التخطي إلى المحتوى

من أكثر المواضيع إثارة المرتبطة في أذهان الناس بشأن الحضارة المصرية القديمة هو التحنيط, ذلك العلم الغامض العتيق الذي برع فيه المصريون والذي نجت من خلاله آلاف الأجساد من مصر القديمة لنراها في عصرنا الحديث, ولطالما إرتبط بالتحنيط العديد من الخرافات والتصورات الخيالية والتي مهما حاول الباحثون تفنيدها فستظل مترسخة في أذهان الناس لسنوات عديدة لربما مئات قادمة منها.

ماهو التحنيط؟

الممياء هي الكلمة المرتبطة بالتحنيط في العصر الحديث, بالإنجليزية Mummy والتحنيط Mummification, والكثيرون يعتقدوا أن كلمة مومياء كلمة عربية بينما الواقع يقول بعكس ذلك فكلمة مومياء مشتقة من أصل فارسي وتعني “أسود اللون” وذلك للون المميز للأجساد التي تتحول إلى الأسود بعد التحنيط.

التحنيط
التحنيط

أما الإغريق فقد إشتقوا كلمة أخري وهي Embalming وتعني إغراق الجسد بالبلاسم والمواد, وهي الكلمة التي لا تزال مستخدمة في كثير من الدول متحدثة الإنجليزية للإشارة إلى حفظ الجسد بعد الوفاة.

أما في المجتمعات متحدثة العربية فالكلمة المشهورة هي التحنيط, وهي مشتقة من الكلمة العربية “حنوط” وهي المواد المستخدمة في دهان الجسد والأكفان مثل المسك, ومنها جائت كلمة “حانوطي” التي تحولت إلى حانوتي لاحقاً للإشارة إلى المشرف علي دفن الموتي والذي يقوم بتغسيلهم,

الإنسان والموت في مصر القديمة

رأي المصري القديم أن الإنسان ينقسم إلى عناصر مادية ومعنوية تمثل الإنسان والحياة وكانت:

الجسد “غت”: وهو عاء الروح وعناصر الإنسان ومحور فكرة التحنيط, والجسد هو السبب المباشر الذي أخترع له القدماء علم التحنيط, وقد إعتقد المصريون أن الإنسان خلق من الطين والقش وقد ساوي بين جميع أعضاء الجسد وبين الآلهة فلكل عضو إله.

القلب “إيب”: والذي إعتقد المصري القديم أنه موضع نفس الإنسان ويمكن أن نقارنه بمفهوم الإنسان عن العقل الآن ولكنه فرق بين القلب كعضو حيوي من أعضاء الإنسان وبين كونه  مكنون أرادة الإنسان وتفكيره.

القرين- قوي الحياة “كا”: وهو مفهوم غامض بعض الشيء في مصر القديمة ويمكن أن نلخصه بانه قوي الحياة بداخل الجسد وتصور القدماء أن ال”كا” هو كيان يخلق مع الإنسان أى أنه صورة روحانية تتشابه مع الإنسان.

الروح “با”: صورها المصري القديم علي هيئة طائر يحمل رأس المتوفي, وقد كانت لدي الروح القدرة علي التعرف علي صاحبها والإندماج معه مرة أخري في العالم الآخر عن طريق ملامحه لذلك حرص المصري القديم علي الحفاظ علي الجسد لتتمكن الروح من التعرف عليه.

الكيان النوراني “آخ”: شكل روحاني صوره المصري القديم علي هيئة طائر كامل علي عكس البا التي صورت بهيئة طائر بوجه آدمي وهو وجه المتوفي نفسه.

الإسم “رن”: إعتبر المصريون أن الإسم كيان مادي وليس معنوي لانه كما يمكن كتابته فيمكن حذفه أيضاً, وبشكل عام كان الإسم يعبر عن هوية الإنسان.

الظل “شوت”: وهو كيان يبقي علي الأرض فقط ولا يغادرها حتي بعد وفاة الإنسان.

ويمكن أن يضاف إليهم”سخم” وتعني القوة أو الشكل.

الظل والبا
الظل والبا

وتعكس تلك العناصر المفهوم المعقد لدي المصريون القدماء عن مفهوم الإنسان وروحه وتحولاته, وقد إنعكست تلك المفاهيم علي علم التحنيط في مصر القديمة نظراً لوجود أهم العناصر المرتبطة بهذا الفن ألا وهو الجسد “غت”, آمن المصريون القدماء أن الجسد هو أحد أهم العناصر التي يجب الحفاظ عليها لتحقيق الخلود في العالم الآخر ومن هنا نشأت فكرة التحنيط.

في مصر القديمة كان الموت الأول هو مفارقة ال”كا” لجسد الإنسان في الحياة الدنيا, بينما الموت النهائي هو فناء الجسد تماماً وتحلله وهو ما يعني الفناء التام, كان الموت الأول ليس نهاية المطاف ولكنه مرحلة من مراحل الحياة الأخري ولا تنتهي دورة الحياة بعده, أما الموت الثاني فكان هو نهاية الأمر وضياع كل فرص الإنسان في الخلود, وهنا ياتي التحنيط في الصورة والذي كان مهمته الحفاظ علي الجسد لمنعه من الفناء وبالتالي منع الموت الثاني.

وإرتبط المت في مصر القديمة بالإله “أوزير” – أوزيرس- إله العالم السفلي قاضي الموتي, وكانت النصوص المصرية القديمة تشير للمتوفي بأنه “أوزير”, أى أن كل متوفي هو أوزير بشكل ما, وقد كانت اوزيرية المتوفي مقتصرة علي الملوك المصريين حتي نهاية الدولة القديمة ولكن لاحقاً ومع إنتشار عقيدة الإله أوزير في جميع ربوع مصر وقلوب شعبها أصبح كل متوفي هو أوزير وليس الملوك فقط.

التحنيط: رحلة نحو الخلود

لم يكن التحنيط ممارسة واسعة النطاق علي المستوي الشعبي في مصر القديمة, فلم يكن أى حد بإستطاعته ممارسة هذا الفن بل كان مقتصراً علي انواع وطبقات معينة من الكهنة هي التي تقوم به, كما كان التحنيط عالي التكلفة وتختلف تكلفته حسب متطلبات أهل المتوفي وقدراتهم المادية.

فعلي سبيل المثال كانت أجود انواع التحنيط وأكثرهم كمالاً هو التحنيط الملكي الذي تم إستخدام اجود المواد فيه وكذلك أمهر المحنطين يليه النموذج الجيد الذي كان يستطيع تحمل تكلفته النبلاء وعلية القوم, يلي ذلك النوع عملية أقل تكلفة وهي إستخراج الأحشاء من الجسد  عن طريق إذابتهاويتم ذلك عن طريق حقنة شرجية من زيت الأرز يتم بعدها تجفيف الجسد ولفه باللفائف, أما النوع الأخير وكان للفقراء ويتم فيه تجفيف الجسد ومن ثم لفه بالكتان مع عدم إستخراج الأحشاء .

التحنيط
التحنيط

من المتعارف عليه أن عملية التحنيط كانت تستغرق اربعون يوماً وهو ما لا يزال في الوعي الجمعي المصري حتي الآن مع إقامة أربعين للمتوفي حيث يجتمع أقارب وأحباء المتوفي بعد اربعون يوماص من وفاته لإحياء ذكراه, ولكن النصوص تخبرنا أن تلك اقلاعدة ليست ثابتة علي الدوام ففي بعض الأحيان نجد إلتزاما بقاعدة الاربعين يوماً للتحنيط وفي أحيان أخري يتجاوز الأمر أكثر من ذلك حتي يصل إلى اكثر من مائتي وخمسون يوماً, اما المدة الصحيحة المتعارف عليها من خلال غالبية من النصوص فكانت سبعون يوماً منذ يوم الوفاة تقام الجناز بعده , ولربما كانت الأربعون يوماً تشير إلى إنتهاء مدة التحنيط نفسها وليس تجهيز الجسد بالكامل.

التحنيط خطوة بخطوة

علي الرغم من تطور علم التحنيط عبر العصور المصرية القديمة وإبداع المصريون في الإضافة له والتعديل عليه حتي أتقنوا ذلك الفن كما لم يتقنه بشر قبلهم ولا بعدهم, إلا اننا يمكن أن نستخلص الخطوات الرئيسية لعملية التحنيط مما ورد إلينا من نصوص وكذلك من الأبحاث التي تمت علي المومياوات المصرية بشكل عام.

التحنيط خطوة بخطوة
التحنيط خطوة بخطوة

تبدأ عملية التحنيط بتغسيل المتوفي في حوض مخصص لذلك, وكانت تلك العملية تتم بالماء وملح النطرون وكان الغرض منها تطهير جسد المتوفي من أى دنس وشوائب والأوساخ العالقة به, قد لاحظ المصري القديم أن الرطوبة والسوائل داخل الجسد لا يمكن أن يتم التحنيط وهي لا تزال داخل الجسد الذي سيبلي بعدم نزعها لا محالة لذلك الخطوة التالية كانت إستخراج سوائل الجسد بنزع المخ وإستخراج الأحشاء الداخلية.

كانت أول مراحل إستخراج الأعضاء الداخلية هي إستخراج المخ وكان يتم بطريقتين عن طريق إدخال أداة معكوفة بداخل الأنف تقوم بكسر العظمة التي تؤدي للمخ ومن ثم يقوم المحنط بلف تلك الأداة داخل المخ فتقوم بتفتيته ومن ثم قلب المتوفي علي وجهه فيخرج المخ من فتحة الأنف بعدما تضاف السوائل بداخل الدماغ لتسهيل عملية الإستخراج, اما الطريقة الثانية فكانت تتم عن طريق عمل فتحة في مؤخرة الجمجمة يتم إستخراج المخ عن طريقها, وفي بعض الأحيان لم يكن المصري القديم يستخرج المخ من الجسد ويتركه بداخله.

