نبيل فاروق كما يحكي هو عن نفسه
الدكتور نبيل فاروق الروائي المصري

يوم الخميس العاشر من ديسمبر 2020م، توفى الكاتب الروائي الشهير نبيل فارق عن عمر يناهز 64 عامًا، تاركًا خلفه تراثًا روائيًا ضخمًا، أثر في جيل الثمانينيات والتسعينيات. في السطور التالية نعرض لعدة ملامح من تجريته وشخصيته، بعضها خفيٌ لا تظهره كتابات فاروق المتنوعة، ولو قرأناها كلها. هذه السطور يرويها نبيل فاروق بنفسه عن نفسه.

موجز حياة نبيل فاروق

اسمه الكامل: نبيل فاروق رمضان بيومي، وهو روائي مصري اشتهر برواياته البوليسية. ولد في 9 فبراير عام 1956 في مدينة طنطا بمحافظة الغربية، وتحصل على مجموع عالٍ في المرحلة الثانوية مكّنه من الالتحاق بكلية الطب البشري بجامعة طنطا، وتخرج منها وتخصص في طب الأطفال، وعمل لقرابة عشر سنوات في المجال الطبي قبل أن يتركه ويكمل مسيرة العمل الروائي والأدبي. ترك نبيل فاروق إنتاجًا أدبيًا ضخمًا يزيد عن 600 عملًا روائيا، قبل أن يتوفّى في 9 ديسمبر 2020م، على إثر إصابته بأزمة قلبية حادة.

الدكتور نبيل فاروق في مراحل مختلفة من حياته
الدكتور نبيل فاروق في مراحل مختلفة من حياته

بداية نبيل فاروق مع الكتابة

يحكي نبيل فاروق أنه عندما كان صغيرًا في الصف الخامس الابتدائي كان لا يحب حصة الألعاب، ولا يحضر بالزي الرياضي، واعتاد أن يشغل المُدرسة “أستاذة سهير” بإعطائها قصة إذا نسي الزي الرياضي، وفي مرة من المرات لم يحضر الزي ولم يحضر قصة، فاضطر إلى أن ينسج قصة من بنات أفكاره، وأُعجبت المدرّسة بهذه القصة، وقالت له “أنت حكّاء” وطلبت منه أن يكتبها، فعاد إلى بيته وكتبها بقلمه.

في المدرسة كُتبت القصة على الآلة الكاتبة وطُبعت، وصنع لها مدرّس التربية الفنية غلافًا، وعندما حضر مفتشٌ إلى المدرسة، أبرزت له إدارة المدرسة القصة وتباهت بما صنعه أحد أبنائها. هنا بدأ نبيل فاروق يشعر من نفسه أنه قادر على كتاب شيءٍ ممتعٍ يستحق القراءة.

أبرز أعمال نبيل فاروق

  • سلسلة رجل المستحيل: وصدر منها 160 عددًا، بخلاف الأعداد الخاصة.
  • سلسلة ملف المستقبل: صدر منها 160 عددًا، بخلاف الأعداد الخاصة.
  • سلسلة ع2x.
  • سلسلة زووم.
  • سلسلة زهور.
  • سلسلة فارس الأندلس.
  • سلسلة روايات عالمية للجيب.
  • سلسلة سيف العدالة.
  • سلسلة بانوراما.
  • سلسلة حرب الجواسيس.
  • سلسلة مسرح الجريمة: وصدر منها عددان فقط؛ جريمة في مجلس الشعب، واغتيال.

رجل المستحيل: من النشأة إلى النهاية

هنا نعرض لمراحل ظهور هذه الشخصية التي قرأها آلاف الشباب العربي، دون أن يعرف أغلبهم كيف تبلورت هذه الفكرة، ولماذا توقفت.

ولادة الفكرة

يحكي نبيل فاروق؛ كنت أتساءل دائمًا لماذا صار الأبطال لدينا إما تاريخيين مثل عنتر بن شداد وأبو زيد الهلالي والزناتي خليفة، أو غربيين مثل شيرلوك هولمز أو جيمس بوند، لماذا نفتقد لأبطال مرتبطين بواقعنا الحالي، وهنا بدأ حلمه الوليد في التشكّل.

