التخطي إلى المحتوى
مؤامرة الحريم: قصة اغتيال الملك رمسيس الثالث
مؤامرة الحريم: قصة إغتيال الملك رمسيس الثالث

يمتلئ التاريخ بالكثير من القصص والحكايات الأغرب من الخيال، ولم يكن تاريخ مصر باستثناء، ففيهم الصالح والطالح، الطامع والقنوع، مع الامتداد الزمنى الهائل لتاريخ بلادنا كان من المنطقي تدوين العديد من المواقف الأغرب من الخيال، ومنها المؤامرات التي كادت أن تغير من التاريخ المصري بأكمله، وهو ما حدث في عصر الملك “رمسيس الثالث” الذى تطلق عليه كتب التاريخ آخر أبطال مصر.

رمسيس الثالث :آخر الأبطال

الملك رمسيس الثالث ثاني ملوك الأسرة العشرون وآخر وريث عظيم لعرش رمسيس الثانى، كان من الواضح أن رمسيس الثانى هو المثل الأعلى لرمسيس الثالث، فعلاوة على اشتراكهما في الاسم قام رمسيس الثالث بتقليده في لقب التتويج الذى كان “وسر ماعت رع مرى إمن”: القوى بماعت (عدالة) الإله رع، محبوب الإله آمون، كما أطلق على أبناؤه أسماء أبناء رمسيس الثانى مثل: “آمون حر خبش إف”،”خع إم واست”،”با رع حر ونم إف”، “مرى آتوم”، “مونتو حر خبش إف” وغيرهم.

رمسيس الثالث متوجا بين الإلهين "حورس" و"ست"
رمسيس الثالث متوجا بين الإلهين “حورس” و”ست”

لم يكن هذا التقليد من فراغ فقد أثبتت فترة حكم رمسيس الثالث شجاعة لا متناهية لهذا الملك الذى كان واحداً من أعظم ملوك مصر المحاربين.

شعوب البحر: تتار العالم القديم.

حكم الملك رمسيس الثالث في أواخر العصر البرونزي وهو ما شهد تغير خريطة العالم بأكمله من انهيار قوى عظمى وظهور أخرى منذ زمن ليس ببعيد.

وفى عصر رمسيس الثانى كانت مصر هي والحيثيين بمثابة القوى الضاربة لذلك العصر ومع تغير الوضع الدولي ظلت مصر متماسكة في عصر رمسيس الثالث حتى ظهر شعوب البحر وعوامل أخرى أدت في النهاية إلى اجتياح شعوب البحر لإمبراطورية الحيثين وإفنائها عن بكرة أبيها وحان دور مصر.

كان هؤلاء أشبه بالتتار يجتاحون الأراضي والبلدان لا يتركون أخضرا ورائهم، ومما زاد من صعوبة الموقف خطر آخر من الجبهة الليبية فأصبح رمسيس بين خطرين يهددان مصر بالفناء، ولكنه وللعجب حارب على الجبهتين بكفاءة غير منقطة النظير.

فكانت معاركه في نهر النيل بالسفن وكذلك براً وأثبت فيها براعة حربية وبطولة حقيقة خرج منها منتصراً انتصار ساحق وقام بتوثيق ذلك على جدران معبد مدينة هابو بغرب الأقصر، وهو المعبد الجنائزي الذى شيده الملك غرب الأقصر ودون على جدرانه معاركه الحربية وانتصاراته.

شعوب البحر، معبد هابو.
شعوب البحر، معبد هابو.

نحن جوعى

بعد نهاية حروب رمسيس الثالث كان على البلاد أن تواجه خطراً داخليا آخر وهو أزمة اقتصادية كنتيجة مباشرة للحروب، وعلى الرغم من محاولات رمسيس الثالث للترفيه عن شعبه والشد من أزرهم عن طريق افتتاح الحدائق العامة والمنتزهات، تكثيف عمل دوريات للشرطة في كل مكان بمصر لحماية نساء مصر من المضايقات وحتى التحرش بهن، كما شدد أوامره للمرتزقة الأجانب – الذين كانوا أفظاظا أجلافا- والملتحقين بالجيش المصري أن يلزموا ثكناتهم ولا يختلطوا بالمصريين أو يضايقوهم.

 

قرية عمال دير المدينة.
قرية عمال دير المدينة.

 

إلا أن هذا لم يمنع الكارثة التي كانت على وشك الحدوث، بدأت المتاعب بداخل أهم قرى مصر وهى قرية دير المدينة التي ضمت الحرفيين والصناع والفنانين والمهندسين العاملين بتشييد مقابر وادى الملوك.

تلك القرية التي كان سكانها من الصفوة واعتادوا البذخ من ملوك مصر عليهم وهم من هم صفوة فناني مصر وخيرة رجالها، فإذا بأجورهم تتأخر مرة تلو الأخرى حتى حل العام 29 من حكم رمسيس الثالث قام فنانوا قرية دير المدينة بإضراب عمالي بل رفعوا لافتات تحمل شعارات مثل “نحن جوعى”.

وقد سجل هذا الإضراب كأول إضراب عمالي في التاريخ على الإطلاق وحصل على رقم قياسي في مجموعة جينيس للأرقام القياسية مسجل باسم مصر، وقد ظل الوضع في شد وجذب بين الحكومة والفنانين يتم فيها الاستجابة لهم تارة، والوعود تارة أخرى.

وشهدت العلاقة بينهما التوتر في مجملها بسبب عدم استطاعة الحكومة السيطرة على الوضع وتوفير المؤن اللازمة والأجور في ذلك المكان الحيوي وهو ما يعكس اضطراب داخلي واضح في تلك الفترة.

اغتيال الملك

في العام 32 من حكم الملك قام الملك بالانتقال إلى طيبة للتجهيز لعيد “سد” (تجديد الشباب) واستقر هناك لفترة حتى حل موعد عيد الوادي الجميل وهو أحد اهم الأعياد في تلك الفترة.

ولكن رمسيس لم يكن يدري أن بين جدران قصره وحكومته مؤامرة على وشك الحدوث لو نجحت فستقلب الأمور رأساً على عقب، على الأرجح كان الملك رمسيس الثالث بجناح الحريم الملكي في البرج الجنوبي لمدينة هابو حينما قامت الأيدي الآثمة باغتياله في مخدعه ما عرفناه لاحقاً أن الملك لم يمت فوراً جراء تلك المحاولة وأنه ظل لفترة يصارع الموت قبل أن يتوفى.

كما تم توثيق محاكمة المتآمرين بالتفصيل في بردية يطلق عليها الآن “بردية تورين القضائية” وهى تحمل اسم المتحف المحفوظة به في إيطاليا.

مؤامرة الحريم

سميت تلك المؤامرة بمؤامرة الحريم وذلك لضلوع إحدى زوجات الملك رمسيس الثالث وتدعى “تى” في تدبير المؤامرة، كان لرمسيس الثالث ولى عهد يدعى “رمسيس” وهو الذى ستعرفه كتب التاريخ باسم “رمسيس الرابع” إلا أن “تى” كان لها رأياً آخر.

كان هدفها ببساطة هو جعل ابنها من “رمسيس الثالث” والمدعو “بن تا ور” هو ملك مصر بعد “رمسيس”، عن طريق قتل الملك نفسه ومن ثم تنحية خليفته “رمسيس الرابع” ليخلو العرش لابنها.

أدركت الملكة المتآمرة أنها لن تستطيع إنجاز هذا واحدة فاستطاعت استمالة قائمة تشمل العديد من موظفي القصر الملكي نفسه، حدثت المؤامرة حيث تم محاولة اغتيال الملك في الحريم الملكي ولكن تلك المحاولة لم تنجح ولكن الملك تأذى بشدة وبقى طريح الفراش يصارع الموت.

عم الاضطراب القصر الملكي فالمتآمرين كانوا يشغلون مناصباً حساسة فمنهم من كان كاهنا وكاتباً وساقياً ملكيا، كانت مؤامرة متكاملة الأركان اشترك فيها العديد من ذوى المناصب لارتكاب هذا الجرم العظيم.

على الفور استجمع الأمير ولى العهد “رمسيس الرابع” شتات مؤسسة القصر الملكي وقام بتشكيل هيئة تحقيق قضائية مكونة من 12 فرد للتحقيق في المسألة وحاكمة المتآمرين.

وأثناء المحاكمة توفى “رمسيس الثالث” متأثرا بجراحه، لتنجح المؤامرة في قتل الملك بينما فشلت في هدفها الرئيسي وهو تنصيب “بن تاور” ملكاً.

بردية تورين القضائية.
بردية تورين القضائية.

 

خلال خمسة محاكمات أدانت هيئات التحقيق والمحكمة المصرية المتآمرين وتم إدانة كل المتآمرين، كل من كان على علم بالمؤامرة ولم يبلغ.

صدر الحكم بإعدام 28 من المتآمرين مع السماح لرفيعي الشأن منهم مثل الأمير “بن تاور” بأخذ روحه بنفسه، وما كان مثيراً للدهشة هو تدخل رئيس شرطة وقاضيان في سير المحاكمة متعاطفين مع المتآمرين (يبدو أنهم كانوا منهم).

وأرادوا تغيير دفة المحاكمة والتلاعب بها إلا أن الهيئة القضائية ألقت القبض عليهم هم الآخرين وعوقبوا بقطع أذانهم وأنوفهم، ذكرت تلك البردية أن المتآمرين الذين نفذ بحقهم حكم الإعدام أنهم حرقوا وتحولوا إلى رماد نثر على الأرض لتطأه الحمير، أما العاهل الراحل فجرى تحنيطه ومن ثم تم دفنه بمثواه الأخير في وادى الملوك في المقبرة التي شيدت خصيصاً له وتحمل حالياً رقم 11 بالوادي.

كيف مات رمسيس

تم العثور على مومياء الملك “رمسيس الثالث” ضمن مومياوات خبيئة الدير البحري التى عثر عليها عام 1881، ونقلت للعرض بالمتحف المصري، ومع الكشف عن فصول المؤامرة عن طريق بردية تورين أصبح هناك سؤالاً يشغل بال العلماء، كيف تم إغتيال رمسيس الثالث؟ هل تم تسميمه؟ طعنه؟ قتله بالكوبرا؟

لم تذكر البردية الطريقة التي قتل بها الملك، ولم تشير إلى ذلك على الرغم من كافة التفاصيل التي ذكرتها بل والقائمة الكاملة لأسماء المتآمرين، كما أن مومياء الملك عند فك لفائفها منذ أكثر من مائة عام لم تفصح عن شيء يمكن العلماء من معرفة الطريقة التي قتل بها.

في البداية ظن علماء المصريات أن الملك “رمسيس الثالث” قد دست له كوبرا لتلدغه في مخدعه (على طريقة كليوباترا)، وذلك بسبب عدم وجود أي علامات للعنف على المومياء كما ذكرنا سابقاً إلا أن ذلك سيتم إثبات خطأه فيما بعد.

مومياء رمسيس الثالث.
مومياء رمسيس الثالث.

 

ظل هذا الاعتقاد سائدا لفترة طويلة حتى تم عمل فحص بالأشعة المقطعية للمومياء منذ سنوات قليلة ليفصح الملك أخيرا عن سره.

كان هناك تواجد مكثف للفائف الكتان حول عنق الملك، وكشفت الأشعة المقطعية عن جرح غائر بعنق الملك مما يؤكد وفاته مذبوحاً.

قام المتآمرون بذبح الملك بدم بارد في مخدعه وظل أسابيع بعد عملية الاغتيال يصارع الموت حتى توفى في النهاية تاركاً ابنه رمسيس الرابع على العرش كما كان مقدراً له، لتفشل تلك المؤامرة وينساها الزمان لولا حرص المصريين القدماء على التدوين الدقيق لكل شيء متعلق بحياتهم تقريباً لما عرفنا شيئاً عن تلك المؤامرة في أي وقت.

أما عن الأمير المتآمر “بن تاور” فله قصة أخرى سنلقى الضوء عليها في مقال آخر.

قصة عشق رمسيس الثاني والملكة نفرتاري | هل سمعتم بها؟