التخطي إلى المحتوى
سرابيط الخادم
سرابيط الخادم

لربما يكون من المدهش أن يعلم القاريء أن علم الأبجديات المعروف في العالم الحالي ” فيما عدا شرق آسيا” يرجع أصله إلي الكتابة الهيروغليفية المصرية – الخط الهيروغليفي- ولهذه الدهشة ما يبررها نظراً للإختلاف الواضح ما بين أشكال حروف الأبجديات الحالية كالخط العربي والخطوط الأوروبية وبين علامات الخط الهيروغليفي التي تمثل صور من الطبيعية كالحيوانات والطيور, ولكن علي الرغم من هذا فإن ذلك كان بسبب تاريخ طويل ومراحل طويلة مرت بها الكتابة المصرية والخط الهيروغليفي حتي وصلت للأبجديات الحالية.

اللغة المصرية القديمة

في البداية نواجه مع التعريف باللغة المصرية القديمة بعض العوائق المتمثلة في المعلومات الشائعة عنها, فالبعض يظن أن اللغة المصرية القديمة هي إما لغة مندثرة أو حتي لغة مكتوبة وليست منطوقة فتضاف تلك المغالطات إلى عملية البحث وتعقد منها بعض الشيء.

اللغة المصرية القديمة
اللغة المصرية القديمة

وحقيقة الأمر أن اللغة المصرية القديمة كانت لغة ينطبق عليها ما ينطبق علي لغات أخري فلها نحو وصرف وقواعد كما أنها بلغت من الثراء مبلغاً عظيماً لأنها لا تزال متداولة حتي يومنا هذا وسنعلم كيف لاحقاً.

اللغة المصرية القديمة كان يطلق عليها المصري القديم ” را إن كمت” ومعناها “لسان كمت, وكمت هنا هو أحد أشهر أسماء مصر قديماً، وكان أحد أشكالها المكتوبة ما أطلق عليه المصري القديم ” مدو نتر” او كلام الإله, وقد إستخدم المصري القديم أكثر من طريقة لكتابة لغته.

إستخدم المصري القديم علامات من الطبيعة للتعبير عن لغته وكتابتها وقد كانت الكتابة تشمل 24 علامة واضحة تعبر عن أصوات يمكننا أن نطلق عليها أبجدية, وقد كتبها بأكثر من شكل كتابي مثل كل اللغات , فالعربية لديها الخط الكوفي والنسخ وكذلك اللغة المصرية القديمة فالنقوش الزاهية والواضحة التي تحمل العلامات الكاملة تسمي الخط الهيروغليفي, بينما الشكل المختصر منها هو الخط الهيراطيقي ومن ثم الشكل الأكثر إختصارا ويسمي الديموطيقي.

وقد كان تطور اللغة المصرية القديمة منطقياً لعدة أسباب أهمها تطور إستخدامات الكتابة في المجتمع المصري الذى كان حريصاُ علي التدوين والتوثيق لأسباب عملية بحتة متعلقة بالحياة اليومية فلا يصلح الخط الهيروغليفي المعقد في كتابة وتدوين أنشطة الحياة اليومية في المؤسسات والحقول والورش لذلك إبتكر المصريون خطاً مبسطأ وهو الهيراطيقي ومن ثم تطور من الهيراطيقي الديموطيقي.

إذن فنحن نتحدث عن لغة واحدة بثلاث طرق كتابة مختلفة وقد تطورت تلك اللغة مثل أى لغة ومرت بمراحل لغوية مختلفة ولهجات متفرقة أيضاً حتي وصلت لنا بشكلها الحالي وهو ما يسمي اللغة القبطية, وتلك اللغة ماهي إلا اللغة المصرية القديمة ولكنها مكتوبة بطريقة رابعة غير الخطوط الثلاث الأولي , قالقبطية مكتوبة بحروف يونانية مضاف إليها علامات من الخط الديموطيقي, وقد كانت القبطية أحد أركان حل لغز إعادة قراءة اللغة المصرية القديمة مرة أخري.

وقد ظهر الخط القبطي نتيجة إحتكاك المصريون القدماء بالتجار والمرتزقة الإغريق في فترة تاريخية سميت بالعصر المتأخر للحاجة إلى التعامل مع هؤلاء القوم فنشأت كتابة مشتركة بينهما, وبتطور الزمن أصبح للخط القبطي أهمية قصوي فاصبح هو المهيمن في التعاملات اليومية بل أنه تحول إلى خط رسمي في العصور البطلمية والتي تلت غزو الإسكندر الأكبر لمصر, وقد تطور الأمر في نهاية المطاف إلى تحول مصر إلي ولاية رومانية وفي تلك العصور بلغت نسب الأمية حداً مرعباً وفقدت مصر أهميتها كمركزاً حضارياص وأصبحت مجرد ولاية رومانية أخري.