نبيل فاروق مؤلف سلسلة رجل المستحيل
نبيل فاروق مؤلف سلسلة رجل المستحيل

مهمة ميدانية

مر الشاب نبيل بتجربة واقعية لإحدى المهام الميدانية، جعلته يقترب من عالم المخابرات على الحقيقة، ويراها رأي العين؛ فقد أخذته مباحث أمن الدولة وطلبت منه المساعدة لكشف جاسوسين متواجدين بطنطا، أحدهما يدرس بكلية الطب، ويحضر له نبيل، وفي خلال هذه التجربة التي استغرقت عامًا، لاقى نبيل عددًا من الضباط الأكفاء العاملين بجهاز المخابرات العامة المصرية، منهم من كان يتحدث سبع لغات، ولديه قدرة فائقة على التنكر وتغيير ملامج الوجه، بالإضافة إلى صفتي الجرأة والشجاعة.

استعار نبيل فاروق الحرفين الأوّلين من اسمه الثنائي، ورسم شخصية “أدهم صبري” أو (ن-1)، وبدأ يكتب مغامرات وقصصًا من وحي الخيال بطلها أدهم صبري. الجدير بالذكر أن نبيل فاروق لم يخبر والدته بهذه التجربة المخابراتية إلا بعد مرور ثلاثين عامًا؛ لأنه طُلب منه أن السرية في هذا الأمر، وبعد مرور عشرات السنين يصف فاروق نفسه متأخرًا أنه كان مميزًا بكونه تعلّم واطّلع على عالم المخابرات وقرأ ودرس، رغم أنه من غير المتخصصين، لذلك لا يجد في الساحة الآن مَن يخلفه في كتابة الأدب البوليسي وقصص المخابرات.

مرحلة الرفض

طاف نبيل فاروق على عدد من دور النشر المصرية لتطبع له رواياته وقصصه، وتنشرها، إلا أنه لم يجد إلا الرفض التام من كل مالكي دور النشر، فأحدهم قال له رواية بطلها فرد لن تنجح أبدًا في هذا التوقيت، الكل يتابع قصص الشياطين الثلاثة عشر، والمغامرون الخمسة، لن تجد رواجًا لقصة بطلها فرد واحد، وآخر من مالكي دور النشر رفض نشر أعمال فاروق، وراهنه أن تنجح هذه الروايات مع أي دار نشر أخرى.

مرحلة النشر

يحكي نبيل أنه اشترى مجلة ما للمرة الأولى في حياته، ووجد إعلانًا لمسابقة “أفضل قصة خيال علمي”، فأرسل لهم قصة كان ألّفها بعنوان “الآشعة ض”، وفوجئ في يوم السابع من أغسطس عام 1984 بأن روايته قد فازت بالمركز الأول من بين 500 مشارك، فسافر في اليوم الذي يليه ليتفق على نشر هذه الرواية.

وقتها عرض نبيل فاروق قصص رجل المستحيل على حمدي مصطفى صاحب دار النشر “المؤسسة العربية الحديثة”، ووافق الأخير على نشرها، وبالفعل طُرح في الأسواق العدد الأول من كلا السلسلتين: رجل المستحيل وملف المستقبل، وفي خلال عامين أصبحت تحقّق الروايات نجاحًا باهرًا، إلى أن أصبحت من الروايات الأكثر مبيعًا في العالم العربي.

لهذا توقفت سلسلة رجل المستحيل

يواصل نبيل فاروق سردَ حكايته، فيوضّح أنه فعل كما تفعل الممثلة الذكية بارعة الجمال، التي تقرر أن تعتزل وتترك التمثيل بإرادتها، قبل أن تعتزل رغمًا عنها عندما تغرق التجاعيد وجهها وتفقد جمالها، ويضيف “لو خُيّرتُ بين أن يتساءل جمهوري لماذا يكتب إلى الآن بسبب ما أصابهم من ملل وتكرار، أو أن يتساءلوا لماذا توقف وهو في قمة نجاحه؟ لاخترت أن يتساءل الناس لماذا توقفت، وهذا ما فعلته، لقد كنت أبذل مجهودًا لكي أصنع جديدًا في رواياتي وأبتكر فيما أكتب”.

