هكذا جرى الأمر ببساطة؛ شاب مسلم أمريكي من أصول باكستانية، يتم اتّهامه بقتل فتاة بيضاء أمريكية ثرية جميلة في منزلها بأحد الأحياء الراقية، وكلّ الأدلّة الظرفية تشير إلى تورّطه وتأكيد التهمة عليه. هو نفسه لا يتذكّر ما جرى؛ لكنّ ذعره الواضح يرجّح كونه مذنبًا في نظر القانون والرأي العام. كيف سيمكنه النجاة من المصير المظلم؟ يأخذنا المسلسل الأمريكي The Night Of من إنتاج شبكة (HBO) عام 2016م، في رحلةٍ مثيرة مقبضة لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال.

 

شرارة ما جرى في The Night Of

ناصر خان (ناز)، شاب أمريكي مسلم من أصول باكستانية، هو نموذج للابن البار والشاب المهذّب البريء، ولم يسافر خارج أمريكا منذ ولادته فيها، وأسرته من ذلك النوع الذي لم يتعوّد على رؤية رجال الشرطة كثيرًا، ويتوتّرون عندما يفاجئون بهم على عتبة منزلهم، وفوق كل ذلك لا فكرة لديهم عن إجراءات وسيناريوهات الاحتجاز والاستدعاءات والتقاضي.

The Night Of
لقطة من أحد مشاهد مسلسل The Night Of

 

يضطر ناز لاستعارة تاكسي والده ليلاً دون استئذانه، كي يلحق بحفلٍ دعاه إليه أصدقاؤه. ثم يضطر وهو في الطريق إلى إقلال فتاة بيضاء جميلة وجامحة، ويحدث بينهما نوع استلطاف، وتقدّم له قرص إكستاسي على سبيل المودّة والتقدير، ثم تأخذه معها إلى المنزل ويقضيان وقتًا حميمًا تحت تأثير الكوكايين والويسكي والإكستاسي مجتمعين.

 

ساعات ويستيقظ ناز ليجد نفسه في المطبخ، يصعد ليودّع الفتاة فيجدها جثة غارقة في دمائها. يهلع ويهرب سريعًا، وتستوقفه دورية شرطة متربّصة لأنه خالف اتجاه السير. فجأة، في مركز الشرطة تنقلب الأمور، ويصبح ناز هو المتهم الأوحد – بمجموع القرائن- في حادثة مقتل الفتاة التي اكتشفتها الشرطة توًا.

 

هكذا نجد أنفسنا في مواجهة “بيل كامب”، وهو محقق شرطة خبير على النمط الكلاسيكي، من النوع الذي يجمع القضية قطعة قطعة، بانيًا قناعاته أن تراكم الأدلة يقدّم المتهم المناسب للمحاكمة.

 

ومن حيث لا يحتسب ناز، يحظى بدعم “جون ستون”، المحامي الصعلوك، الذي يتقوّت على قضايا تجار المخدرات والعاهرات والمجرمين الصغار ، عبر التفاوض على صفقات الإقرار بالذنب مقابل رسوم ثابتة. عندما يكتشف ستون هذا الشاب المتوتّر داخل زنزانة مركز للشرطة ، يتصوره مجرد طفل آخر تجاوز القانون، ويعرض عليه أن يمثله، ليجد نفسه في خضم قضية قتل ضخمة قانونيًا وإعلاميًا.

 

حبكة العدالة المظلمة

تدريجيًا وبسرعة، تصبح هذه الجريمة هي الشغل الشاغل لكلّ مَن يتّصل بها: المحقّق الخبير، والمحامي الصعلوك، ورئيسة فريق الادّعاء، وأسرة ناز، وشركاء والده، ومكتب المحامية الشهيرة، وزوج والدة الفتاة القتيلة، ومدير مكتب حساباتها الضريبية، والمجرم العتيد داخل السجن، وشخصيات أخرى عابرة داخل الأحداث.

 

شكوك المتفرّج ستتوجّه إلى عددٍ من الشخصيات، كلّ منهم عليه شواهد وشكوك ترجّح تورّطه في الجريمة، بما في ذلك ناصر خان نفسه، الذي لا يمكنه إثبات أو إنكار ارتكابه للجريمة. ومع أنّ الحقيقة ستتضّح في النهاية، إلا أن أحداث المسلسل ستنتهي دون معرفة مصير القاتل فعليًا.

 

رحلة بطيئة عبر الجحيم

أقوى ما في المسلسل على الإطلاق، هو رصد حالة التغيّر التي تسببها حياة السجن في التكوين النفسي والجسدي لناصر خان. ناصر الذي نراه في الحلقة الأخيرة ليس هو ناصر الذي بدأ معنا الأحداث، لقد تغيّر كليّةً، شكلاً وموضوعًا، والسبب عدّة شهور قضاها في السّجن.