بعد الإنتهاء من إستخراج المخ كان المحنط يقوم بنزع أعضاء الجسد الداخلية ويتم نزع تلك الأحشاء عن طريق فتحة يصنعها المحنط في الجانب الأيسر من البطن بإستخدام سكين من الظران, وقد وضعت أربعة أعضاء للمتوفي بداخل ما يسمي بالأواني الكانوبية, وتلك الاواني كانت تغلق باغطية تأخذ شكل إنسان أو تأخذ شكل أبناء حورس الأربعة وكانت العملية تتم كالتالي شكل غطاء آدمي ويحمل شكل الإله “آمستي” ويحمل الكبد, شكل غطاء برأس قرد ويحمل شكل الإله “حعبي” ويحمل الرئتان, إبن آوي, الإله دوا مت إف ويحمي المعدة, قبح سنو إف ويحمي الأمعاء لتكتمل الأواني الكانوبية الأربعة التي توضع بداخلها الأعضاء بعد لفها بالكتان ومن ثم توضع الأواني نفسها في صندوق.

بعض من أدوات التحنيط
بعض من أدوات التحنيط

وقد كانت أعضاء الجسد يتم إستخراجها ومن ثم معالجتها بملح النطرون ومواد اخري لتحنيطها, كما أن المخ لم يكن يلقي كما يعتقد البعض وإنما يوضع في اواني أو جراب من الجلد, أما القلب والكليتين فكان يتم تحنيطهم ومن ثم إعادتهم للجسد مرة أخري, وكانت من أهم التمائم المرتبطة بالقلب هي الجعران يوضع فوق القلب مباشرة بعد إعادته للجسد يسجل عليه تعويذة القلب من كتاب الموتي, قد تم وضع تلك التميمة لعلم المصريون أن القلب لربما يتحلل وبالتالي لا يخلد صاحب الجسد بعد التحنيط.

أما بعد إستخراج الأحشاء فكان المحنط يضع بداخل الفراغات الناتجة عن إستخراج الأعضاء حشوات مكونة من الكتان في أغلب الوقت وذلك لجعل الجسد يستعيد شكله ويبدو في مظهر لائق.

أما الخط التالية فكانت أهم الخطوات علي الإطلاق وهي تجفيف الجسد والهدف منها إستخلاص وتجفيف الماء الموجود بجسد الإنسان وفي هذه الخطوة يستخدم المحنطون كمية هائلة من ملح النظرون – وهي كلمة حديثة مشتقة من الكلمة المصرية القديمة نتر تعني إلهي أو مقدس – وكانت تستغرق حوالي أربعون يوماً- ظهرت بسببها عادة أربعين الميت كما ذكرنا- وكانت عملية التجفيف تتم علي سرير  من الحجر علي الأغلب, مائل بشكل يسمح بالتخلص من السوائل, وكان السرير نفسه يبدأ بقناة تجري فيها المياه للتجمع في حوض أسفل السرير.

 

أعقب عملية تجفيف الجسد معالجته بالزيت والدهانات العطرية في هذه المرحلة يكون الجسد قد تحل للون بني بسبب عملية التجفيف مع إنكماش الجسد بشكل ملحوظ, وقد كانت تلك العملية تستغرق نحو عشرة أيام وبعد إنتهاء تلك العملية يقوم المحنطون بإغلاق فتحات الجسد قبل تكفينه وكان الحنط يغلق جميع فتحات الجسد الطبيعية وكذلك الفتحات التي نتجت عن عملية التحنيط, وجدير بالذكر أن فتحة إستخراج الأحشاء

سرير تحنيط, متحف ميت رهينة المفتوح
سرير تحنيط, متحف ميت رهينة المفتوح

يوضع عليها تميمة عين حورس ويتم لصقها عن طريق تخييطها ا لصقها بشمع العسل, ومن ثم تكون اللمسة الأخيرة بضع ذراع المتوفي في وضع متقاطع الذراعان علي الصدر وه وضع ملكي حصرياً منذ الدولة الحديثة – وإن كان أي شخص لاحقاً خاصة في العصور الرومانية يستطيع أن يدفن متقاطع الذراعان- أما الملكات فكانت أذرعهن توضع جانب داخل الفخذ او خارجة أما إذا كان المتوفي من خارج خارج طبقة الملكية المصرية فيتم مد الذراعان بجوار الجذع.

بعد إنتهاء تلك العملية يبدأ تكفين المتوفي ووضع لمسات تحافظ علي ملامح المتوفي قد كان التكفين كفيل بحفظ الجسد حفظاً جيداً من أى عامل خارجية كما كان يوفر حماية دينية بضع التمائم التعايذ الحامية ما بين لفائف الكتان التي كانت تتعدي في بعض الأحيان أكثر من 250 متر.

مومياء مصرية, متحف اللوفر
مومياء مصرية, متحف اللوفر

في نهاية الأمر وبعد إنتهاء عملية التكفين يوضع القناع علي وجه المتوفي وتتم قراءة الصلوات النهائية والتعاويذ لتجهيز المتوفي للجنازة الدفن ليبدأ معه المتوفي رحلة الخلد الأبدي.

 

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *