لم يكن الشاعر والروائي الأيرلندي جيمس جويس، هو أوّل من استخدام تقنيات أسلوبية ولغوية معيّنة في كتابته؛ إلا أنه حين وظّفها في كتابته كان يفعل ذلك بشكلٍ غير مسبوق. وقد أجاد في فعل هذا لدرجة أنه تم اعتباره نبيًا من أنبياء الكتابة النثرية الإنجليزية في القرن العشرين. فيما يلي نتعرّف على موجز لتكوين جيمس جويس الحياتي، ومكانته الأدبية، ونبذة عن أهم أعماله الروائية.

 

موجز تكوين جيمس جويس

ولد جيمس أوجستين جويس، في دبلن الأيرلندية، في 2 فبراير عام 1882م، وكان الأخ الأكبر لعشرة من الأبناء. عمل والده في مكتب تحصيل الضرائب. تلقّى جيمس تربية كاثوليكية مضاعفة، حيث في مدرسة كاثوليكية رائدة، ثم انتقل إلى كلية بيفردج الكاثوليكية في دبلن عام 1898، وتخرّج بعدها بأربع سنوات بتخصّص في اللغات الحديثة، حاملاً قناعته بأنّ القبضة التي تمارسها الكنيسة تعدّ أحد الأسباب الرئيسية للشلل الذي أصاب أيرلندا.

جيمس جويس
تمثال لرأس جيمس جويس

 

وبعدما كان جويس قد نشأ في طفولته مسحورًا بتاريخ الكلمات وقوتها الموحية، فإنه في تلك الآونة اللاحقة كان قد دوّن مسوّدات لعشرات من القصائد والمخططات النثرية. بعدها غادر إلى باريس كي يدرس الطب، إلا أنه عاد في العام التالي بسبب اشتداد المرض على والدته. بعد عودته درّس في مدرسة خاصّة، ونشر عددًا من القصص والقصائد.

 

في عام 1904م، التقى بزوجته المستقبلية نورا بارناكل، وارتبطا، وارتحلا إلى أوروبا، وتنقّلا بين عددٍ من المدن فيها، وعمل جويس في التدريس خلال أغلب هذه التنقلات.

 

في عام 1905م، قدّم مجموعته القصص “ناس من دبلن” إلى أحد الناشرين، لكنها لم تُنشَر إلا عام 1914م، بعد منازعات غاضبة. وخلال العام ذاته، نشر روايته “صورة الفنان شابًا”، وأنهى كتابة مسرحيته “المنافي”، وبدأ في تخطيط رواية “عوليس”.

 

على إثر تصاعد أحداث الحرب العالمية الأولى، انتقل جويس إلى مدينة زيورخ عام 1915م. وهناك افتتن جويس بشكل رومانسي بإحدى الفتيات، وامتدت مشاحناته المطوّلة مع القنصل العام البريطاني، على إثر خلاف على موقفٍ تافه.

 

غادر جويس سويسرا في عام 1919م، واستقرّ في باريس في عام 1920م. خلال تلك الفترة كان جويس ينشر مقتطفات من روايته “عوليس” في مجلة “ليتل ريفيو” الأمريكية، إلا أنه تمّ وقف نشر هذه المقتطفات على إثر شكوى تقدّمت بها جمعية نيويورك لمنع نشر الرذيلة.

 

على إثر هذا القرار، سارع جويس إلى الموافقة على عرضٍ لنشر الرواية مع دار “شكسبير” التابعة لسيلفيا بيتش، لتُنشَر أول نسخةٍ منها في عيد ميلاده الأربعين، في 2 فبراير 1922م.

 

قوبلت الرواية بصدىً هائل، وتصدّر اسم جويس للجمهور العام باعتباره الكاتب الذي كتب كتابًا فاحشًا. بينما اعتبره الطليعيون المهتمون بالأدب بطلاً وقديسًا في الأدب.

 

خلال عقد الثلاثينات، تزايدت الأعباء النفسية على جويس، وكان الأساس في هذا العناء هو تزايد مرض أخته لوشيا، ابتداءً من عام 1932م، وحتى تم إيداعها في مصحّة عقلية عام 1936م. لكنّ هذا لم يعطّله عن متابعة نشر حلقات من روايته الجديدة التي كان ينشر حلقاتها بعنوان “عمل يضطرد”، والتي صارت بعنوان “صحوة فينيجان” بعدما أكملها في عام 1938م، ونشرها في العام التالي. وقد أصابه الاستقبال العدائي لهذه الرواية بانكسارٍ شديد.

 

في العام التالي، انتقل جيمس عائدًا إلى زيورخ، إلا أنه مات بعد وصوله بأربعة أسابيع، في 13 يناير 1941م، على إثر عملية جراحية لعلاج قرحة معوية.

 

مكانة جيمس جويس الأدبية

يعتبر جويس هو التجلّي الأمثل لفكرة أن الثقافة الغربية في القرن العشرين تتميّز بثورة لغوية عميقة، ووعي جديد بالمدى الذي يكون فيه العالم الذي نعيش فيه هو نتاج لغوي.

 

ابتدأ جويس مشواره الأدبيّ متمثلاً تجربة إبسن وما حققه للنرويج، على أمل أن يقوم هو الآخر بدورٍ كبير تجاه بلده أيرلندا، عبر إضفاء الطابع الأوروبي على الأدب الإيرلندي، وجعل أيرلندا تعي بالعالم الكبير خارجها، وجعل العالم الكبير يعي أيرلندا كما لم يحدث من قبل.

 

كان جويس مؤمنا بالخرافات، مشهورًا بتأثره بالمعجزات والصدف، مستعدًا للتفكير في أشدّ الشطحات الخيالية الباطنية غرابةً، بل إن لاهوته الساخر الأنموذجي ينطوي على لمسةٍ خرافيةٍ.

 

تعمّد جويس أن ينتهك المحرّمات الأدبية التي كانت تحظى بحراسة شديدة في كتابة الروايات، وكان مستعدًا لذلك، وبمرور الوقت، صار تراث جويس – وليس شخصيته- أكثر صلابةً وتماسكًا بحيث لا يمكن خدشه أو تفتيته.

 

استمدت كتابات جويس قوّتها من شدة هواجسه ومن طاقته التي يحاول بها السيطرة على هواجسه، عبر أفعال التعمية والكشف والانتقام والتصالح، واتهام الذات والدفاع عنها. إضافة إلى ذلك، فإن مزاجه العصابي يكشف عن نفسه بطرق مختلفة، منها: نظرته لنفسه كضحيّة حتمية، وحديثه المسمّم عن حالاته النفسيّة في مسرحيته، ومشاعره الغامضة المفعمة بالقلق وعدم اللياقة والغضب المهين للنفس والصنمية الباطنية والتلصص الجنسي والهاجس الإستيّ.

 

حفلت كتابات جويس بإشارات دالة عن علاقته السلبية وبأبيه وصورته لديه. فقد كان والده أبًا غير مريح بشكلٍ كبير. بل اشتهر عنه أنه كان أنانيًا غير مسئول، وسكّيرًا كبيرًا كثير الامتداح لماضيه الخاصّ. وإن كان هذا لا ينفي أيضًا تأثّر جيمس بجوانب جيّدة من والده، مثل كونه مغنيًا موهوبًا وحكّاءً جيّدًا وذا نكهة خاصّة في استخدام عبارات التقريع.

 

وفيما يخصّ نزعته الشعرية، فلا يكاد يوجد كاتب إنجليزي خلال القرن العشرين باستثناء جويس، يمكنه أن يوسّع من الإمكانات الشعرية للنثر، إلا أنّه بحلول الوقت الذي غادر فيه أيرلندا كان قد توصّل بشكل غريزي إلى إدراك أنّ وسيلته الحقيقية هي الرواية لا وليس الشعر. وهو في هذا الانتقال كان ملتزمًا بعالم المظاهر القائم على الصدفة بمجريات الأشياء العينية العرضية غير المكتملة.

 

أيضًا، لم يكن يكن جويس ينحرف إطلاقًا عن إخلاصه للوقائع غير المحبّبة، ورغم حساسيته في تنظيم وعرض مادته، إلا أنه كان يحافظ على إبقاء عينيه ثابتةً في تمرّسها وتفحّصها واستعراضها العالم كما يراه.

 

عن رواية عوليس

كان جويس يواجهنا بالحقائق الخالدة للطبيعة الإنسانية، ضمن طابع شعبيّ مبهجٍ يشبه الأغاني الشعبية القديمة التي تحكي أحداثًا مأساوية بأنغام بهيجة ترسلها جوقة مغنّية.

رواية عوليس
جيمس جويس ورواية عوليس

 

ومن أكبر إنجازات هذه الرواية أنها عرضت بشكل غير مسبوق، الحدّة الشديدة للحياة العقلية لدى الفرد، والتدفق السريع غير المعقول، وتعقّد الأفكار وهي تجري وتنقضي، في وفرة زائدةٍ مع كثيرٍ من التفكّك، وهو ما يستوجب الحذر الزائد إزاء إصدار أحكام قاطعة تجاه الآخرين.

 

في هذه الرواية، يُظهر جويس عقلَ بطله ليوبولد بلوم، وهو يتقيأ محتويات الصحف والإعلانات، ويعيش في جحيم الرغبات غير المتحققة، والرغبات الغامضة، وأشكال القلق المصطنعة، وأنماط الخواء الموحشة؛ إنه عقلٌ مفكّك في مدينة منحلّة.

 

تكمن قوة هذه الرواية، في شاعريتها ووفرة وغزارة تفاصيلها، بما لا ينفصل عن التعقّدات الجزئية التي اختارها جويس لطريقة عرضه. ومن بين أبرز الأدوات التي استخدمها في هذه الرواية: المونولوج الداخلي، لكن الميزة الكبرى هنا أنه لم يسبقه أحد إلى هذه المستوى الأمين والدقيق من عرض عمليات العقل بهذا التدفق والانجراف.

 

كان أكثر ما أثار الجدل بشأن رواية عوليس، هو الأسطورة أو الشاعرية الأسطورية، وهو جدلٌ متزايدٌ بشكل منتظم عبر السنين، بدءًا من إشادة إليوت بتوظيف جويس للأسطورة بطريقة ساخرة تعتبر أكبر مساهمة جرى تقديمها للأدب المعاصر، مرورًا بستيوارت جلبرت، الذي نوّه بوجود طبقات غنية من العين لا تلمحها العين مستمدّة من اللاهوت والتصوف والفولكلور، ووصولاً إلى التعليقات المتتالية من المتابعين حول كون الرواية متشبعة بالمعاني بالمزدوجة الأصيلة والاقتباسات الخفية وتشييد بناء كامل من المراجع والإشارات الداخلية إلى تشبيهات إنجيلية ونتقابلات شكسبيرية وموسيقى فاجنرية وهكذا.

 

عن رواية يقظة فينيجن

لما أنجز جيمس جويس روايته “يقظة فينيجن” في  عام 1939م، قال: “قد تكون هذه الرواية اليوم خارج “الأدب”، إلا أنّها ستصير قلبَ “الأدب” مستقبلا”.

رواية يقظة فينيجن
جيسم جويس ورواية يقظة فينيجن

 

بشكل ما، يمكن النظر إلى هذه الرواية باعتبارها محاولة بطولية مستديمة لتحليل الذات، مع مواصلة توظيف مؤلفاته باعتبارها مخارج لصراعاته الانفعالية وشجنه الأدبيّ الذي يشجعه على إضفاء طابع درامي عليها بحشد التفاصيل الحميمية. البعض يتناول هذه الرواية باعتبارها مثالاً على الشعور اللاجمعي.

 

الأسطورة المتفردة لهذه الرواية، أنّ بطلها هو كل إنسان، وهي تهدف إلى ألا تحتوي داخلها شيئًا أقل من التاريخ بأجمعه. تمتلئ هذه الرواية بدراسة للغائط بشكل سيريالي، ما دفع بعض النقاد والمفكرين إلى استنتاج أنّ جويس كان لديه هاجس إستيّ ورهاب المثليّة.

 

في هذه الرواية، جاءت اللغة حرّة تمامًا، بحيث جعلت للكلمات حياتها الخاصة، ضمن حيل أسلوبية رئيسية، على رأسها: التوريات القريبة والخيالية، والتركيب النحوي غير الملتزم بمرجعية القاموس.

 

ترجع حيوية هذا الكتاب بالأساس إلى استمدادها من التدفق الدارج من تنغيمات الكلام الأيرلندي، والفكاهة التي تمكّن جويس من استخراجها من الكليشيهات الحوارية، في احتفاليةٍ ضخمةٍ باللغة تنفي عنه شبهة التحذلق.

 

أبرز مؤلفات جيمس جويس

  • ناس من دبلن، مجموعة قصصية، 1905م.
  • موسيقى الغرفة، مجموعة شعرية، 1907م.
  • صورة الفنان شابًا، رواية، 1914م.
  • المنافي، مسرحية، 1914م.
  • عوليس، رواية، 1922م.
  • قصائد قلمية، مجموعة شعرية سيرة ذاتية، 1927م.
  • صحوة فينيجن، رواية، 1939م.

 

مصادر

  • جيمس جويس، جون جروس، ترجمة مجاهد عبد المنعم، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1971م.
  • أقدّم لك: جويس، ديفيد نوريس وكارل فلنت، ترجمة حمدي الجابري، المجلس الأعلى للثقافة، 2002م.
  • خزانة الكتب الجميلة: كيف نقرأ ولماذا؟، اختيار وترجمة: أحمد الزناتي، دار كلمات للنشر والتوزيع، الكويت، 2018م.