 

في السجن، يتسيّد الأمور نزيل متسلط، فريدي، ونكتشف أنه يهمّ ناز للنجاة في صراع البقاء داخل السجن، بنفس قدر أهية أيّ قاضٍ قد يبرّئ ناز من القضية، وربّما أكثر.

 

The Night Of والعدالة الجنائية الحائرة

بشكل مميّز، يستعرض المسلسل التكاليف المالية والنفسية المتصاعدة لقضية من هذا النوع. لا يستطيع والدا ناز، اللذان فقدا مصدر رزقهما عند حجز سيارة الأجرة، تحمّل رسوم دفاع متواضعة، ويتعين عليهما اتخاذ قرارات تغيّر مجرى الحياة بسرعة. فوق كل ذلك، والأخطر، أنهم يفقدون قدرًا من الثقة في ابنهم؛ وعلى الرغم من أنهم يريدون تصديقه، إلا أنهم مثلنا عندما نشاهد ما يجري، لا يمكن لأحدٍ الجزم بأنه لم يرتكب هذه الجريمة.

 

الأكثر إدهاشًا، هو أن تعاين تسلسلَ الأمور التي يمكنها أن تصل إلى إقناع شخصٍ بريء، بالاعتراف بجريمةٍ لم يرتكبها، فقط لأنه لابدّ أن يسير الأمر هكذا.

 

وعلى سبيل الكوميديا السوداء في العمل، يمكن اعتبار تنقّل المحامي ستون في محاولته لعلاج مرض الإكزيما في قدميه، من طبيب إلى معالج أعشاب ثم إلى طبيب مجددًا، معادلاً لحالة الارتباك في الانتقال داخل النظام القانوني الأمريكي.

 

الأداء التمثيلي المتميز

الأداء التمثيلي كان عفويًا ومتميزًا في أغلب الشخصيات، باستثناء أعضاء أسرة ناصر خان، فقد كان أداؤهم ضعيفًا، وخاصةً دور الأم. وفي المقابل كان أداء مايكل كينيث ويليامز لدور فريدي في السجن، متوهجًا بشكلٍ لافت.

 

يعتبر أداء ريز أحمد، في دور ناصر خان، عاملاً أساسيًا في نجاح المسلسل، وساهمت ملامحه البريئة وعيونه الواسعة وحشمته وتحفظه الطبيعيين، في تقديم نموذج الولد الطيّب المطيع، وهو ما سبّب قدرًا أكبر من الإرباك حول إن فعلاً قد ارتكب جريمة القتل هذه أم لا؟ والأكثر إمتاعًا هو تمكّنه من إبراز التغيرات التدريجية التي تطرأ على شخصية نازن نتيجة لتأثره بحياة السجن.

 

مسلسل The Night Of
مشاهد من مسلسل The Night Of

أداء جون أرتورو، لشخصية المحامي الصعلوم ستون، كان لافتًا. كان من المفترض أن يؤدّي هذه الشخصية جيمس جاندولفيني، إلا أنه توفّي قبل تصوير العمل. ستون محامٍ يفهم جيدًا رجال الشرطة والمدعين وما يدور في الشوارع. ولدهشته كثيرًا ، أصبح ملتزمًا تجاه موكله حتى عندما يتم تنحيته جانبًا من قبل شخصية قانونية ثقيلة (جلين هيدلي) الذي يأخذ القضية مجانًا من أجل الدعاية.

 

إشادات جانبية

  • مسلسل The night Of بسيط وغير مكلّف إنتاجيًا، ووظّف عددًا لا بأس به من الإشكالات العِرقية والعدالة الجنائية داخل المجتمع الأمريكي، وهو مقتبس عن الموسم الأول للمسلسل البريطاني  (Criminal Justice)، إنتاج عام 2008م.
  • برز عنصر الصورة ينقل بشكٍ لافت، ونجح في نقل حالة العزلة، والارتباك، والشعور بالانجراف داخل الأنفاق الرطبة المعتمة للنظام القانوني والعدالي في أمريكا.
  • شارك في كتابة المسلسل، كاتب السيناريو الحائز على جائزة الأوسكار ستيفن زايليان عن فيلم (قائمة شندلر)، والمؤلف الشهير وكاتب السيناريو ريتشارد برايس (The Wire).
  • ترشح المسلسل لثلاث جوائز جولدن جلوب: أفضل مسلسل تلفزيوني قصير، وأفضل فيلم سينمائي مصنوع للتلفزيون، وأفضل ممثل في مسلسل قصير.

 

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.