أدهم صبري بطل سلسلة رجل المستحيل
أدهم صبري بطل سلسلة رجل المستحيل

يتحفّظ نبيل فاروق موضّحًا “لو سرت على نفس النمط في كل رواياتي لم أكن لأمكث أكثر من خمس سنوات، بعد ذلك سيخبو نجمي، وسأفقد ما حققته من نجاحات. سِرّ النجاح هنا في مفاجأة القاريء دائمًا وكتابة غير المتوقع، وصنع شخصيات مميزة حتى الشريرة منها، وهذه الحيوية هي التي مكنته من الاستمرار”.

أما عن رأيه الشخصي في رجل المستحيل، فيشير إلى أنه بالرغم من كون شخصية أدهم صبري وسلسلة رجل المستحيل هي الأشهر لدى الجمهور المصري والعربي، إلا أن نبيل فاروق نفسه له رأي مغاير، إذ يرى أنه قد ظُلم بحصر أعماله ورواياته في هذه السلسلة فقط، لقد قدم فاروق ما يزيد عن 600 رواية وقصة في فنون متباينة من الأدب، ولكن الكثيرين لم يعرفوا عنه إلا هذه القصة.

الغرض من نسج شخصية أدهم صبري

ربما يتبادر إلى الذهن أن نبيل فاروق مولع بالأكشن، ولكنه يعلّق على هذا الانطباع قائلاً “الأكشن كان وسيلة استدراجية. كنت أريد توصيل مجموعة من الأخلاقيات، ورسم ملامح الشخصية المصرية من خلال الروايات، فأدهم شخصية ملتزمة منضبطة، لا يقتل ولا يسفك الدماء، يصلي، ويحافظ على زميلته في العمل، ولهذا صنعتُ عملًا مثيرًا ليجذب القراء، لكن الأكشن لم يكن مطلوبًا لذاته، وإنما أردت طرح مجموعة من السلوكيات من ثنايا ما كتبت من مغامرات”.

لما سُئل نبيل فاروق عن أهم أعماله غير رجل المستحيل، أجاب بأنها رواية “أرزاق”، وهي رواية اجتماعية تعود لمرحلة ما قبل ثورة يوليو 1952، وتدور أحداثها حول رجل يمتلك مساحات من الأراضي الزراعية، ولديه ابنٌ يدرس في الكلية الحربية، وبعد الثورة يصير هذا الولد من الضباط الأحرار، وتصدر قوانين الإصلاح الزراعي وتقتطع مساحة كبيرة من هذه الأرض. تعرض القصة للتغيرات الاجتماعية وتداعياتها داخل هذه الأسرة، وتنتهي بأن تؤول أملاك هذا الرجل (الحاج محمد البنهاوي) إلى سيدة كانت تعمل خادمة وتزوجت من أحد أبناء هذا الرجل لأنه كان يعاني من مرض نفسي.

نبيل فاروق ومهنة الطب

قبل دخوله كلية الطب، اكتشف نبيل فاروق موهبته في الكتابة، رغم أنه كان يحب رسم اللوحات. وكان قد بدأ في الكتابة، وفوجئ أنه قد تحصّل على مجموع كبير، لكن لأن الأمر لم يكن بيده، ونزولاً على رغبة والديه، فقد كان لزامًا عليه الالتحاق بكلية الطب. يضيف نبيل فاروق “ولأني لا أحب الفشل؛ فقد نجحت في كلية الطب، لكني مارست هوايتي في الرسم، وكنت أمين اللجنة الفنية في الكلية، وكنت مشتهرًا بلوحاتي الجميلة، لدرجة أن زملائي لما رأوا روايتي الأولى وعليها اسمي ظنوا أن اسمي مكتوب لكوني رسمت صورة الغلاف”.

