التخطي إلى المحتوى

إنتهينا في المقال السابق عند سرقات الأهرامات المصرية والتي تمت بنجاح تام علي الرغم من التعقيدات التي صاحبت بنائها والأنظمة الأمنية التي صنعها المصريون لحماية تلك المقابر، وعلي الرغم من ذلك فقد سرقت جميعها ولم يتم العثور علي ما يقود علماء المصريات إلى تفسير ذلك ولكن التاريخ المصري نفسه بدأ في سرد بعض الوقائع التس تساعدنا علي إستكمال عملية البحث خلف لصوص المقابر المصرية.

نهاية عصر بناة الأهرام

إستمر ملوك مصر القديمة منذ عصر الملك زوسر وحتي نهاية الدولة القديمة في الدفن بداخل الأهرامات والتي نهبت جميعها من كنوزها ولم يتبق شيء, وقد إنتهي عصر الدولة القديمة نهاية درامية نوعاً ماً يفسره علماء المصريات بحدوث ثورة شعبية قضت علي الأخضر واليابس وقلبت المجتمع المصري رأساً علي عقب.

فبعد نهاية الأسرة السادسة وخاصة بعد عصر الملك ببي الثاني “نفر كا رع”  والذي يعتقد أنه حكم 94 عاماً كأطول فترة حكم لعاهل مصري في التاريخ بل أن الملك “ببي” له رقم قياسي مسجل بإسمه في موسوعة جينيس للأرقام القياسية بسبب طول فترة حكمه.

الملك ببي الثاني
الملك ببي الثاني

شهدت نهاية الدولة القديمة تغير الميزان المجتمعي المصري وبداية إختلاط القصر الملكي بغير الملكيين فنجد أن نساء القصر قد تزوجن من خارج القصر نفسه, وقد شهد ذلك العصر نفوذا قوياً لحكام الأقاليم المصرية والذين رأوا في أقاليمهم كيانات مستقلة ذات سيادة بعيداً عن قبضة السلطة المركزية المصرية مما أدي إلي إنحدار الأحوال في المجتمع المصري والتي وصلت إلى نقطة الغليان مع قيام الثورة الشعبية التي يعتقد أنها كانت بعد فترة حكم الملك “ببي الثاني” مباشرة.

ولأول مرة نجد وثيقة مصرية تخبرنا عن سرقات المقابر أو حتي تشير إليها وهى ما عرفت ببردية الحكيم “إيب ور”.

 

مأساة إيب ور

وهي بردية محفوظة حالياً بمتحف “ليدن” في هولندا إشتراها المتحف من القنصل السويدي “جيوفاني انستازي” عام 1828 ولا زالت معروضة بالمتحف حتي يومنا الحالي، كاتب البردية هو شخص يدعي “إيب ور” وقد سميت تلك البردية The admonitions of Ipuwer وتعني تحذيرات إيب ور, معاتبة إيب ور, وكذلك “حور بين إيب ور ورب الجميع” وذلك لأن صيغة خطاب إيب ور كانت موجهة ل “رب الجميع”.

بردية ايب ور
بردية ايب ور

ويحكي فيها عن أوضاع المجتمع المصري في تلك الفترة، فيحكي عن الفوضي التي قلبت جميع الأمور , فالفقراء أصبحوا أغنياء والأغنياء فقراء, علية القوم أصبحوا في الدرك الأسفل والسفهاء من الصفوة, المجاعة في كل مكان والموت يحصد الكثيرين, وقد وصف إيب ور حتي بعض التفاصيل المأساوية التي تعكس حتي تغير طبيعة المجتمع المصري نفسه, فيقول أن المزارعين لم يستطيعوا زرع حقولهم إلا بوجود حرساً لهم إذا إستطاعوا الزراعة من الأساس والتي أصبحت شيء نادر, فلا أحد عاد يدفع الضرائي ومقرات ومخازن الحكومة المصرية قد نهبت جميعها حتي بصل إلى أكثر الأمور مأسوية والتي تقول بان الناس تركوا أطفالهم في الشوارع وهم من لطالما تمنوا أن يولدوا لهم.

حقاً, بناة الأهرام أصبحوا من المزارعين …
إنتبه, هاهي أمور تحدث لم تحدث منذ زمن بعيد
الملك تم خلعه من قبل الرعاع
إنتبه, من تم دفنه كالصقر (الإله حورس ويقصد هنا الملك) قد حرم من الشراب, ما تم إخفاؤه بداخل الأهرمات تم تفريغها منه
إنتبه , ما حدث أن الأرض قد حرمت من الملكية عن طريق خارجين عن القانون
إنتبه, تمرد الناس علي الكوبرا الملكية, وحتي علي من تهدىء الأرضين
إنتبه, قد كشف سر الأرض التي لم تكن حدودها معلومة, وسقط المقر في لحظة.
سقطت مصر كالماء المسكوب, ومن سكب الماء علي الأرض أصبح يحمل عبء القوي في بؤس.
من لم يكن يستطع أن يصنع تابوتا لنفسه أصبح صاحب مقبرة, وأصحاب المقابر طردوا للمرتفعات
كل قضاة الأرض تشتتوا في الأرض وطردوا من اماكنهم

هنا يشير النص بوضوح إلي عدة أشياء تمكننا من تتبع ما حدث للدفنات الملكية, ففي البداية إن العمال القائمين علي تشييد مثل تلك المباني قد فقدوا وظائفهم وأصبحوا من الطبقات الدنيا وهو ما يعني توقف بناء المقابر الملكية بشكل كلي, كذلك فإن النص يشير وبوضوح إلي تفريغ (سرقة) الأهرامات من محتوياتها ويؤكد النص في فقراته علي إنهيار صورة الملكية المصرية بشكل تام وتجرؤ الدهماء علي النيل منها بل وإزالتها تماماً, وهو ما يفسر لنا سهولة سرقة مباني هائلة مثل الأهرامات في تلك الفترة وما يفسر بدوره أيضا جزء من لغز خلو الأهرامات من كنوزها.

إلا أنه وعلي الرغم من ذلك فعلي ما يبدو أن أهرامات الجيزة قد إحتفظت ولو بلمحة بسيطة من أسرارها القديمة وكنوزها في عصور لاحقة وهو ما سيتطلب بنا القفز عبر الزمن إلى عصر غير متوقع, وفترة التاريخ الإسلامي لمصر.

 

المأمون والهرم الأكبر

ولما دخل الخليفة المأمون إلي مصر, ورأي الأهرام, أحب أن يعلم ما فيها , فأراد فتحها, فقيل له: إنك لا تقدر علي ذلك, فقال : لا بد من فتح شيء منها, ففتحت له القلمة المفتوحة  الآن بنار توقد وخل يرش وحدادين يحدون الحديد ويحمونه, ومناجيق يرمي بها.

وأنفق عليه مالاً عظيما حتي إنفتحت, فوجد عرض الحائط عشرين ذراعاً, فلما إنتهوا إلى آخر الحائط, وجدوا خلف النقب مطمرة من زبرجد أخضر, فيها ألف دينار, وزن كل دينار أوقية من أواقينا, فتعجبوا من ذلك , ولم يعرفوا معناه.

فقال المأمون: إرفعوا إلي حساب ما أنفقتم علي فتجها, فرفعوه, فإذا هو قدر الذي وجدوه لا يزيد ولا ينقص, ووجدوا داخله بئراً مربعة, في تربيعها أربعة أبواب, يفضي كل باب منها إلي بيت فيه أموات بأكفانهم, ووجدوا في رأس الهرم بيتاً فيه حوض من الصخر وفيه صنم كالآدمي من الدهنج, وفي وسطه إنسان عليه درع من ذهب مرصع بالجواهر, وعلي صدره سيف لا قيمة له, وعند رأسه حجر ياقوت كالبيضة ضوءه كضوء النهار, عليه كتابة بقلم الطير لا يعلم أحد في الدنيا ماهي. ولما فتحه المأمون أقام الناس سنين يدخلون وينزلون من الزلاقة التي فيه فمنهم من يسلم ومنهم من يموت.

حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة, السيوطي 1\70

تحكي تلك المروية وغيرها محاولة المأمون العباسي فتح الهرم الأكبر ونجاحه في ذلك وهي الفتحة التي لا تزال موجودة حتي يومنا هذا والتي قام عماله بتسخين أحجار الأهرامات ومن ثم صب الخل البارد عليها لتنفلق وتكشف ما ورائها, وقد عاني المأمون الأمرين في محاولة الوصول لداخل الهرم الذي كان مغلقاً في عهده علي الرغم من سرقته قبله بآلاف الأعوام.

الخليفة المأمون
الخليفة المأمون

وعلي الرغم من ان تلك المروية لا يمكن الإعتماد عليها بشكل كاف ففيها ما يمكن أن ينقضها تماماً وهو زعمهم عثور المأمون علي دنانير ذهبية بداخل الهرم, ففي عصر خوفو لم يكن هناك عملات من أى نوع فكيف يزعم المؤرخون العثور علي عملات بالداخل؟ , كذلك فإن تلك الرواية تعطينا لمحة عن عثوره بالفعل علي تابوت الملك خوفو المصنوع من الجرانيت وزعمه أن المومياء كانت لا تزال ترقد بالداخل وهو إحتمال صعب للغاية ولكنه وارد، وما يمكننا من فهم تلك الرواية هو العبارة بين السطور التي عكست مدي الإنفاق الذي أنفقه المأمون علي تلك العملية والتي من الواضح أنها لم تؤت بأي ثمار لذلك زعموا عثورهم علي مقتنيات بداخل الهرم لتعويض ذلك الفشل.

