المبتدئون ومتوسطي الخبرة إنتهاءً بالخبراء ذوي المناصب, وهو أشبه بالدرجات الوظيفية الحالية في النظام الحكومي المصري.

وقد كانت العلاقة بين إنتشار التعليم والتقدم الحضاري في مصر القديمة علاقة طردية, فنجد علي سبيل المثال أن اسوأ تلك الفترات والتي إستشري فيها الجهل في مصر القديمة كانت في العصور الرومانية عندما تجاوزت نسبة الأمية في مصر القديمة حوالي 85% من المجتمع.

العلم= الحياة

في اللغة المصرية القديمة كان هناك كلمة تنطق: عنخ يسميها البعض بالخطأ “مفتاح الحياة”, وعلي الرغم من بساطة ذلك التعبير وسطحيته إلا أنه يحمل شيئاً من الحقيقة حيث أن الكلمة تعني بالفعل “حياة”, ولكن هذا لم يكن المعني الوحيد للكلمة التي تعددت معانيها ما بين القسم كما يفعل المصريون الحاليين الآن عندما يقسموا قائلين “وحياة كذا”, ومن ضمن معاني تلك الكلمة هي أن عنخ تعني أيضاً علم, وكان الأرشيف أو الجامعة أو المؤسسة الملحقة بالمعابد والمسئولة عن حفظ العلوم وتناقلها تعرف باسم “بر عنخ” أو “بيت الحياة”.

بر عنخ يالهيروغليفية المصرية
بر عنخ يالهيروغليفية المصرية

أى أن العلم في مصر القديمة حاز علي حيز كبير من إهتمام المصريين وكان تطبيقه له أثراً كبيراً في الإنجازات التي وصل لها القدماء

التعليم: ميراث الأب لإبنه

إن آذان الصبي في ظهره, فيصغي حينما يضرب

هذه المقولة المنقولة من مصر القديمة لربما تعبر عن جزء من فلسفة التعليم التي كانت شائعة في مصر حتي وقت قريب, وقد كان التعليم عملية معقدة في مصر القديمة وله مجالات وأنواع مختلفة.

كان أكثر أنواع التعليم شيوعاً في مصر القديمة هو التعليم في البيت, فيقول “ديدور الصقلي” أن الآباء كانوا يعلمون أولادهم الخطوط العريضة لمهنتهم, وقد كان ذلك التعليم المتوارث ذا شهرة واسعة في مصر القديمة, فالأب ينقل علمه وخبراته لأبنائه من بعده لدرجة أن كتبة نصوص الأخلاق في مصر القديمة قد صاغوا رسائل الحث إلى الخلق الحسن في صورة وصية من أب لإبنه.

انواع التعليم في مصر القديمة

في القصر الملكي كان الملك يعهد بتعليم أبنائه من أمراء وأميرات إلى مختص, ولم يقتصر الأمر علي معلم واحد فقط بل أن عملية تعليم أبناء الملوك كان تمر بمراحل شديدة التعقيد فعلي صغار القصر الملكي أن يلموا بكل العلوم التي توصل إليها المصريين القدماء مضاف إليها العلوم الكهنوتية والدينية وليس الدنيوية فقط.

وفي مصر القديمة كان العرف ينشأ في القصر الملكي أولاً ثم ينتقل إلى عامة اشلعب المصري, فنجد  الصناع والموظفون فكانوا يتبعون نظاماً مشابهاً فيرسلوا أبنائهم ليتتلمذوا علي يد أساتذة, ثم تطور الامر لاحقاً ليتم جمع عدد من التلاميذ تحت إمرة أستاذ واحد.

أما النبلاء فكانوا يرسلون أبنائهم ليتعلموا مع أبناء الملوك, وكانت المصالح الخاصة والإدارات في مصر القديمة لها مدارسها الخاصة – مثل بيت الحياة- ونعلم من خلال النصوص القديمة ان مصطلح المدرسة كان موجودا علي الأقل من بداية الدولة الوسطي لتأهيل موظفين للمستقبل.

كان الطفل يذهب إلى المدرسة في حوالي سن العاشرة ويستمر فيها لمدة أربع سنوات تقريباً, ومثل ما نفعله حديثاً كان الاولاد يتعلمون القراءة سوياً بغناء الفقرات المختارة من المناهج, أما الكتابة فكانوا يتعلموها عن طريق نقل النصوص.

وقد نجا العديد من تمارين الطلبة والتي عثر عليها مكتوبة علي قطع الأوستراكا ووجدنا بعض النصوص التي نقلها الطلبة المصريين القدماء لنصوص كان عمرها وقتها ألف وخمسمائة عام, فقد تداول المصريون القدماء تراثاً قديما علي هيئة تعاليم دونت في عصور سابقة من أشهرها تعاليم الأمير “حور جدف” وكذلك الحكيم “بتاح حتب” ومعه الحكيم “آني” وغيرهم من النماذج التي كانت مثلاً أعلي للناس في مصر القديمة.

 

مراحل التعليم

أيها الكاتب لا تستلم للكسل, وإلا أصابك الندم , ولا تنغمص في الملذات وإلا كنت من الفاشلين, أكتب بيدك واقراً بشفتيك.

ينقسم التعليم في العصر الحديث إلى تعليم أساسي, متوسط, ثم عالي وجامعات, ومن المثير للإهتمام أن نفس ذلك النظام – مع الفارق الزمني والمجتمعي- كان مطبقاً في مصر القديمة,كان التعليم والمناهج متعلق بالمستقبل وتأهيل الفرد للمرحلة التالية من التعليم أو مجابهة الحياة العملية.

لم يضع المصري القديم فواصل بين مراحل التعليم كما نفعل اليوم علي الرغم من أنهم طبقوا نظام تلك المراخل.

التعليم الأساسي

وهي المرحلة التي يتلقي فيها الطفل مبادىء القراءة والكتابة, ومع نهاية تلك المرحلة كان الإنسان يتزود بنوع من الفنون والثقافة وكذلك المعرفة, وكانت مثل تلك الدروس في طور الصبا وفي قاعة تعليمية تسمي “قاعة الدرس”.

في تلك القاعات كان الصبي يتعلم مفردات اللغة ويتدرب علي رسمها ونسخها, ويتلقي أيضاً معرفة أساسية ومبادىء عامة وقدر من أصول الدين وهو مشابهة لنظام الكتاتيب القديم في مصر.

التعليم الأساسي
التعليم الأساسي

وقد كانت تلك المرحلة هي الأساسية التي يمكن للمرء بعدها أن يتخصص في درب من العلوم, وفي نفس الوقت إن أجبرته ظروف الحياة علي الإكتفاء بهذه المرحلة من التعليم فيمكنه الإلتحاق بوظيفة موظف صغير في الدواوين الحكومية ويسمح له تجاوزاً أن يحمل لقب كاتب ( كان هذا اللقب لا يعني أن حائزه يجيد القراءة والكتابة فحسب).

علي أننا ليس لدينا أدلة تشير إلى تكافوء الفرص في التعليم في عصر الدولة القديمة – بناة الأهرام-فلم تكن الممدارس تفتح أبوابها للجميع وكانت مقتصرة علي أبناء الملوك والنبلاء, ومع حلول الدولة الحديثة أصبحت المدارس تفتح أبوابها للجميع وكان لذلك سبباً وجيهاً مع إتساع رقعة الإمبراطورية المصرية وكثرة الوظائف التي خلقت بالتالي تكافوء وعدل إجتماعي في العملية التعليمية.

التعليم المتوسط

وهي إمتداد للمرحلة السابقة والغرض منها التوسع في تلقي المعرفة وبدأ التخصص في لون من ألوان العلم, وقد تميزت تلك المرحلة بالشق النظري والتطبيق العملي وقد كانت تلك المرحلة تتم بإشراف ومظلة حكومية حيث كان الطالب يتلقي التدريب المباشر من طائفة الموظفين المتمرسين في تخصص بعينه وكان الطالب يقوم بدور المساعد للكاتب المتمرس ذو الخبرة وتنتهي تلك المرحلة بتجهيز الطالب للإندماج في العمل العام في التخصص الذي إختاره.

ومن عصر الدولة الحديثة وما بعدها لدينا وثائق ساعدتنا علي رسم صورة لتلك المرحلة التعليمية والتي كان يتلقي الطلبة فيها التدريب بشكل فردي أو جماعي في مختلف مؤسسات الدولة مثل المالية والجيش والثروة الحيوانية وكذلك الخدمة بالمعابد.

التعليم العالي

كانت تلك المرحلة تقابل الدراسات العليا في عصرنا الحديث وفيها يلتحق الباحث ببيت الحياة الذي أشرنا له في بداية المقال, والذي كان ملحق بالمعابد المصرية.

بيوت الحياة
بيوت الحياة

كانت بيوت الحياة في مصر القديمة ملتقي للصفوة من الكتاب وأهل العلم والثقافة, وهناك كان يتم تأليف الكتب والرسائل ونسخ النصوص, وكان يتم تقسيم تلك النصوص وتصنيفها بل وأرشفتها, ومما يثير الإعجاب أن المصريون القدماء قد عرفوا وشيدوا بيوت الحياة منذ عصر الدولة القديمة, وقد تم ربط تلك المؤسسات بالعديد من الآلهة المصرية وعلى رأسهم الإله “تحوت” إله المعرفة ورب القلم ومعه سشات ربة الكتابة, كذلك إيزيس واوزيري وخنوم وسائر الآلهة والأرباب المصرية القديمة.

أشهر الجامعات المصرية القديمة

ومن أشهر تلك المؤسسات في تاريخ مصر القديمة هي المؤسسة الملحقة بمعبد الإله “رع” في مدينة “اون” – عين شمس والمطرية حالياً- وهي علي الأرجح أعرق وأقدم دور العلم في العالم وفي مصر بشكل خاص, فنجد الإغريق يتوافدوا إليها من بلادهم ليتعلموا فيها ونذكر منهم: صولون, طاليس, وأفلاطون وغيرهم.

وفي سايس – صا الحجر- كانت مدرسة الطب تستقبل وفودوا من الطلاب وحققت شهرة ساحقة في العصر البطلمي.

بالإضافة إلى ذلك دور الحياة التي كانت ملحقة بمعبد “أبيدوس” , وكذلك “منف”, وأخري في “آخت آتون” – تل العمارنة- وقد تميزت كل المدن الكبري في مصر القديمة ومعابدها بمؤسسات من هذا النوع.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *