كثيرًا ما نسمع كلمة الاستراتيجة من مصادر متعددة، فتارة نسمعها كصفة من صفات التخطيط “الاستراتيجي”، أو عند القراءة في التاريخ العسكري نسبة لطريقة الحرب التي انتهجها أحد الأطراف المتحاربة، أو ربما سمعنا الاستراتيجية الاقتصادية للتعبير عن مجموعة من السياسات والخطط الاقتصادية طويلة المدى، وغير ذلك الاستخدامات التي تتجدد بين حين وآخر.

 

فيما يلي نعرض لمفهوم الاستراتيجية وخصائصها، وأهدافها ومبادئها، ولماذا توصف قضية ما بأنها استراتيجية وأخرى لا توصف بذلك، وما هي تقسميات الاستراتيجية وأنواعها، وما هو القرار الاستراتيجي، وما يتعلق بالاستراتيجية ويشتبك معها من مفاهيم وأساليب، كما بينها الدكتور ألبير رحمة في كتابه “علم الاستراتيجية”.

 

مفهوم وخصائص الاستراتيجية

مفهوم الاستراتيجية

وفقًا لدائرة معارف العلوم السياسية، فالاستراتيجية هي “فن استخدام القوة العسكرية أو التهديد باستخدامها لتحقيق أهداف سياسية”. ويمكن تحليل الحرب عبر أربعة مستويات مختلفة، أولًا على المستوى السياسي الذي يطلق عليه أحيانًا الاستراتيجية العليا (grand strategy) حيث تحدد الأهداف السياسية للدولة والتي تستهدف في نهاية المطاف ضمان بقائها، وتحدد أيضًا الوسائل التي تتجاوز أحيانًا البعد العسكري، ثم – ثانيًا- يُترجم المستوى الاستراتيجي الأهداف السياسية إلى أهداف عسكرية، في حين يحقق المستوى العملياتي – المستوى الثالث- الأهداف العسكرية من خلال إجراء الحملات والعمليات العسكرية. وأخيرًا يصف المستوى التكتيكي – المستوى الرابع- كيفية إجراء المعارك والاشتباكات.

الاستراتيجية
خريطة

 

إذن، وفقًا للتعريف السابق فالاستراتيجية وثيقة الصلة بالسياسة، وبالتالي فمن يريد الإطلاع على العلوم السياسية وأهم قضاياها ومواضيعها يجدر به أن يقرأ عن الاستراتيجية وما حولها.

 

ثمة تساؤل مهم؛ هل الاستراتيجية علم أم فن؟ والحقيقة أن الاستراتيجية علم كما هي فن، علم له مبادئ وقواعد نظرية لابد للإلمام بها قبل الممارسة، ثم تأتي الممارسة لتنضجها وتعمق من النظرية، وهكذا دواليك.

 

أصل المصطلح أو الاشتقاق

يعد مصطلح الاستراتيجية من المصطلحات القديمة المأخوذ من الكلمة الإغريقية Strato وتعني الجيش أو الحشود العسكرية، ومن تلك الكلمة اشتقت اليونانية القديمة Strategos، وتعني فن إدارة وقيادة الحروب، إلا أن كلمة الاستراتيجية صارت تأتي في سياقات أخرى، مثل استراتيجيات الإدارة والاقتصاد وغيرها.

 

التحديد الحالي للاستراتيجية

الاستراتيجية بحسب ما يعرّفها القاموس السياسي هي: “علم القيادة العامة في الحرب، أي جميع التدابير اللازمة لتحقيق النصر”، وهي لا تقتصر على كسب معركة في ميدانها فقط، بل تشمل الخطة العامة لكسب الحرب، ومن ثم فلديها مستويات كما ذكرنا في البداية.

 

نشأة وتكوّن الاستراتيجية

لما كانت الحروب من الظواهر التي لا تنفك عن التاريخ البشري فقد نال التاريخ العسكري “الاستراتيجي” نصيبًا من هذا التاريخ، ومن ثم فالاستراتيجة لها جذور تعود إلى ما يزيد عن 26 قرنًا على يد بعض العسكريين الصينيين، وكنتيجة حتمية للتطور والتوسع الهائل في مجال المعرفة العسكرية قسم الفن العسكري إلى ثلاث مستويات رئيسية؛ وهي الاستراتيجية العليا أو الشاملة، والاستراتيجية العسكرية، والتخطيط.

 

الاستراتيجي العملي والاستراتيجي النظري

ثمة تساؤل مهم؛ هل يشترط للإسهام النظري في مجال الاستراتيجية أن يخوض صاحب هذا الإسهام الحروب والمعارك، وبالمثل هل كل من يخوض الحروب لديه القدرة على المساهمة في التنظير للاستراتيجية؟ وهي معضلة كبيرة، إلا أن غالب الآراء تصب في أن الاستراتيجي (ذلك الذي يفكر) يجب أن يفكر بكل شيء وبطريقة شمولية، بينما الاستراتيجي (ذلك الذي يفعل ويتصرف) يجب أن يفكر بشكل موضعي محلي.

الاستراتيجي العملي
الاستراتيجي العملي

خصائص ومبادئ ومعايير الاستراتيجية

خصائص وأهداف الاستراتيجية

تهدف الاستراتيجية إلى تحقيق هدف سياسي عن طريق الاستخدام الأمثل لكافة الإمكانات والوسائل المتوفرة، أما خصائصها فهي: “الشمول” لتراعي كافة الجوانب المحيطة بالموقف الذي ينبغي التعامل معه، و”التكامل” في استخدام الأدوات المتاحة والأساليب الممكنة لتحقيق الهدف، و”المرونة” وتجنب الجمود، و”الكفاءة” في استخدام الإمكانيات المتاحة.

 

مبادئ الاستراتيجية

ذكرنا أن الحرب ظاهرة قديمة قدم البشرية، وبالتالي تعددت المدارس الاستراتيجية وتنوعت عبر الزمان وعبر الثقافات والبقاع الجغرافية، وهو ما سوّغ ظهور تباينات في مبادئ الاستراتيجية بين تلك المدارس، إلا أنها جميعها تكاد تتفق في نقطتين؛ الأولى ضرورة اختيار النقطة الحاسمة الواجب الوصول إليها والتي تؤدي إلى زعزعة الخصم وانهياره، والثانية اختيار المناورة التحضيرية الصالحة للوصول إلى تلك النقطة، بعبارة أكثر وضوحًا: اختيار مكان الوخز وانتقاء الإبرة المناسبة لذلك.

 

معايير استخدام مصطلح الاستراتيجية

ليس كل هدف يوصف بأنه هدف استراتيجي، وليست كل خطة تكون استراتيجية. هناك عدة معايير لضبط استخدام مصطلح الاستراتيجية، منها أن يكون مستوى التخطيط بعيد المدى وعلى مستوى الأهداف العليا “الغايات”، ويلزم منه كذلك أن تكون هناك تهديدات من أطراف أخرى، وأن تصل عمليات تخطيط ورسم الاستراتيجية بالمستويات الإدارية العليا، فإذا كانت الخطة أو مستوى الإدارة في المستويات الدنيا فلا مجال لاستدعاء وصف الاستراتيجية في هذه الحالة.

الاستراتيجية
الاستراتيجية

 

أنواع الاستراتيجيات ووسائلها

نتيجة للتطور التقني والفكري وزيادة الحاجة للتخصص بجانب التراكم العلمي والمعرفي، تعددت أوجه ومستويات وحقول الاستراتيجية بحيث أصبح لكل حقل منها مميزاته الخاصة التي تلائم اعتباراته المعنوية ومعطياته المادية وأهدافه الخاصة به، وفيما يلي توضيح ذلك.

 

أنواع الاستراتيجيات

من حيث المستوى هناك استراتيجية عليا أو شاملة، واستراتيجية بحتة أو عسكرية أو عملياتية. وتقع ضمن الاستراتيجية العسكرية عدة استراتيجيات: برية وبحرية وجوية. أما من حيث المجال فثمة استراتيجية سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية وغيرها، كذلك تقسم الاستراتيجية إلى مباشرة وغير مباشرة.

 

بالرغم من كل هذه التقسيمات فإن الاستراتيجية في حقيقتها واحدة من حيث الجوهر والهدف والأسلوب، وليس التقسيم إلا ضرورة عملية أو علمية نشأت من خلال تشعّب وتضخّم مهام الاستراتيجيات، وهذا التقسيم بدأ في التبلور مع التراكم المعرفي الهائل بهدف الفهم وتوضيح الفوارق بين هذه الأنواع.

 

الوسائل والقرارات الاستراتيجية

الوسائل الاستراتيجية

تتباين الوسائل التي تستخدمها الاستراتيجية لتحقيق هدفها تبعًا للتباين في طبيعة وأهمية ذلك الهدف، وتبعًا للإمكانات والقدرات المتاحة للظروف والأجواء المحلية والدولية السائدة. الاستراتيجية الناجحة هي التي تؤدي إلى اختيار الوسيلة – أو الوسائل- الأجدى بين كافة الوسائل المتاحة للوصول إلى هدفها، أي التي تنجح في تحقيق وتأمين التوافق والملائمة بين الوسيلة والهدف.

 

القرار الاستراتيجي

تؤخذ القرارات الاستراتيجية في كثير من الأحيان في أجواء من الضغط المستمر يكون بدرجة كبيرة أو قليلة، وليس من المبالغة القول بأن القرار الاستراتيجي هو واحد من أصعب القرارات التي يمكن أن تحدث، ومن أعقدها على الإطلاق، فالقرار الاستراتيجي يقع تحت هيمنة التغيرات السريعة والتحولات المفاجئة، فهو يرتبط بمؤشرات متعددة وليس مؤشرًا واحدا، إنه قرار يأتي بعد عدة تقييمات وتقديرات أهمها المجازفة والرهانات، والوسائل والإمكانيات، والأخطار المتوقعة والظروف المحيطة.

القرار الاستراتيجي
القرار الاستراتيجي

 

يأتي القرار الاستراتيجي من مستويات القيادات العليا والقادة الكبار الملمين بإمكانيات المؤسسة ومواردها. والقرار الذي يوصف بأنه استراتيجي هو قرار حتمي في الأغلب. والقرارات الاستراتيجية تتعلق بالمدى الطويل من الناحية الزمنية، كما أنها تربط بين الدولة/ المؤسسة وبين بيئاتها الخارجية، وبالتالي تكون تداعيات القرارات الاستراتيجية كبيرة مقارنة بغيرها من القرارات.