أما عن نهاية إستخدام الخطوط القديمة للغة المصرية القديمة فكانت مع تحول الإمبراطورية الرومانية إلى المسيحية، ففي البداية كانت “روما” تضهد المسيحيين الذين هرب كثيرون منهم إلى مصر , ومع تحول روما نفسها إلى المسيحية إنقلبت الآية وأصبحت تحارب كل ماهو غير مسيحي وتم وصم المعتقدات الأخري بالوثنية وبناء عليه تم إتخاذ القرار بمحاربة تلك المعتقدات مما تسبب فى اغلاق المعابد المصرية وإضطهاد كهنتها.

وقد نتجت عن تلك الممارسات الرومانية نتيجة خطيرة وهي فقدان المصريين تدريجياً المعرفة بالكتابة الهيروغليفية والهيراطيقية والديموطيقية فمن ناحية الهيروغليفية هي الخط المقدس الذي تنقش به وتكتب به الكتابات المقدسة علي المعابد والمقابر علس سبيل المثال وهي الاماكن التي هجرت ومن جهة اخري فإن شيوع الخط القبطي قد غطي علي الهيراطيقية والديموطيقية بشكل ما.

الأبجدية المصرية

من الثابت كما ذكرنا أن المصريون كانوا أول من عرف فكرة الأبجدية ففي الهيروغليفية 24 علامة تعبر عن كل واحدة منها عن صوت واحد فيما يشبه بالأبجدية وفي بعض هذه العلامات يمكننا أن ننتبع ما يعرف باسم القاعدة الاكروفونية Acrophonic Principle  والتي سنشرحها لاحقاً, وعلي الرغم من ذلك لم تكن كل حروف الهيروغليفية هي أصل الحروف التي إنتشرت بين أبجديات العالم لاحقاً وهذا متعلق باللغة المصرية القديمة التي لم يستخدم فيها المصري هذه الحروف فقط بمفردها وإنما إستخدم معها علامات أخري تعبر عن صوتين وثلاثة أصوات وأحياناً أكثر, كما أن هناك علامات أدت وظيفة المكملات أو المتممات الصوتية , فعلي سبيل المثال كلمة “بر” وتعني بيت كانت تكتب بمفردها عبارة عن صوتين ” ب” و “ر” ويضاف إليها “ر” في نهايتها لتأكيد نطق هذا الصوت فتكتب “برر” وتنطق “بر”  وبهذا فقدت العلامات الهيروغليفية قيمتها الأبجحدية نظراً لتعدد إستخداماتها كما أسلفنا.

الأبجدية السينائية
الأبجدية السينائية

وقد كان ذلك لأن الكتابة المصرية إعتمدت علي الشكل التصويري للعلامات كما ذكرنا فعلاماتها لا تنطق بصوت واحد فقط وحتي صوتين بل أحياناً ثلاثة أصوات وأكثر كما يضاف للكلمات أيضاً ما يسمي بالمتممات الصوتية وغيرها, وقد تسببب هذه الطريقة في تعدد علامات الكتابة المصرية القدية حتي وصلت إلى حوالي سبعمائة أو ثمنائة علامة وصلوا إلينا في العصر الحالي.

وهذا ينتقل بنا إلى السؤال المنطقي الوحيد: إذا كان الإستخدام المتعدد للعلامات الهيروغليفية المصرية قد أفقدها خاصيتها كأبجدية فكيف أشتقت أبجديات العالم منها لاحقاً؟

وإجابة هذا السؤال تكمن في حلقة تطورية مهمة بين الكتابة المصرية والأبجديات الحالية وتلك الحلقة هي الأبجدية نفسها التي تتجلي فيها الخواص الرئيسية للكتابة من إقتصار علي حروف الكتابة فقط دون ان يصاحبها علامات أخري.

 

الفينيقية أصل الأبجدية؟

منذ القدم ويظن البشر أن الفينيقية هى أصل الأبجديات وكان ذلك محل جدل منذ عصور سحيقية فنجد ذلك حتي واضحاً جلياً في عصر مبكر مثل عصر هيرودوت (حوالي 484 ق.م – 425 ق.م) فنجده يؤكد تلك المعلومة في كتاباته ويؤكد تلك المعلومة، ولكن من إين نشات الأبجدية الفينيقية؟

وواقع الأمر أن أصل تلك الأبجدية هو ما يسمي بالأبجدية السينائية المبكرة Proto-sinatic Alphabet واالتي نشات في سيناء في وقت ما من القرن العشرين قبل الميلاد, ووصفها بالمبكرة هنا يميزها بأبجدية أخري سينائية أيضاً إنتشرت في سيناء في عصر متأخر ما بين القرنين الثالث والرابع الميلاديين وترجع أصلها إلي الأبجدية النبطية.

