التخطي إلى المحتوى
جاي إيتون البريطاني المتمرّد الذي صار داعيةً للإسلام
جاي إيتون البريطاني المتمرّد الذي صار داعيةً للإسلام

من طفولةٍ متمرّدة وطباعٍ حادة، وإجراءات خادعة، وتلاعبات في هويته الشخصية ونسبه العائلي.. إلى سَكينة مُشرقة وجاذبيةٍ مؤثّرةٍ ودعوةٍ دؤوبةٍ إلى الإسلام في قلب لندن. جاي إيتون البريطاني ذو الطباع الحادّة الذي تسمّى بعد إسلامه باسم “حسن عبد السلام”، وهدأت طباعه ليصير دبلوماسيًا ناجحًا وداعيةً مؤثرًا، وهو الذي كان قد طُرِد من الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية بسبب حدّة طباعه التي تتناسب مع تقاليد الجندية. فيما يلي نتعرّف على الداعية والمفكّر الإسلامي الصوفي الراحل “جاي إيتون”.

 

حياة جاي إيتون البرّانية

وُلد جاي إيتون في سويسرا في 1 يناير عام 1921م، وتلقى تعليمه في مدرسة تشارترهاوس، ونظرًا لظروف أسريّة مربكة أصبح جاي مهووسًا بفكرة البحث عن الحقيقة، فانخرط في مطالعة إنتاج الفلاسفة ديكارت، وكانط، وهيوم، وسبينوزا، وشوبنهاور، وبرتراند راسل، لكنه لم يجد ما يشفي غليله بشأن ما يبحث عنه.

جاي إيتون في مراحل مختلفة من عمره
جاي إيتون في مراحل مختلفة من عمره

في عام 1939 ذهب إلى كينجز كوليدج في كامبريدج ليدرس التاريخ، وتخرج بعد عامين أهمل فيهما دراسته من أجل قراءاته الحرّة في الديانات الشرقية كالهندوسية والطاوية والبوذية. وبعد تخرجه بوقت قصير في عام 1941م، تم استدعاؤه للالتحاق بالمخابرات البريطانية في الحرب العالمية الثانية، وبعد عددٍ من التنقّلات بين قطاعات عسكرية، تم استبعاده عام 1943م بسبب حدّة طباعه وتوتره الطاغي.

تزوّج إيتون خلال هذه الفترة، وكان زواجه الأول من كاثرين كلايتون قصير الأجل، لكنه أنجب ابنه الأول ليو. وفي عام 1956م، تزوج إيتون للمرة الثانية من الفنانة الجامايكية الشهيرة “كوراه هاميلتون”، وأنجب منها ثلاثة أطفال. ومنذ نهاية الحرب وحتى تقاعده الرسمي المبكّر من وزارة الخارجية في عام 1977م، تولى إيتون وظائف ومهامّ متنوعة من بينها أنه كان محاضرًا جامعيًا وصحفيًا ومسئولاً إعلاميًا، ودبلوماسيًا في بلدان متنوّعة مثل جامايكا ومصر والهند وغانا.

كان إيتون قي اعتنق الإسلام عام 1951م في القاهرة وتسمّى بـ”حسن عبد السلام”، وذلك  بعد التقائه بصديقه البريطاني مارتن لينجز الذي أسلم وتسمّى بـ”أبو بكر سراج الدين”، ودراسته للدين الإسلامي. في عام 1974م، عاد إيتون إلى إنجلترا واستقرّ فيها واستأنف صداقته مجددًا مع مارتن لينجز، وهو ما انعكس لاحقًا في نشاطات إيتون وأفكاره وتأثيره.

وفي نفس عام تقاعده 1977م، نشر إيتون كتابه (King of the Castle: Choice & Responsibility in the Modern World)، الذي أحدث صدىً قويًا، وأبرز إيتون باعتباره عالمًا إسلاميًا جادًا. بعدها بوقتٍ قصير، التحق إيتون بالمركز الثقافي الإسلامي في مسجد ريجنت بارك في لندن، وعمل مستشارًا للمركز، ورئيسًا لتحرير مجلة المركز.

خلال العقود التالية، ساهم إيتون بشكل كبير في توسيع الجالية المسلمة البريطانية، سواء ككاتب أو مذيع، وكذلك بصفته مستشارًا للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، من المهتمين بشكل خاص بالصوفية.

توفي جاي إيتون في 26 فبراير 2010م، عن عُمر 89 عامًا.

 

حياة جاي إيتون الجوّانية

كان النمط الذي التزمه جاي إيتون في إسلامه ذا طبيعة روحية داخلية صارمة، رفض معها الانصياع لإملاءات أي نموذج عرقي أو ثقافي مستورد من الخارج عربيًا كان أو باكستانيًا، وأبقى على سلوكه الخارجي وأسلوب حياته بريطانيًا خالصًا.

بدأ هذا من الفترة التي عمل فيها أستاذًا للأدب الإنجليزي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1950م، حين بدأ في قراءة الأدب الصوفي الإسلامي بتشجيع من زميله المتصوّف الأديب المسلم مارتن لينجز، ومع توسّعه في القراءة حول الدين الإسلامي، أشهر إيتون إسلامه في مايو 1951م.

جاي إيتون على اليمين، وعلى اليسار مارتن لينجز
جاي إيتون على اليمين، وعلى اليسار مارتن لينجز

ومن خلال اتصالهما معًا بالمفكّر الروحاني السويسري (Frithjof Schuon)، وهو ما أثّر كثيرًا في التوجه الفكري والحياة الروحية لجاي إيتون.

