التخطي إلى المحتوى
غسان كنفاني الذي تبقّى لكم
غسان كنفاني الذي تبقّى لكم

غسان كنفاني، اسم متجدّر في عمق الثقافة العربية المعاصِرة، نظرًا لإسهاماته الغزيرة في الأدب والفن التشكيلي والتنظير السياسي، لدرجةٍ بات يعتبر معها مصدرَ وحيٍ لأجيالٍ عاصرته في حياته، وأجيالٍ تالية بعد وفاته. فيما يلي نتعرّف على الأديب والمفكّر الفلسطيني غسّان كنفاني.

 

غسان كنفاني سيرة موجزة

ولد غسان كنفاني في مدينة عكا الفسلطينية، في 9 أبريل 1936م، ونشأ وترعرع في أسرة مثقفة مناضلة. كان أبوه محاميًا ومناضلاً يدافع عن حقوق الفلسطينيين أثناء الانتداب البريطاني لفلسطين. وعندما كان غسان في الثانية من عمره، انتقلت عائلته إلى يافا، وسكنت حيّ المنشية، حيث درس غسّان في روضة “وديع سرّي”، قبل أن يلتحق بمدرسة الفرير للتعليم الابتدائي.

غسّان كنفاني سيرة موجزة
غسّان كنفاني سيرة موجزة

لم تستمر عائلة غسان في يافا مطوّلاً بسبب التدهور المستمر للوضع الأمني، فاضطرت للعودة إلى عكّا مجدّدًا؛ لكن سرعان ما سقطت عكّا في أيدي العصابات الصهيونية، لتضطر العائلة إلى اللجوء إلى جنوب لبنان هذه المرّة، منها إلى سوريا.

في سوريا، قاسى غسّان قسوة الحياة وقسوة البرد، وتعلّم كيف يكون الطفل رجلاً قبل الأوان؛ فكان يعيد تدوير أكياس الإسمنت الورقية الفارغة ويصنع منها أكياسًا تصلح للبيع. بعدها عمل مع أخيه ككاتب استدعاءات أمام مجمّع المحاكم حيث كان يكتب يوميًا عشرات العرائض الادّعائية والقانونية بخط يده، وقد أكسبته تلك التجربة جماليةً وسرعةً في الكتابة، وإتقانًا للإملاء.

مع هذه التجربة، التحق غسان بالمدرسة مجددًا، وحصل على شهادة البروفيه عام 1953م، ليبدأ رحلته في التدريس، حيث عمل مدرسًا لمادة الرسم في مدارس الأونروا، وهناك امتدّت شبكة علاقاته، لتصل به إلى التعرّف على القوميين العرب.

بعد حصول غسّان على شهادة الثانوية عام 1954م، سافر إلى الكويت في العام التالي، وعمل مدرّسًا في مدارس المعارف، ورغم تباعد المسافات، إلا أنّ علاقته بحركة القوميين العرب لم تنقطع؛ فقد سافر مع جورج حبش – القيادي المعروف- إلى بيروت في يوليو 1959م.

في العام التالي 1960م، استقال غسان من عمله في الكويت، وانتقل إلى بيروت ليعمل محرّرًا لمطبوعة “الحرية” حتى عام 1963م. ثم أصبح المحرّر المسئول لصحيفة المحرّر، ومحرّرًا لمطبوعة “فلسطين” حتى عام 1967م، ومن ثَمّ عمل في جريدة الأنوار حتى عام 1969م، كما صار المحرّر المسؤول مجلة الهدف – مجلة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-.

أثناء هذه الفترة، تزوّج غسّان كنفاني من الدنماركية آني هوفمان، الداعمة للقضية الفسلطينية، عام 1961م، وأنجب منها ابنه فايز في عام 1962م، وابنته ليلى في عام 1966م.

كما زار العراق في أوائل الثورة العراقية عام 1958م، في فترة رئاسة عبد الكريم قاسم، لكنه رأى هناك ما اعتبره انحرافًا من النظام، فعاد إلى لبنان، وكتب منتقدًا انحرافات النظام العراقي، وهو ما ترتّب عليه هجوم شديد ومتنوّع من أنظمة مختلفة في الوطن العربي.

في 31 مايو 1972م، نفّذت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بالاشتراك مع منظمة الجيش الأحمر الياباني، عملية إطلاق نار في مطارّ اللدّ الإسرائيلي في عاصمة الاحتلال الصهيوني تل أبيب، فأصدرت الحكومة الإسرائيلية قائمة اغتيالات – ضمن عملية “حملة الثأر”- تضم قياديين ومفكّرين محسوبين على الجبهة، كان من بينهم غسّان كنفاني.

في صباح 8 يوليو 1972م، وردًا على عملية مطار اللدّ، اغتالت المخابرات الإسرائيلية غسان كنفاني، حيث زرعت عبوة ناسفة وزنها 10 كيلوجرامات، انفجرت فور أن أدار المحرّك، ليتوفّى هو وابنة أخته لميس نجم التي كانت بجواره في السيارة، وكان عُمر غسان آنذاك 36 عامًا، بينما كان عُمر لميس 17 عامًا فقط.

 

الحياة العاطفية لغسان كنفاني

غسان كنفاني
غسان كنفاني

 

رغم الكمّ الهائل من الكتابات حول غسّان كنفاني، إلا أنّ هناك الكثير من جوانب شخصيته وحياته الخاصّة، ما تزال مجهولة للجمهور. ومن ذلك حياته العاطفية. فعلى سبيل المثال، كانت مشاعر غسّان العاطفية تجاه غادة السّمان، الكاتبة والأديبة السورية المعروفة،  أمرًا لا يعرف عنه سوى المقرّبون منه جدًا فقط. لذا، عندما نُشِر كتاب “رسائل غسان كنفاني لغادة السمان”، وانكشفت معه جوانب كثيرة ومهمة من شخصية غسّان، كان هذا مفاجئًا وصادمًا لجمهور غسّان والمهتمين بأعماله.

 

غسان كنفاني المثقف المشتبك

ماذا يعني أن يكون المثقّف مشتبكًا؟ هذا ببساطة يعني ألا يقبع في برجه العاجيّ يمارس التنظير ويلوك الكلمات ويشيّد التنظيرات، ولا يدري عن الواقع شيئًا ولا ينزل له أو يتفاعل ويشتبك معه. أن يكون المثقّف مشتبكًا، هذا يعني أن تقترن كلماته بأفعاله، وأن تأتي أفعاله مؤيّدة لكلماته وأفكاره وتدافع عنها.

 

لوحة فلسطين - غسان كنفاني
لوحة فلسطين – غسان كنفاني

 

وفيما يخصّ غسّان كنفاني، فهو يعتبر واحدًا من أبرز الأمثلة المحلولة على صِفة “المثقف المشتبك”. فهو لم يكتفِ بالإنتاج الثقافي، بل أرفقه بالإنتاج الأدبي، ولم يكتفِ بالإنتاج الأدبي، فأتبعه بالإنتاج النقدي. ولم يتوقف نقده عند الكتابة الأدبية، وإنما تجاوزه إلى الحالة السياسية والاجتماعية، وأرفق كلّ ذلك بنشاطاته العملية في التثقيف التاريخي والمفاهيمي، والعمل الحزبي ضمن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

ونتيجةً لهذه التركيبة المؤثرة، مثّل كنفاني مصدر إزعاجٍ وتهديدٍ شديد للاحتلال، لدرجةٍ جعلته يحتل مرتبة متقدمة على قوائم اغتيالاتهم.

 

أبرز مؤلفات غسان كنفاني

ألّف غسّان كنفاني عددًا كبيرًا من الكتب، نشر منها 18 كتابًا، إلى جانب عددٍ هائل من المقالات والدراسات السياسية والثقافية والنقدية، وتُرجمت أعماله إلى قرابة 17 لغة، ونشرت في أكثر من 20 دولة. ومن أبرز كتاباته:

 

من مؤلفات غسان كنفاني
من مؤلفات غسان كنفاني
  • موت سرير رقم 12، مجموعة قصصية، 1961م.
  • رجال في الشمس، رواية، 1963م. (وهي ضمن قائمة أفضل 100 رواية عربية)
  • أرض البرتقال الحزين، مجموعة قصصية، 1963م.
  • الباب، مسرحية، 1964م.
  • أدب المقاومة في فلسطين، دراسات أدبية، 1966م.
  • ما تبقّى لكم، رواية، 1966م.
  • القبّعة والنبيّ، مسرحية، 1967م.
  • في الأدب الصهيوني، دراسات أدبية، 1967م.
  • عن الرجال والبنادق، مجموعة قصصية، 1968م.
  • الأدب الفلسطيني المقاوم، دراسات أدبية، 1968م.
  • مَن قتل ليلى الحايك؟، رواية، 1969م.
  • أم سعد، رواية، 1969م.
  • عائد إلى حيفا، رواية، 1970م.

 

أهم ما قيل عن غسان كنفاني

  • كان شعبًا في رجل، كان قضيةً، كان وطنًا. (مجلة الهدف)
  • اكتملَت رؤياكَ، ولن يكتملَ جسدُكَ. تبقى شظايًا منه ضائعةً في الرّيحِ، وعلى سُطُوحِ مَنازِلِ الجيران. كم يشبِهُكَ الوَطَنُ! وكَم تُشبِهُ الوَطَنَ! جَميلٌ أنتَ في المَوتِ يا غسّان. (الشاعر محمود درويش)
  • يشكّل [غسّان كنفاني] حالةً استثنائيةً في اقترابه المباشر من حرارة التجربة وكتابتها، من دون أن تحترق أجنحة الفنّ في كتابته. (نجوان درويش)
من لوحات غسان كنفاني
من لوحات غسان كنفاني

 

من مقولات غسان كنفاني

  • لا أحد يكره شخص كان يحبه. نحن نكره الاستغفال، الانتظار، الخذلان، الرحيل، الفقد، خيبات الأمل، عدم الاهتمام، وكل شيء شابه ذلك.
  • إن تاريخ الشعوب ليس من صنع فرد واحد، وإنما هو الرغبة في الالتحاق بنضال الجماهير المتواصل، لهزيمة جميع أشكال الاستغلال القومي والطبقي.
  • إنني لا أخاف من الموت، ولكني لا أريد أن أموت. لقد عِشتُ سنواتٍ قليلةً قاسيةً، وتبدو لي فكرة أن لا أعوّض: فكرةً رهيبة!
  • الفكرة النبيلة غالبًا لا تحتاج إلى الفهم؛ بل تحتاج إلى الإحساس.
  • الغزلان تحبّ أن تموت عند أهلها؛ أما الصقور فلا يهمها أين تموت.
  • إن قدرة الإنسان على تجاوز السقوط، هي ذاتها قدرته على المواجهة، وطاقته على تصحيح الخطأ، هي ذاتها طاقته على اكتشافه.

 

المصادر

  • من الذاكرة حتى الأمل: دراسة في قصص غسان كنفاني القصيرة، خالد جميل شمّوط، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012م.
  • غسان كنفاني: الشاهد والشهيد، أوس داوود يعقوب، مجلة فكر، ملحق العدد 113، بدون تاريخ.
  • الأعمال الكاملة، غسّان كنفاني، المجلّد الخامس: الدراسات السياسية، دار منشورات الرمال، بيروت، 2015م.