التخطي إلى المحتوى
إيفان بافلوف مبرمج السلوك الإنساني
إيفان بافلوف مبرمج السلوك الإنساني

يعتبر إيفان بافلوف أحد مؤسسي المدرسة السلوكية في علم النفس، ويعدّ من أوائل مَن أٍّسوا بشكلٍ تجريبي لإمكانية برمجة السلوك الحيواني والإنساني وفقًا لترتيبات معيّنة. انتزع بافلوف إشادة الحكومة البلشفية في روسيا، وحصل على جائزة نوبل. في هذا المقال نتعرّف على عالم النفس الروسي إيفان بافلوف وتجاربه على الحيوانات وتأثيره العلمي.

 

مسيرة حياة إيفان بافلوف

ولد إيفان بيتروفيتش بافلوف بمدينة رايزان في وسط روسيا، عام 1849م، وكان الابن الأكبر من بين أحد عشر ابنًا لأب كان يعمل رجل دين. كان من المتوقّع أن يسير إيفان على نهج والده ويصبح رجل دين، إلا أن قراءاته لمؤلفات داروين جعلته يذهب إلى سانت بطرسبرج لدرساة الكيمياء والفيزياء.

بورتريه يقدّم إيفان بافلوف
بورتريه يقدّم إيفان بافلوف

في الجامعة، زاد شغف بافلوف بعلم وظائف أعشاء الجسم، وعمل في معامل الكثير من الأساتذة المشاهير، وفي دراسته لعلم وظائف أعضاء الجسن تخصص في عملية الهضم والجهاز الهضمي، وهو ما قاده إلى أفكاره بشأن “ألشرطية”، أو الطريقة التي يطوّر بها الحيوان والإنسان انعكاسات جديدة كي يستجيب لبيئته.

كانت جامعة سان بطرسبرج في وقت التحاقه بها قد حققت إنجازًا علميًا ببحوثها عن الخلايا العصبية لخلايا البنكرياس. وبعد أن حصل على درجته العلمية في عام 1875م، أكمل دراساته في الأكاديمية الإمبراطورية للطب، التي حصل منها على درجة الزمالة، ثم عيّن بها أستاذًا لعلم وظائف الأعضاء، وكانت رسالته للدكتوراه حول الخلايا العصبية في القلب.

في عام 1890م، أسّس بافلوف قسمًا لعلم وظائف الأعضاء في معهد العلوم التجريبية بسان بطرسبرج، حيث أجرى معظم تجاربه عي الهضم والاستجابات الشرطية المنعكسة، وكان يرأس فريقًا كبيرًا معظمهم من العلماء الشباب.

كان بافلوف محبًا للحقائق التجريبية، والنظام، والانضباط، ولم يكن يسمح لشخصيته بالظهور في لغة مؤلفاته، رغم أنه على المستوى الإنساني يعتبر شخصًا ماهرًا.

كان بافلوف أيضًا منتقدًا للشيوعية، ومع ذلك فقد نجح تحت حكم البلاشفة في روسيا، بل أصدر لينين مرسومًا قال فيه إنّ تجارب بافلوف ذات أهمية قصوى للطبقات العاملة في كل أنحاء العالم.

من الدرجات الشرفية الكثيرة التي حصل عليها بافلوف، درجة زمالة الأكاديمية الروسية للعلوم، وفوزه بجائزة نوبل عام 1904م في الطب، وحصوله على وسام الشرف في فرنسا عام 1915م. توفي بافلوف عام 1936م، عن عمر يناهز 87 عامًا، وكان لا يزال يعمل في معمل تجاربه حتى ذلك الحين.

 

تجارب بافلوف على الحيوانات

اعترف بافلوف بالفضل للفيلسوف رينيه ديكارت بالفضل، حيث وصف ديكارت الحيوانات بأنها آلات تصدر ردود أفعال متوقعة تجاه المثيرات البيئية تحافظ من خلالها على التوازن. ردود الأفعال هذه جزءٌ من الجهاز العصبي، وتحدث في عددٍ من الممرات العصبية. كان إفراز اللعاب لدى الكلاب كردّ فعل منعكس يمثل سلوكًا للغدد المسئولة عن الهضم لدى الكلاب، هو بداية بحث بافلوف.

تجارب إيفان بافلوف على الحيوانات
تجارب إيفان بافلوف على الحيوانات

لاحظ بافلوف في تجاربه الأولى أنّ هناك عنصرًا نفسيًا في استجابة إفراز اللعبا المنعكسة عند الكلاب، وهو أنّ الكلاب تبدأ في إفراز اللعاب عندما تفكّر في الطعام. كان من الواضح أن أن فكرة ديكارت عن الاستجابة الآلية لم تكن بسيطة؛ لذا رغب بافلوف في استكمال البحث.