قبل هذا، كانت ميول إيتون الصوفية واضحة بالفعل في كتابه الأول (The Richest Vein)، المنشور عام 1949م، والذي كشف عن مدى كونيته، حيث كان مكرسًا إلى حد كبير للتعاليم الميتافيزيقية للشرق. ومع اعتناقه للإسلام وجد إيتون أنه في إطار إسلامي يمكنه أن يزرع بشكل كامل احترامه العميق وحبه لجميع التقاليد الدينية الرئيسية، دون أي خطر أو تخوّف من الانحراف نحو التوفيق بين المعتقدات.

في كتابه التالي (King of the Castle: Choice & Responsibility in the Modern World)، الذي أصدره عام 1977م، قدّم إيتون نقدًا ثاقبًا للمادية الإلحادية وأنماط التفكير المصاحبة لها في ضوء القيم المناسبة لجميع التقاليد الدينية الأصيلة. وفي أعماله التالية أبرز إيتون رؤية روحية عميقة للإيمان والحضارة الإسلامية، مطلقًا نقده الصارم لجميع الرسوم الأيديولوجية للإسلام الأصيل، على اعتبار أن الإسلام بالأساس هو طريق التحول الداخلي، وتنمية الفضيلة، وتعميق ذكر الله.

 

تأثير جاي إيتون

لعب جاي إيتون دورًا مهمًا في معالجة المفاهيم الخاطئة العامة حول الإسلام، وكان يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر مفكري الإسلام المعاصر تطورًا، خصوصًا مع ما كان ينطوي عليه من التواضع الحقيقي وروح الدعابة اللطيفة وشخصيته التي منحت معتقداته المفصّلة فكريًا جاذبية عاليةً وتبصّرًا مؤثرًا.

ساهم إيتون بشكل كبير في توسيع الجالية المسلمة البريطانية، وخصوصًا بين البيض، خاصةً بعد كتابه (Islam & The Destiny of Man)، الذي أصدره عام 1985م، الذي أثّر بشكل كبير في اعتناق كثيرين من البريطانيين للإسلام، أبرزهم: جيميما خان، وإيرل ياربورو (المعروف أيضًا باسم عبد المتين)، ويحيى (جوناثان سابقًا) بيرت، نجل اللورد بيرت، وإيما كلارك، حفيدة رئيس الوزراء الليبرالي هربرت أسكويث.

خلال عمله في المركز الإسلامي في لندن، أثّر إيتون في إنقاذ كثيرٍ من الشباب المسلمين من الوقوع في براثن التطرّف، ملتزمًا بالنزاهة الفكرية التي اضطرته إلى مخالفة الرأي العام المسلم في بريطانيا بشأن كثيرٍ من القضايا، ربّما كان أبرزها هو رأيه المتقبّل لغزو العراق.

لكن على جانب آخر، واظب إيتون على شجب انتهاكات حقوق الإنسان في العالم الإسلامي، وشدّد على التحسين الذاتي لأوضاع المهاجرين المسلمين.

 

مؤلفات جاي إيتون

كتب جاي إيتون
كتب جاي إيتون
  • كتاب (The Richest Vein: Eastern Tradition & Modern Thought,)، عام 1949م.
  • كتاب (King of the Castle: Choice & Responsibility in the Modern World)، عام 1977م.
  • كتاب (Islam & The Destiny of Man)، عام 1985م.
  • كتاب (Remembering God: Reflections on Islam)، عام 2000م.
  • كتاب (The Book of Hadith)، عام 2008م.
  • كتاب (A Bad Beginning: The Path to Islam)، عام 2010م.
  • كتاب (Reflections)، عام 2012م.

 

اقتباسات من جاي إيتون

مؤلفات جاي إيتون
مؤلفات جاي إيتون
  • من المبادئ الأساسية للإسلام أنّ كل ما نقول إنه حسن، وكل ما نفعله من خير، فإنه يأتي من الله، وليس من ذواتنا المخلوقة. الفضل في هذا يرجع إليه وحده.
  • لا يمكنني إلا أن أتبع دينًا واحدًا وهو الإسلام. إنه الشمس؛ بينما كل ما سواه مجرد نجوم. لكنّ هذه النجوم شموسٌ للآخرين، وكلها طرق إلى الله.
  • من طبيعة الأشياء أن الحقيقة المجزأة ، يجب أن تكون مصدرًا للصراع.
  • إن طريق الدين مليء بالإغراءات، ومليء بالمزالق
  • هذا الإيمان وحده كافٍ للخلاص. ربّما يبدو هذا صحيحًا كمبدأ نظريّ، ولكن عمليًا، إذا لم يتم إعطاء الناس عقيدةً سليمةً يهضمونها، فمن المحتمل جدًا أن يهضموا عقيدةً خاطئةً.
  • لا تتكيّف الطبيعة البشرية بسهولة مع متطلبات الإيمان أو مع متطلبات الحقيقة. يقال إن النبي قد قال، من بين مائة من الإبل، أنت محظوظ إن وجدتَ راحلةً جيّدة. لذا، من المضلل الحكم على أي دين من خلال سلوك غالبية أتباعه الرسميين.
  • أولئك الذين يبحثون في القرآن عن حلول لمشاكل معاصرة يجب أن يتعلموا التواضع. اليقينيات الزائفة هي لعنة العالم الإسلامي اليوم، ومن هنا جاءت الصراعات المريرة المسببة للانقسام.

 

مصادر