الفتحة التي صنعها الخليفة المأمون وأعلاها مدخل الهرم الأصلي
الفتحة التي صنعها الخليفة المأمون وأعلاها مدخل الهرم الأصلي

إلا أنه وبلا شك وعلي الرغم من السرقات التي تمت قبل عصر المأمون فمن المؤكد وجود مقتنيات متبقية حتي بعد عمليات السرقة قديماً عثر عليها المأمون ورجاله ولكن المرويات مبتورة عند هذا الحد ولا تعطينا أى معلومات إضافية سواء عن وصف تلك المقتنيات أو مصيرها بعد عثورهم عليها، وعلي الرغم من عدم تصنيف تلك الرواية بشكل مباشر علي أنها عملية إغارة علي المقابر لسرقتها إلا أنه من الواضح أنها كانت كذلك ولم تكن بدافع الفضول كما ذكر هؤلاء المؤرخين.

بالعودة مرة أخري إلي تاريخ مصر القديم وبعد عصر الإنتقال الأول “الثورة الشعبية” نجد انه وعلي ما يبدو فأن الآثار المصرية – ليس الأهرامات فقط- قد طالها من النهب والتخريب مبلغاً كبيراً وقد إستمر هذا الوضع لفترة طويلة جدا بدأت أحداثها في الهدوء بإنقسام مصر شمالاً وجنوباً إلي مملكتين منفصلتين يحكم واحد منها في الشمال من اهناسيا – بني سويف- والآخر من الجنوب في الأقصر, وكان أشهر الملوك الشماليين وقتها هو الملك “ختي الثالث” والد الملك “مري كا رع” والذي يصنف ضمن الأسرة التاسعة المصرية, بينما أشهر ملوك الجنوب كان الملك “منتوحتب الثاني” الذي إستطاع إنهاء آخر مراحل الحرب الأهلية التي حدثت بين الشمال والجنوب وإنتهت بإنتصار “منتوحتب” وتأسيس الدولة الوسطي وإعادة الإستقرار إلى البلاد.

إلا أنه بالنظر للامور عن كثب فسنجد أن عصر الدولة الوسطي كان مزيجاً من موروثات الطيبيين والإهناسيين علي حد سواء ولم تكن إنتصاراً عسكرياً للجنوبيين فحسب, فنجد أن ملوك الجنوب قد إستلهموا من ملوك الشمال إعادة المركزية للبلاد وعدم تركيز السلطات في أيدي حكام الأقاليم بل والنظر لأبعد من ذلك وتأمين الحدود المصرية والعمل علي عدم إستعادة الفوضي بأي ثمن، فيمكن هنا أن نعتبرهم أسلافاً لبعضهم البعض في المكون الثقافي والحضاري وحتي أسلوب الحكم.

“لقد هدأت كل الجهات الغربية من الدلتا حتى ساحل البحر، والشرق سادهُ الأمن، وأواسط الدلتا خضعت لي. والأرض التي ساءت أحوالها قسمتها أقاليم ومدن، والسلطة التي كانت في يد حاكم واحد أصبحت في أيدي عشرة حكام. عينت الموظفين وحددت الضرائب، حين تهب الأحرار أراضي، يعملون لك كفريق واحد، لا ياتي من بينهم متمرد، ولن يأتي النيل منخفضًا. كل شرق الدلتا من حبتو حتى طريق حورس، عمرتها بمدن جديدة مأهولة بخيرة أهل الأرض، ليدافعوا عنها. يا ليتني أرى شجاعًا يحذو حذوي ويزيد على ما أنجزت”.
من تعاليم الملك ختي الثالث لإبنه مري كا رع
أما فيما يخص السرقات وعمليات النهب والسرقة للآثار المصرية في تلك العصور فنجد مفهوماً ظهر ولأول مرة بوضوح في النصوص المصرية, ففي تلك العصور أصبحت آثار الملوك السابقين آثاراً بالفعل مر عليها ردحاً طويلاً من الزمن فنجد من نصوص التعاليم
فالجرانیت یأتیك بكمیات وفیرة من الجنوب
و لذلك لا یجدر بك أن تستولى على الصروح التى شیدھا غیرك
و الحجر الجیرى یأتیك من طره
فلا تبنى مقبرتك على أطلال مقابر الغیر
و لا تستخدم فیھا الحجارة التى استخدمت من قبل فى مقابر أخرى
فان ما تفعله بالآخرین , سیفعل بك …..
و على كل ملك أن یحافظ على ما أنجزه الملوك الذین سبقوه
و یشید المزید
ان تدمیر صروح الملوك السابقین ھو خطیئة
لا یجدر بأى ملك أن یدمر صروح من سبقه من الملوك
الا اذا كان ذلك جزءا من خطة لترمیم الأثر
فانتبه یا بنى لكل عمل تقوم به فى حیاتك
فلكل فعل رد فعل
من تعاليم الملك ختي الثالث لإبنه مري كا رع

وهنا يوضح النص ما نريد طرحه وهي أن مباني الأسبقون قد تحولت لأطلال بالفعل ومبان قديمة تعرضت للنهب حاول المصريون القدماء الحفاظ عليها بقدر المستطاع، وقد إستمر ذلك الحال طوال عصر الدولة الوسطي حتي حدث ما قلب الأمور رأساً علي عقب وأتي ما لم يحلم به المصريون في أسوأ كوابيسهم وهم الغزاة الرعاة القادون من الشرق والذين عرفهم التاريخ بعد ذلك بإسم “الهكسوس”

وللحديث بقية

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *