يشتهر الفيلسوف الألماني القدير إيمانويل كانط باعتباره آخر فلاسفة عصر التنوير، وصاحب النقلة الإنقاذية في الفلسفة الغربية. قال عنه بعض النقّاد، إنه لا يوجد فيلسوف على الإطلاق، باستثناء أرسطو، يستطيع الادعاء بأنه يضاهي كانط في مدى التأثير الذي مارسه على عقول البشر. فيما يلي نعرض كتاب المذكرات (أيام إيمانويل كانط الأخيرة)، الذي كتبه تلميذه توماس دي كوينسي عن السنوات التي لازمه فيها، وحتى أيامه الأخيرة.

 

ما قبل أيام إيمانويل كانط الأخيرة

قبل أن نصل إلى النهاية، لابدّ من الحديث أولاً عن البداية. فقد ولد إيمانويل كانط في 22 أبريل 1724م، في كونجيسبرج عاصمة مملكة بروسيا حينها (تعرف بمدينة كلينينجراد في روسيا حاليًا). وكان إيمانويل هو الابن الثاني من ستة أطفال، وتنحدر عائلته من جهة الأب من أصول أسكتلندية، وكان والداه من ذوي المكانة المتواضعة اجتماعيًا، ومع ذا وفّرا لابنهما إيمانويل ما يحتاجه من تعليم حرّ؛ وأرسلاه إلى مدرسة خيرية عندما كان طفلاً.

إيمانويل كانط
كتاب أيام إيمانويل كانط الأخيرة وتمثال للفيلسوف

 

في عام 1732م، التحق إيمانويل كانط بالأكاديمية الملكية (الفريدريكية)، حيث درس الكلاسيكيات اليونانية واللاتينية، وربطته علاقة صداقة وثيقة مع زميله روهن كينيوس، الذي صار ناقدًا أدبيًا معروفًا فيما بعد.

 

بعدها بخمسة أعوام، في عام 1737م، توفيت والدة كانط، وكانت امرأةً ذات شخصية فذّة تميّزت بسعة المعرفة وإنجازات عديدة تخطّت بها طبقتها الاجتماعية، وساهمت في ازدهار مستقبل ابنها من خلال إرشاد وتطوير أفكاره الغضّة، وتربيته على الأخلاق الرفيعة، وهو ما كان يظهر حنينًا وامتنانًا كبيرًا لدى كانط كلّما تحدّث عنها.

 

في عام 1740م، التحق كانط بجامعة كونيجسبرج، وبعدها بستة أعوام، وبينما كان عمره 22 عامًا، طبع كتابه الأول حول “تثمين القوى الحية”، الذي ناقش فيه رياضيًا وفلسفيًا هذا السؤال الذي أثاره لايبنتز على سبيل المعارضة للديكارتيين.

 

خلال الثلاثين عامًا التالية، وحتى عام 1770م، عمل إيمانويل كانط مربيًا خاصًا لأبناء بعض العائلات، ومحاضرًا في جامعة كونيجسبرج لرجال الجيش تحديدًا حول فنّ إقامة التحصينات العسكرية. وانتهى الأمر إلى تعيينه أستاذًا للرياضيات، غير أنه استبدله بعد فترة وجيزة بكرسى المنطق والميتافيزيقا، وألقى درسًا افتتاحيًا كان هو البذرة الأولى لفلسفة التعالي.

 

في عام 1781م، نشر إيمانويل كانط عمله العظيم “نقد العقل المحض”، الذي اعتُبِر أحد أكثر الأعمال تأثيرًا في تاريخ الفلسفة على مرّ العصور، ثم نشر بعده “نقد العقل العملي” في عام 1788م، ثم “نقد ملكة الحكم” في عام 1790م.

 

إيمانويل كانط كما تظهره مذكرات دي كوينسي

في مذكّرات توماس دي كوينسي (أيام إيمانويل كانط الأخيرة)، تظهر شخصية كانط القوية وهو يقاوم بؤس الملكات العقلية المضمحلة والألم والاكتئاب، ويصارع اهتياج نوعين مختلفين من المرض، أحدهما أصاب معدته، والآخر أصاب عقله، ليظلّ منتصرًا على كل هذه المصاعب حتى آخر لحظة في حياته، بفضل نبله وسعة عقله – وفق ما يفسّر صاحب المذكّرات-.

إيمانويل كانط في مراحل مختلفة من حياته
إيمانويل كانط في مراحل مختلفة من حياته

 

كان كانط شديد العناية بتلاميذه، وكان يستفسر دائمًا عن أحوال تلاميذه السابقين، وكان يسعد كلما وصلته أخبار عن تفوقهم ورخائهم ونجاحهم. وكان يعارض القيود التقليدية المعتادة في المجتمع بطريقةٍ مسليّة دون إهمال مظاهر اللياقة والذوق العام. وكان نادرًا ما يتردّد في التعبير عن استيائه من عدم الالتزام بالمراسم الاجتماعية التي تحصل في إطار تفاعله.

 

أيضًا، كان كانط قليل التكلّف لا يحبّ أن يتعامل بصفته مرشدًا، ويزعجه التزلّف والتملّق، وكان قلّما حوّل دفة حوارٍ اجتماعي في اتجاه أيٍ من فروع الفلسفة التي أسّسها.

 

كانت صحّة كانط جيّدة، ليس لأن جسده لا يعاني الألم، وإنما لأنها كانت حالة من الإحساس الإيجابي الممتع، والشعور الأليف بالسيطرة على نشاطه وحيويته. وكان يحتفظ في غرفة نومه بمجموعة كتب تصل إلى 450 مجلدًا، أغلبها نسخٌ أهداها له المؤلفون.

 

كان كانط سخيًا جدًا مع المؤسسات الخيرية العامة، وساعد سرًا من يعرفهم من الفقراء والمتقاعدين، وبلغت ثروته قرابة 20 ألف دولار، كانت حصيلة أعماله طيلة 60 عامًا تقريبًا، نظرًا إلى أنه قد عاني العوز والحاجة في شبابه لكن دون أن يضطر نفسه إلى الاقتراض من أحد.

 

في حياته، اعتاد كانط على استخدام التناقض، ففهمه العالي وتألقه في الحديث نتجا عن حضور بديهته الدائم وظرافته اللاذعة في بعض الأحيان، إضافة إلى سلطته المعرفية المذهلة التي تمثّل مزيجًا من ثقة في النفس بدرجة نبيلة أثّر فيها وعيه بهذه المزايا في أخلاقياته، ومن معرفة عامة ببراءةٍ متزمّتة صاحبته في أطوار حياته.

 

كانط والاضمحلال الأخير

في أواخر حياته، عانى إيمانويل كانط من إصابته بتردٍ ذهني وجسدي قضى على العديد من ملامح شخصيته المرحة، وسماته اللطيفة والنبيلة. وقبل خمس سنوات من وفاته، أسَرَّ إلى أصدقائه المقرّبين: (أيها السادة، أنا عجوزٌ، ضعيفٌ ومتصابٍ، ويجب عليكم أن تعاملوني كطفل). وبالفعل كتب في دفتر يومياته قبل وفاته بعام: (أشهر الصيف ثلاثة: يونيو ويوليو وأغسطس). وكأنه عاد طفلاً يتعلّم البديهيات من جديد.

 

كان كانط يعاني من الكوابيس والأحلام المرعبة التي توقظه في حالةٍ من الانفعال الشديد، إذ كانت تدور فيها حبكات كاملة من المآسي العظيمة حول أشخاص قتلة يدورون حول سريره، وقطارات مرعبة تكتظ بالأشباح وهي تزحف نحوه في الليل، وقد سبّب له كل هذا اضطرابات في النوم، فاقمت من التأثير السلبي على حالته الذهنية.

إيمانويل كانط وقناع جبس الوفاة الخاص به
إيمانويل كانط وقناع جبس الوفاة الخاص به

 

في عامه الأخير، ازدادت حالة عينيه سوءًا مع الوقت، حتى فقد بصره، ومع ذا كان يكتب بمهارةٍ واضحة. كما تدهورت حاسة السمع لديه إلى درجة أصابته بكآبة عميقة.

 

يصفه توماس دي كوينسي في المذكرات بقوله: في يوم الإثنين الأخير من حياته، عندما أدّى أقصى ما بلغه من عجز إلى جعل أصدقائه يذرفون الدموع، جلس كانط بيننا غير مدرك لكل ما يمكن أن نقوله له، منهارًا على كرسيّه مثل كومة لا شكل لها، أصمّ، أعمى، شبه خدر، وبلا حراك.

 

توفي إيمانويل كانط في 12 فبراير 1804م، ودُفن في 28 من نفس الشهر في مدفن القبو الأكاديمي في كونجيسبرج، وسط قبور بطاركة الجامعة القدامى.