أتمّ نبيل فاروق دراسته وتخرّج من كلية الطب، وتخصص في طب الأطفال، وانشغل بممارسة الطب لأربع سنوات، قبل أن يعود ويجمع بين الكتابة والطب. في تلك المرحلة انتقل للعمل في الصعيد لمدة عامين، ثم عاد إلى طنطا، وهنا حدثت مشكلة متضاربة؛ ففي طنطا رفضوا تسليمه راتبه لأنه كان منتدبًا إلى الصعيد، وفي الصعيد أخبروه أنه عاد إلى طنطا، وهنا جاء القرار وقرّر تقديم استقاله، وبهذا كان قرار تركه مجال الطب سهلًا؛ يوضّح نبيل فاروق “فأنا دخلته رغمًا عني، ولم أجد صعوبة في تركه، لكني استفدت من الكلية بأني أصبحت أفكر في الأمور بطريقة علمية، وهو ما ساعدني في كتابة الروايات”.

نبيل فاروق والسينما

يذكر فاروق أنه سبق وأن جرت عدة محاولات لتحويل أعماله القصصية إلى دراما، سواء مسلسلات كانت أو أفلام، إلا أن هذه المحاولات لم يكتب لها النجاح. ولما سُئل عن ممثل يصلح للقيام بدور شخصية أدهم صبري رد قائلًا: “هذا سؤال صعب، اخترت أحمد عز عام 1999، ولم يكن مشهورًا وقتها كما الآن، ثم لم يكتب لها النجاح، وأعدت ترشيحه ثانية عام 2008 إلا أن التجربة توقفت بسب الأزمة المالية العالمية، وحاليا لا أعرف من يستطيع، وهل سأنجح في إقناع المنتج في إخراج شخص جديد يرتبط في أذهان الناس بشخصية أدهم صبري، لا أدري”.

بشكل عام، لم يكن نبيل فاروق محبًا للدراما، فهي تفرض عليه قيودًا، وتدخلات من المخرج والمنتج، ثم الرقابة بعد ذلك. يرى نبيل فاروق أن الكاتب إمبراطور منفرد، أما عالم الدراما فهو جزء من منظومة، ولذلك فهو ينتهج ما فُعل بروايات نجيب محفوظ، الراوية مكتوبة وثابتة، وليتدخل السيناريست ليصيغها كما يشاء في عمل درامي، وقد سبق وأن ساهم فاروق في مسلسل العميل 101.

نبيل فاروق ودور النشر الآن

يصرّ نبيل فاروق على أن دور النشر تغيّرت. يستطرد موضّحًا “في الماضي كانت دور النشر تبحث عن المكسب من خلال تحقيق مبيعات للكتاب، وبالتالي لم تكن تختار إلا كتابًا قيمًا، أما الآن فدور النشر تطبع على حساب المؤلف وتضمن مكسبًا ابتداءً، وبالتالي هناك الكثير من الأعمال الرديئة التي لا تستحق النشر، بالطبع هناك روايات جيدة ولكن تضيع وسط الزخم، وكثيرًا ما يُطلب مني تقديم كتاب ما لمؤلف شاب، فأبدأ في قراءة هذا الكتاب، فلا يعجبني، أحيانًا أتركه بعد قراءة فصل واحد، بل ورقتين من أول الراوية، لركاكة الأسلوب أو ضعف المحتوى”.

آخر ما كتبه فاروق

ذكر نبيل فاروق أن آخر ما كان يكتبه هي رواية بعنوان “الجسر الرمادي”، تتناول مرض الزهايمر، وإمكانية استعادة الذكريات لشخص قد نساها، وهل من الممكن أن يتم نقل الذكريات من شخص إلى آخر. كان فاروق يحلم أن يكمل هذه الرواية وأن تُنشر في معرض الكتاب القادم، إلا أن الموت قد باغته، ليفقد العالم العربي أديبًا تعلم منه قراؤه الكثير.

جنازة الروائي الراحل نبيل فاروق
جنازة الروائي الراحل نبيل فاروق

مصادر