قرّر بافلوف أن يتدخّل في خلق ردود الفعل المنعكسة، فاستأصل الغدد المسئولة عن إفراز اللعاب من الكلاب، لتمييز ما إذا كان اللعاب مرتبطًا شرطيًا بالجوع، وعرّض الكلاب لعددٍ من المثيرات المختلفة ودرس تأثيرها واستجابتها لها، وتوصّل إلى أن هناك نوعين من الاستجابات المنعكسة (ردود أفعال الحيوان تجاه بيئته)، وهما:

  • الانعكاس الطبيعي (غير الشرطي)، مثل إفراز الكلب للعاب عندما يبدأ الأكل كعملية مساعدة على الهضم.
  • الانعكاس المكتسب (الشرطي)، الناتج عن مستوى اللاوعي، مثل إفراز الكلب للعاب عند سماع صوت الجرس الذي ارتبط عنده بصورةٍ حعلت الصوت مساويًا للطعام.

بالنسبة لبافلوف فإن هناك حدودًا لعملية خلق ردود أفعال منعكسة؛ فهي إما تتلاشى مع الوقت، وإما أنّ الكلاب نفسها لم تعد تهتم بتقديم استجابة واكتفت بالنوم. اكتشف بافلوف من هذا أن القشرة المخية لا يمكن تعديلها أو تغييرها بدرجة كبيرة، فقد كان من الواضح أن حياة الكلب وممارسته وظائفه بالصورة اللائقة شيء يحتاج الكلب إليه لتحقيق مستوى معين من التوازن في مخه.

 

التأثير العلمي الذي أحدثه بافلوف

رغم أن الكلاب التي أجرى عليها بافلوف تجاربه كانت ذات خصائص آلية، فقد كانت استجاباتها المنعكسة وردود أفعالها قابلة للتغير أيضًا. وفيما يخص البشر، فإنهم يستطيعون تغيير أنماطهم السلوكية أيضًا. الفكرة هنا أنّ البشر عرضة للتأقلم مع البيئة مثل كل الحيوانات، ومع ذلك فإنهم يستطيعون كسر النمط الذي يعيشون به إذا اتضح أنه ليس في صالحهم، والمردود الذي ينحصل عليه من البيئة المحيطة بنا يعلمنا أيّ من استجاباتنا للحياة جيدة، وأيها غير ذلك.

كان لتجارب بافلوف أثر هائل على المدرسة السلوكية في علم النفس التي رأت أن البشر لا يختلفون كثيرًا عن الكلاب من حيث إمكانية توقع استجاباتهم للمثيرات، وأنه يمكن برمجة البشر على اتباع أساليب سلوكية معينة.

كان السلوكيون المتطرفون يعتبرون حرية الإرادة كذبة، وأنه أيًا كانت المدخلات التي يتعرض لها الفرد، فستصدر عنه مخرجات موازية لها فيما يخص التوجهات والسلوكيات. ومع ذلك فإن خلاصات بافلوف تتعرض مع هذا التوجه؛ فقد لاحظ مثلاً أنّ كثيرًا من استجابات الكلاب لم يكن من الممكن توقعها، وأنه حتى عندما تحدث البرمجة، فإنه لا يزال هناك مساحة تعبّر الكلاب فيها عن تفرّدها.

أخيرًا، تعتبر من المفارقات أن يرتبط اسم بافلوف بعلم النفس؛ خاصةً أنه لم يكن يثق في دعاوى علم النفس، وكان تركيزه على قياس الاستجابة البدنية وحدها أسلوبًا شبه معارض لأسلوب مدرسة “فرويد” المنغمس في “الدوافع والرغبات الداخلية”. ومع ذلك فقد أدّى تركيزه هذا إلى أن يستقر علم النفس على أرضية علمية أكثر صلابة.

 

اقتباسات ومقولات بافلوف

  • الردود الشرطية المنعكسة ظاهرة شائعة على نطاق واسع، وتتجسّد في كل ما تفعله يوميًا. إننا نجد هذه الردود في أنفسنا وفي غيرنا تحت أسماء “التعليم” و”العادات” والتدريب”. وليست كل هذه الأمور إلا نتائج لتكوين روابط عصبية جديدة لدى الكائن الحيّ.
  • إذا لم يكن الحيوان متوافقًا بدقّة مع بيئته، فسيموت عاجلاً أو آجلاً. وإن شئت مثالا بيولوجيًا على هذا: لنفرض أن الحيوان تمرّد على الطعام بدلاً من الانجذاب إليه، أو ألقى الحيوان بنفسه في النار بدلاً من الهرب منها؛ فسوف يفنى بسرعة. لابدّ أن يستجيب الحيوان للبيئة بطريقة تحافظ له على وجوده.

 

مصادر

  • أهم 50 كتابا في علم النفس، توم باتلر – باودون، مكتبة جرير، الرياض، 2012م.