 

الأبجدية السينائية المبكرة

نشات الأبجدية السينائية المبكرة في منطقة سرابيط الخادم بجنوب سيناء حالياً وهي المنطقة المعروفة في التاريخ المصري منذ عصور مبكرة وإستعمرها المصريون القدماء لاستخراج النحاس والفيروز وانشاوا فيها المعابد ومقاصير العبادة, وقد كان للمصريون باعاً في تلك الأرض منذ قديم الأزل فنجد منذ العصور المبكرة ان الملوك كانوا يرسلون الحملات إلى هناك في عصر الأسرات المبكر وهناك الكثير من الملوك المصريون الذين تم تصويرهم في سيناء مثل الملك “سخم غت” من الاسرة الثالثة ” سنفرو” وإبنه “خوفو” من الأسرة الرابعة في منطقة وادي المغارة, ولكن ذروة تلك الهيمنة بلغت أقصاها في عصر الدولة الوسطي وهو العصر الذي إزدهرت فيه منطقة سرابيط الخادم.

 

وقد كان سكان تلك المنطقة مجموعة من الساميين البسطاء الذين كانت علاقاتهم بالمصريون متنوعة إنتهت بتمصرهم في نهاية المطاف.

فتذكر لنا المصادر التاريخية أن ملكاص مثل أمنمحات الثالث من الدولة الوسطي قد أرسل بعثة مكونة من 734 فرداً لتعدين حجر الفيروز، وفى تلك المنطقة حدث تقارباً بين المصريين وسكان تلك المنطقة التي تمصرت تماماً منذ عصور مبكرة وهناك توحدت الإلهتين “حتحور” و”عشتار” وشيد معبداً لحتحور هناك لا تزال أطلاله قائمة حتي الآن، وقد تم العثور علي داخل المعبد تماثيل مصرية الطابع تمثل أبو الهول وكذلك نفوش وتصويرات للآلهة المصرية القديمة بل أن سكان المنطقة أنفسهم قد صوروا أنفسهم حليقو اللحي مرتدين الزي المصري وهو ما يؤكد التأثير المصري الذي تكرر في أماكن مختلفة وعصور مختلفة علي مر التاريخ.

الأكروفونية

وهو مصطلح مركب من الكلمتين اليونانيتين “أكرو” وتعني رأس, وفون وتعني صوت وهي لا تزال الطريقة المستخدمة حتي الآن في تعليم الأطفال نطق الأبجدية فنرسم للطفل شكل برتقالة , ونكتب بجوارها برتقالة وحرف “ب”، وهذه الطريقة تتلخص في اتخاذ الصوت الأول من نطق الإسم الدال علي شكل العلامة ليكون قيمة صوتية مفردة للعلامة إذا دخلت فى تركيب كلمات, وهذا ما حدث في تطور الأبجدية السينائية من المصرية القديمة فما حدث أن سكان سيناء الساميين قديماً والمتمصرين لاحقاً قد إستخدموا الكتابة المصرية القديمة كمادة خام لتلك الأبجدية, ويرجح أن ذلك التحول قد حدث بسبب ثراء اللغة المصرية القديمة التي وصلت علاماتها إلى حوالي 700 علامة فلم سيتطيع هؤلاء الأناس البسطاء فهمها واستخدامها فقاموا بتبسيط بعض علاماتها بتحويلها من كتابة مقطعية إلى حروف أبجدية متبعين الطريقة الأكروفونية التي ذكرناها.

وبهذا الاسلوب قاموا بتحويل سبعة وعشرون علامة من الهيروغليفية إلي حروف ابجدية واستخدموها وحدها بدون أى علامات مقطعية وهو ما نشا عنه ما نطلق عليه الآن الأبجدية السينائية المبكرة وهي الأبجدية الأم التي اشتقت منها سائر الأبجديات وفي مقدمتها شرق الموسط والتي كانت أساس ابجديات غرب المتوسط ثم العالم أجمع عدا شرق آسيا كما ذكرنا.

تطور الأبجدية السينائية

عندما تشاهد عزيزي القاري الأبجدية السينائية وبعض أشكالها التصويرية ستتسائل عن إختلافها الواضح للعين بين الأبجديات التي إختفي منها الشكل التصوير وغلب عليها الصفات الخطية الحالية مثل الخطوط المستقيمة والمنحنية كالتي نراها في العربية والاوروبية.

لذلك سنقوم بتتبع إنتشار الأبجدية السينائية المبكرة في المناطق القريبة من شبة جزيرة سيناء والتي إنتشرت منها إلي فلسطين في الشمال واليمن في الجنوب وفقدت شكلها التصويري بالتدريج مع تحولها إلي الأبجدية الكنعانية المبكرة والتي تحولت إلي الفينيقية والآرامية، أما الأبجديات التي تطورت في اليمن من السينائية فقد إندثرت تدريجياً مع ظهور الثقافة العربية.

ولتطور الأبجدية السينائية وتحولها للعالمية رحلة مثيرة سننتبع فصولها في مقال قادم ..

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *