لا شك أنه في أوقات التضخم يبحث المستثمرون عن أفضل وعاء ادخاري لأموالهم للحفاظ على قيمتها وزيادتها أيضًا. لذلك وضع وارن بافت، أحد أغنى أغنياء العالم، نظرية هرمية لـ الأوعية الاستثمارية على أن يكون في أسفل الهرم أسوأ استثمار، وفي قمة الهرم أفضل استثمار. 

هرم وارن بافت لحماية المستثمر من التضخم للوصول لـ الحرية المالية 

المرتبة الخامسة القاعدة الهرمية: ادخار الأموال وشراء السندات أسوأ استثمار

في الجزء السفلي من الهرم، تعتبر الأصول المعتمدة على العملة أسوأ الاستثمارات في فترات التضخم. أي أن الأموال التي تحتفظ بها في حسابك البنكي أو حتى تحت مرتبة سريرك يلتهمها التضخم بصورة يومية، وأنت لا تشعر. 

كما أن شهادات الاستثمار في البنوك، أو السندات التي تصدرها الحكومات أو شركات توظيف الأموال مع فوائد في ليست هي الأفضل. 

ويقول وارن بافت أنه على سبيل المثال لو اقترضت 100 دولار في مقابل إعادتهم 110 دولار بعد عام، فقد لا يبدو هذا سيئًا كثيرًا، فهذا عائد سنوي بنسبة 10٪! ومع ذلك، إذا قمنا بهذا الصفقة وتوجد تضخم بنسبة 10٪ في الدولار، والذي ليس مستحيلًا على الإطلاق بالمناسبة، حيث حدث ذلك في السبعينيات والثمانينيات، فلن تحقق أي مكاسب مالية. 

ويؤكد لو وزعت الولايات المتحدة الأمريكية مليون دولار نقدي لكل منزل في أمريكا، سيشعر الجميع بالسعادة والرضا، باستثناء إلا الذين كانوا يدخرون مبالغ مالية لأن قيمتها الشرائية ستنخفض. 

المرتبة الرابعة الأقل سوءًا في الاستثمار 

يعتبر الاستثمار فيما يلي من الاستثمارات التي تزيد قوة شراءك في الواقع. ومن بين هذه الاستثمارات:

الأسهم

تعتبر الأسهم الخيار الأفضل خلال فترات التضخم، حيث تتجاوز نسبة العائد على الاستثمار بالأسهم عادةً نسبة التضخم، وبالتالي تزيد قوة شراء المستثمر. كما تزيد أيضاً قيمة الشركات خلال فترات التضخم، حيث يمكنها زيادة أسعار منتجاتها وخدماتها.

العقارات

يمكن أن تكون العقارات استثمارًا منتجًا في بعض الأحيان، حيث تتزايد قيمتها خلال فترات التضخم. وعلى الرغم من أن بعض الناس يعتبرون العقارات استثمارًا غير منتج، إلا أنها تعتبر بديلاً جيدًا لادخار الورق البنكنوت، ويمكن أن تتزايد قيمة الإيجارات وبالتالي العائد سيكون أعلى خلال فترات التضخم.

السلع الأساسية

يمكن أن تزيد قيمة السلع الأساسية، مثل النفط والذهب والفضة والمنتجات الزراعية، خلال فترات التضخم، ويمكن للمستثمرين شراؤها كطريقة للحماية من تضخم العملة.

هذه هي الاستثمارات الثلاثة التي ينبغي للمستثمرين التفكير فيها خلال فترات التضخم، لأنها تحفظ قيمة المدخرات، ورغم ذلك لن تزيد من قوتك الشرائية أيضًا.

لكن لماذا ليست هي الأفضل في الاستثمار؟! 

للإجابة على ذلك نقتبس من حديث وارن بافت، في أحد مؤتمراته ما قاله: ” … إذا أخذنا كل الذهب في العالم  ووضعناه على هيئة مكعب، فسيكون مكعبًا يبلغ طول كل جانب منه حوالي 67 – 68 قدمًا، ويمكنك الحصول على سلم وتسلقه وتقول: “أنا جالس على قمة العالم. أنا ملك العالم!” ويمكنك أن تلمسه وتلمعه. 

ويواصل: “لكن لن يجعلك تفعل شيئًا، فهو مثل أي شيء من الأصول الغير انتاجية”. 

مثال آخر لو احتفظت بـ لوحة لرسّام عالمي نادرة 

يؤكد وارن بافت أنه بعد 10 سنوات ، ستظل اللوحة النادرة واحدة فقط ولن تتكاثر، بينما يمكن للاستثمارات التي تظهر في الجزء العلوي “المرتبة الثالثة” من الهرم أن تتكاثر مع مرور الوقت.

ويشير إلى أنه من الصعب جدًا التنبؤ بتعاملات الناس مع خوفهم من التضخم المستقبلي.  ويعطينا تجربة لاثبات وجهة نظره. أن تحاول التنبؤ بمن هي الأكثر جاذبية بين الشخصيات الخمسة في الصورة التالية: 

الآن مطلوب منك توقع مَن هي الشخصية التي سيعتبرها أغلب الناس أكثر جاذبية. ستدرك أن هذا أصعب بكثير مما يبدو.

لا يمكن التوقع من هي الأكثر جاذبية ، ولابد من معرفة متوسط ميل الناس إلى مَن هي الشخصية الأكثر جاذبية. وهذه أيضًا ليست النهاية! 

فالمشكلة الأكبر تكمن في أنَّ النتائج لا تعتمد على مدى جمال الصور الموجودة، بل على مدى تفاعل الناس مع هذه الصور ورأيهم فيها، وهذا يتطلب فهمًا عميقًا لعوامل النفس البشرية التي تؤثر على تفضيلات الناس واتجاهاتهم، وهذا ما يجعل الأمر أكثر صعوبة مما يبدو عليه في البداية.

جون مينارد كينز، الاقتصادي الشهير: التنبؤ باختيارات الناس أمر فلسفي كبير 

من ناحيته يرى الاقتصادي الشهير جون مينارد كينز المشكلة التي يواجهها الجميع، وهو الأمر الذي صرح به وارن بافيت أنه يتفق معه: “ليس الأمر يتعلق باختيار تلك الوجوه السالفة العرض في المثال السابق، لقد وصلنا  إلى المرحلة الثالثة حيث نخصص ذكائنا للتنبؤ بتوقعات الرأي العام في المتوسط.. هذا أمر فلسفي بشكل كبير. والأمر نفسه ينطبق على محاولة التنبؤ بمشاعر الناس حول التضخم في المستقبل وربط ذلك بالأسعار الحالية. بالتأكيد، هذه ليست لعبة يعتقد الشخص أنه ذكي بما فيه الكفاية للفوز بها، ولكن لحسن الحظ، هناك بدائل أفضل وأكثر أمانًا للاستثمار”.

المرتبة الثالثة: الأصول الإنتاجية ومعضلة ضخ المال للحفاظ عليها 

يعتقد وارن بافت أن الأصول الإنتاجية من  النوع المتوسط التي تنتج خدمات أو منتجات ذات قيمة، تنقسم لأكثر من نوع. 

النوع الأول: الذي يتطلب الكثير من الاستثمارات الإضافية للاستمرارية، وهو النوع الذي لابد من تجنبه في فترات التضخم. لأنه للأسف، معظم الأعمال لن تتمكن من تحقيق مكاسب حقيقية خلال فترات التضخم.

قد ترتفع أرباح رجال الأعمال بشكل معقول مع مرور الوقت، لكنهم مضطرون لضخ المزيد والمزيد من الدولارات في الإنتاج للبقاء في نفس المكان مع ارتفاع التضخم.

تعلم أن أسوأ نوع من الأعمال هو تلك التي تجعلك تضع المزيد من المال على الطاولة دائمًا ولا تعطيك أرباحًا أكبر”. وارن بافيت

ويضرب وران بافيت مثال مبالغ فيه لإثبات وجهة النظر:

جوني يبيع اللبان في مدرسته المحلية.

يطلب كل عام طلبية كبيرة من موقع “علي بابا” بقيمة 1000 دولار من اللبان الذي سيبيعه في المدرسة خلال الـ 12 شهرًا التالية.

هامش ربحه 10٪ ، لذلك بعد عام من البيع ، يحصل على 1100 دولار في جيبه.

يقرر أن يطلب طلبية جديدة بنفس عدد أكياس اللبان وبقيمة 1000 دولار في العام التالي مع عائد 100 دولار على الطلبية. والآن لنرى ماذا يحدث لاستثمار جوني لو أن هناك 10% تضخم كل عام. 

ببساطة، سيحدث هذا التخفيض في القيمة خلال ليلة، بين 31 ديسمبر و 1 يناير.

 في نهاية العام، يمتلك جوني مجددًا 1،100 دولار من مبيعاته. ومع ذلك، عندما يقرر طلب بضائع من شركة علي بابا في العام التالي، يدرك أن الأسعار قد ارتفعت! أصبحت العلكة أغلى بنسبة 10٪ ولشراء نفس العدد مثل العام السابق، يجب على جوني دفع كامل المبلغ 1،100 دولار. يشعر بخيبة أمل، لكنه يقرر الطلب على أي حال. في العام التالي، زادت مبيعات جوني بفضل التضخم إلى 1،210 دولار، لكنه مجددًا يجب عليه استثمار تلك المبالغ كاملة فقط لاستعادة مخزونه في العام التالي. لاحظ أنه إذا استمرت هذه العملية، فلن يتمكن جوني من ربح أي أموال من عمله.

أرني المال!

في العالم الحقيقي توجد شركات ذات عوائد منخفضة على الأصول الملموسة. يمكنك حساب ذلك عن طريق أخذ أرباح الشركة وتقسيمها على مجموع بنود الميزانية المسماة المستحقات والمخزون وأصول الجاريات الأخرى والأصول الصافية في العقارات والمصانع والمعدات. ومن بعد ذلك على قائمة الشركات التي يجب تجنبها هي تلك التي ليس لديها أي قوة في التسعير. الشركات التي لا يمكنها تحمل رفع أسعارها حتى في فترات التضخم. 

لكن المشكلة أن التضخم لا يجعل كل شيء أغلى في التكلفة! فقد يحدث ذلك بعد فترة زمنية طويلة جدًا. على سبيل المثال، قد يقرر الناس حلاقة شعرهم في المنزل إذا رأوا أن الحلاق يزيد سعره بمقدار 10 دولارات في العام، ونسوا أنهم حصلوا على نفس الزيادة في راتبهم.

فإذا ارتفعت التكاليف مع التضخم بينما لا تزيد المبيعات، فهذا قد يعني الإفلاس للشركات التي تواجه صعوبات مالية. وأخيراً – وهذا واضح تمامًا – إذا كنت تمتلك شركة تمتلك بدورها العديد من الأصول المذكورة في المراتب الخامسة والرابعة والثالثة، فلن تكون على ما يرام خلال فترات التضخم أيضًا. 

وهذه ليست مجرد حالة افتراضية – فالبنوك وشركات التوفير والرهن العقاري والتأمين لديها الكثير من النقد والسندات في الميزانية. وكانت أزمة المدخرات والرهن العقاري جزء من التضخم.

أزمة المدخرات والرهن العقاري في الثمانينيات في الولايات المتحدة الأمريكية 

وفقًا لويكيبيديا: “كانت أزمة الإدخار والرهن العقاري في الثمانينيات والتسعينيات سبب لـ فشل 1،043 من إجمالي 3،234 من شركات الإدخار والاستثمار  والرهن العقاري في الولايات المتحدة من عام 1986 إلى عام 1995.” 

المرتبة الثانية في الوعاء الإدخاري: استثمار برأس مال منخفض وأرباح أعلى 

يتطرق وارن بافت في هرمه الاستثماري المضاد للتضخم إلى الأعمال التي لا تحتاج رأس مال كبير وأرباحها مرتفعة. ويقول هناك زميلة جوني، ويندي، تقوم بإنتاج أغنية وتنشرها على منصة سبوتيفاي. 

تكلفة استئجار الاستديو وتوظيف مسؤول المونتاج وهندسة الصوت بلغت 1,000 دولار. والآن تتلقى 100 دولار كعوائد سنوية من سبوتيفاي. 

بمعنى آخر، عندما لا يوجد تضخم، فإنها تحصل على عائد بنسبة 10٪ تمامًا مثل جوني. فماذا يحدث إذا كان هناك تضخم بنسبة 10٪؟

 في السنة الأولى، تحصل ويندي على 100 دولار، كما هو متوقع. ثم يحدث تضخم. ما يعتبر جيدًا في “الأعمال” التي تقوم بها ويندي هو أنها لا تحتاج إلى رأسمال إضافي للحفاظ على سير عملها. 

في العام التالي، ستتمتع بربح 110 دولارات، بفضل التضخم، ثم 121 دولارًا في العام التالي، وكلها تدفقات نقدية حرة. 

فهي أموال يمكنها أخذها معها وإنفاقها في مكان آخر، أو ربما إعادة استثمارها لتوسيع مكتبة الموسيقى وإنشاء أغاني إضافية. 

إذن ما المطلوب في المرتبة الثانية للاستثمار ضد التضخم؟ 

1- رأس مال منخفض، وأرباح مرتفعة على الأصول. ومثال على ذلك الشركات ذات العلامات التجارية القوية مثل كوكاكولا أو سيز كاندي في الولايات المتحدة الأمريكية، وأيضاً شركات البرمجيات.

2- قدرة على تحديد الأسعار

وهو أمر صعب للغاية، ولكن يمكن تحديده باستخدام “الرافعة المالية على الميزانية” أي رفع سعر المنتج أو الخدمة مع دراسة السوق ومعرفة المرونة الحقيقية للسعر خلال فترة التضخم. 

ويقول وارن بافت: ” للأسف، حتى هذه الفئة من الاستثمارات ليست مضمونة، خاصة إذا بدأ الجميع في التفكير في ذلك. فيمكنك دفع ثمناً زائداً حتى للأعمال التي لا تتطلب استثمارات رأس مالية كبيرة وتتمتع بقوة في تحديد الأسعار. فالأعمال الجيدة ليست دائماً جيدة في البيع، على الرغم من أنها في مكانة جيدة”. 

لكن تشارلي مونجر، رئيس مجلس الإدارة في بيركشير هاثواي، يقاطع الترتيب الهرمي ويقول أن هناك بعض الأصول الاستثمارية في منطقة متوسطة ما بين المرتبة الثالثة والثانية، ويستشهد بما حدث للديون في الجمهورية الألمانية في فترة وايمار عشرينيات القرن الماضي.

ويقول: ” إذا كنت تمتلك منزلاً مع قرض عقاري كبير، وحدث تضخم هائل يقضي على القرض، فستحتفظ بالمنزل. في فترة الانهيار الاقتصادي في جمهورية فايمر الألمانية، حيث تم إعادة منح بعض القروض العقارية لتعويض الدائنين، وهذا ما فعلوه بشكل صحيح” مضيفًا : ” أن هذه هي الرافعة المالية وهي سلاح ذو حدين.”.

أفضل وعاء إدخاري استثماري في فترة التضخم.. المرتبة الأولى استثمارك في نفسك 

يرى وارن بافت، أنه في القمة والمرتبة الأولى هي قدرتك الشخصية على الكسب. حيث يعد الاستثمار في نفسك أفضل حماية ضد التضخم، فبإنشاء قيمة لنفسك تصبح شخصًا مهمًا للآخرين. بمعنى آخر، فإن أفضل استثمار يمكن أن يكون هو الاستثمار في نفسك لجعل نفسك قيمة للآخرين.

ويؤكد أنه بهذا تستطيع السيطرة دائمًا على جزء محدد من إنتاج السلع والخدمات الخاصة بالناس، ولا يهمك مكانة العملة.

إذا كنت قد قمت بالرهان على نفسك وقد تحملت الكثير من الديون للالتحاق بجامعة مرموقة، فستحقق أداءً أفضل في حالات التضخم.

المُلخص 

  1. أي إدخار لـ أوراق البنكنوت بعملة سيتأثر بشكل كبير خلال فترات التضخم ويجب الابتعاد عن تلك الأصول.
  2. الأصول غير الإنتاجية مثل الذهب والنفط والفضة أو ما شابه ستحافظ على القيمة فقط، لكنها لا تحقق ربحًا. 
  3. امتلاك عمل ليس حماية كبيرة ضد التضخم بحد ذاته، يجب أن تنظر أيضًا إلى خصائص العمل.
  4. الشركات التي لديها قوة التسعير دون الحاجة إلى استثمارات رأس مالية كبيرة هي استثمارات ممتازة خلال فترات التضخم. وإذا أضفنا القليل من الرافعة المالية لذلك، فمن المحتمل أن تكون أفضل.
  5. يجب أن تحافظ العقارات والأراضي الزراعية على قيمتها أيضًا لأسباب كهذه.
  6. أفضل حماية ضد التضخم هو قوة كسبك الشخصي. إذا كنت تفعل شيئًا قيّمًا للمجتمع، فسوف تأخذ دائمًا جزءًا معينًا من إنتاج الآخرين من السلع والخدمات.
  • المصدر: كتاب “وارن بافيت وتفسير البيانات المالية”. 

  Warren Buffett and the

Interpretation of Financial Statements